نادية محمود

الاعتراضات والاحتجاجات المطلبية والتيار الصدري!

في "فتواه" على احتجاجات طلبة جامعة واسط المطالبين بحقوقهم في تخفيض اجور الدراسة واطلاق مخصصات الطلبة، اجاب الصدر بان هذه التظاهرة تشكل "اهانة لهيبة الدولة" وانه يجب على مواطني مدينة واسط التوقف عن اية احتجاجات الى حين اصدار اشارة منه!!

في هذه المقالة سنوضح ما هي حقيقة تعبير مقتدى الصدر او تمثيله "للفقراء" كما يردد بعض من التيار المدني الذي وضع يده في يد التيار الصدري.

لنعدد اولا للاعتراضات التي حدثت في شهر شباط فقط وبعيدا عن ساحة التحرير في بغداد: خرجت عدد من التظاهرات والاحتجاجات المطلبية في قطاعات مختلفة وكما يلي: تظاهر عمال كهرباء الزبيدية في واسط مطالبين بتثبيتهم بعقود دائمة، تظاهر 400 من عمال كهرباء كركوك رافعين نفس المطلب، تظاهرات سائقي الشاحنات وقطعهم لطريق بغداد - الرمادي، ومرة اخرى قطع طريق بغداد - الحلة، احتجاجا على الفساد والرشاوى التي تفرض عليهم على طول نقاط التفتيش من ميناء البصرة الى بقية المحافظات، تظاهر المئات من مزارعي ناحية الزبيدية، شمالي محافظة واسط، وقاموا بقطع طريق الكوت بغداد احتجاجا على عدم صرف مستحقاتهم المالية المتأخرة، عن تسويق محصولي القمح والشعير نهاية الموسم الماضي. تظاهرة اهالي الناصرية ومدينة قلعة سكر والمثنى على خصصخة الكهرباء، احتجاجات عمالية على شركة لوك أويل الروسية المستثمرة لحقول غرب القرنة بعد ان سرحت الأخيرة عدد من العمال في البصرة.

خلال العامين المنصرمين لم ينظم التيار الصدري تظاهرات لدعم حقوق العمال او الطلبة او الكادحين و"الفقراء" حسب التيار المدني، بنفسه وبشكل مستقل. بل كل ما قام به هو اجهاض وحرف التظاهرات، او التصدي والوقوف ضدها.

هنالك هدفين يتعقبهما التيار الصدري فيما يتعلق بالتظاهرات احدهما قريب المدى والاخر بعيد المدى. الهدف الاول هو اعادة رسم مكانته في مرحلة ما بعد داعش في خضم صراعه مع التيارات الاخرى، الشيعية منها والسنية، على اعتاب الانتخابات ومن اجل ترسيخ مكانة افضل له في هذا الصراع. اما الهدف البعيد المدى لهذا التيار هو، وكجزء من الاسلام السياسي الحاكم في العراق من عام 2003، ترسيخ سلطة هذه الحركة وتمكين هيمنتها وسيطرتها على المجتمع. ولاجل هذين الهدفين يتبع التيار الصدري سياستين بخصوص التظاهرات المطلبية: الاولى استغلال التظاهرات وحرفها وتوجيهها لاهداف حركته كما فعل في استغلال التظاهرات التي بدأت في تموز عام 2015، وشروعه بتحويلها عن مسارها الاصلي بالمطالبة بالاصلاحات، وافراغها من محتواها بل وحتى شق صفها منذ دخوله اليها في اذار 2016 ولحد الان. والثانية هي الافتاء بالتصدي للحركات المطلبية وايقافها ومعاقبة المنخرطين فيها، كما حدث تجاه تظاهرات طلبة جامعة واسط.

رغم ان هذه التظاهرات من العمال والكادحين والطلبة هي حركات مطلبية واقتصادية تستهدف تحقيق الحد الادنى من حياة لائقة، الا ان وقوف الصدر ضدها يوضح مدى رعبه من هذه الحركات، باعتباره جزء من سلطة الاسلام السياسي، ولانها تتناقض مع اسس كل النظام الذي يدافع عنه، والذي سبب كل اوضاع الفقر والفساد.

ان "فتوى" الصدر ضد طلبة جامعة واسط تكشف مرة تلو المرة مدى كذب وادعاء هذا التيار الاسلامي بدفاعه او تمثيله للـ"فقراء"، وهو على قطيعة تامة ومناهضة لمطالب الجماهير الحقيقية. ان نزول التيار الصدري في اذار العام المنصرم الى ساحة التحرير وقيامه بتعبئة جماهيره في تظاهرات "مليونية"، كانت تستهدف اعطاءه مكانا تفاوضيا افضل للمساومة مع اخوته الاعداء من احزاب الاسلام السياسي الشيعي، ولتقليص دور ومكانة وحصة خصومه من الكعكة وتوسيع حصته بالمقابل. ان هذا التوجه عبر نفسه بشكل لا اسطع ولا اوضح منه في تصديه لاعتراضات طلاب جامعة واسط حين خرجوا احتجاجا عند زيارة العبادي، في وقت كان يتظاهر في ساحة التحرير ضد مفوضية الانتخابات!

اما التيار الذي يطلق على نفسه "التيار المدني" الذي مد يده للتحالف مع هذا التيار لتشكيل "كتلة تاريخية" بزعم انه "يتكون من الفقراء"، قد فاته حقيقة تاريخية، تكررت مرات عديدة في القرنين المنصرمين الا وهو ان ماهية ومحتوى اية حركة لا تتجسد في تركيبتها البشرية انما في الاهداف والشعارات والمطالب التي تعمل على تحقيقها. فما اكثر الحركات "المليونية" الرجعية في التاريخ!

اما مطالب اولئك المتظاهرين انفسهم وسعيهم لتحصيل شروط حياة افضل، ومصير حقوقهم، امنهم الاقتصادي، فقرهم وافقارهم هذه لا تشكل مشغلة للتيار الصدري لا من بعيد ولا من قريب. وليس لا يهم الصدر عدم تقوية هذه المطاليب ووضع ضغطا على الدولة للاستجابة لمطاليبهم فحسب، بل انه يرى فيها خطرا على دولته.

ان تلك الحركات هي حركات مطلبية موضوعية نابعة من اوضاع الفقر والفساد الذي تمارسه وتفرضه هذه السلطة، وهي تستهدف تحقيق الحد الادنى من شروط حياة امنة وكريمة. وهي موجهة ضد سلطة الدولة: بصدرها ومالكيها وعباديها وحكيمها. وهي ستستمر وتتوسع وتحقق هدفها النهائي باسقاط هذه السلطة واقامة نظام مدني يحقق شروط الرفاه. وان ما تحتاجه هذه الحركات ليس القمع والاسكات، كما يريد الصدر، بل تحتاج الى افق سياسي واضح وتنظيم جماهيري واسع، كمستلزمات ضرورية ولازمة من اجل تعبئة وتوجيه نضالاتها في كل مناطق العراق نحو حياة وعالم افضل لها

مقالات