سمير عادل

الاحتجاجات العمالية والنضال الاقتصادي والطريق الاخر

تجتاح المدن العراقية سلسلة من الاحتجاجات العمالية، وتتصاعد وتيرتها وتتوسع رقعتها كل يوم، بالرغم من تدهور الاوضاع الامنية او السعي المحموم للحكومة والمليشيات التابعة للأحزاب التي تشكلها بتضليل العمال وعموم جماهير العراق المحرومة حول الحرب على داعش، في الوقت الذي تشدد الخناق على معيشة العمال واسرهم، اما بتقليل الرواتب والمعاشات او التنصل من عدم دفعها بأوقات منتظمة او بالطرد الجماعي او بتحويل قسم منهم الى التقاعد.

الحكومة العراقية كما قلنا في أكثر من مناسبة وجدت الحرب على داعش فرصة سانحة لتحويل العراق الى سوق حرة، تطلق يدي الشركات واصحاب الاموال كي تصول وتجول وتحت حماية حزمة قوانين جديدة تعيد استثمار العمال وبشروط الشركات. فكما وجدنا ان الطرد الجماعي وخصخصة المعامل والمصانع وقانون سلم الرواتب الموحد وقانون العمل، واستمرار العمل بقانون البعث في منع التنظيم النقابي في القطاع العام، وعدم سن قانون الضمان الاجتماعي للعاطلين عن العمل، كلها قوانين تتيح الحرية للشركات بفرص الاستثمار، واهمها الحصول على عمالة رخيصة. والأدهى من ذلك أطلقت الحكومة العراقية استيراد العمالة الاجنبية من بلاد كبنغلاديش والفلبين والباكستان والهند للتنافس مع العمال العراقيين، لتخفيض الاجور وفرض شروط عمل قاسية لزيادة الارباح من جهة، ومن جهة اخرى توجيه نصال نضال العمال العراقيين ضد رفاقهم العمال من تلك البلدان، بدل من توحيد صفوفهم وتوجيه اسلحتهم النضالية ضد اصحاب الشركات ومصاصي دماء العمال الحقيقيين.

الاحتجاجات العمالية شملت عمال النظافة في ديالى، والعقود في النجف، عمال الاسمنت في كركوك، عمال كهرباء الزبيدية في واسط، عمال الكهرباء في كربلاء وبغداد وعشرات الاحتجاجات العمالية الاخرى في مختلف المدن والعديد من القطاعات.

ان واحدة من مميزات هذه الاحتجاجات تنظم ضمن الاجتماع العام للعمال، والذي يختار الوقت والمكان المناسب ولائحة المطالب والشعارات ووقت الانتهاء وقيادة لهذه الاحتجاجات. اي بلغة اخرى انها عابرة للأشكال والاطر التنظيمية التقليدية مثل النقابات وغيرها. الا ان ما ينقص هذه الاحتجاجات هو كسب دعم قطاعات الجماهير الاخرى لها في المجتمع، ومن جهة اخرى ربط هذه الاحتجاجات ببعضها على المستوى "الوطني" اي على مستوى جغرافية العراق، كي تشكل ضغطا على الحكومات المحلية وعلى الحكومة المركزية في بغداد لتحقيق المطالب العادلة للعمال.

ان الخطوات التي يجب اتباعها لإيصال هذه الاحتجاجات الى تحقيق اهدافها، هو خروج العمال واسرهم في الاحتجاجات، ارسال قادة هذه الاحتجاجات للقاء العمال اكثر القطاعات تنظيما في المجتمع على سبيل المثال لا الحصر"لجنة منتسبي العاملين في القطاع النفطي في الجنوب"، لطلب الدعم المعنوي والتضامن مع هذه الاحتجاجات، تشكيل فرق ميدانية من العمال والمناصرين لقضيتهم الى المحلات ومناطق السكن الاخرى لشرح اوضاعهم وحثهم للخروج في الاحتجاجات معهم، تشكيل فرق ميدانية تجمع التبرعات والدعم المادي لنشر مطالبهم عبر دعاية منظمة في المجتمع، الاتصال الفوري مع القطاعات الاخرى لتشكيل جبهة عمالية على صعيد جميع المدن التي اندلعت فيها الاحتجاجات العمالية والتي لها اهداف ومطالب اقتصادية واحدة وواضحة. ان هذه المطالب هي دفع اجور العمال دون اي تأخير وتحت اي ظروف، منع طرد العمال والموظفين بالعقود، سن قانون ضمان البطالة.

ان تقوية النضال الاقتصادي للعمال، وتحقيق مطالبهم العادلة خطوة كبيرة في تنظيم قسم كبير من المجتمع لرفع وعيه السياسي والاجتماعي في ظل الظروف والاوضاع السياسية والامنية الحالية في العراق. فسد حاجات العمال المعيشية والحياتية وبسواعدهم ونضالهم، يفوت الفرصة في استمرار الغيبيات والخرافات الدينية، والدعايات الفارغة حول مبررات سياسة التقشف والحرب على الارهاب التي يتم ترويجها، وسحب البساط من تحت اقدام القوى الاسلامية والطائفية من تحويل العمال الى ذخيرتها الاجتماعية من خلال استغلال اوضاعهم الاقتصادية والمعاشية، وتحويل العمال الى قوة اجتماعية لها افاق مستقلة عن افاق التيارات والاحزاب والقوى الدينية والقومية التي عاثت في العراق ظلما وفسادا. من جهة اخرى تستطيع هذه الاحتجاجات ان تشق طريقا لقوة اجتماعية صاعدة لها بعدا تاريخيا في عمق المجتمع العراقي، يختلف عن طريق الاحتجاجات التي يقوم بها التيار الصدري والمتوهمين بهم من فئات البرجوازية الصغيرة والمثقفين الذين ضاعت بوصلتهم السياسية، لتحقيق مصالح فئوية وحزبية من اجل اعادة انتاج نفس الفساد والفاسدين ولكن من فئة سياسية اخرى على حساب الفئات السياسية من نفس حيتان العملية السياسية دون استثناء.

ان دور الشيوعيين له اهميته الحيوية في تقوية ودعم هذه الاحتجاجات، وتحويلها الى حركة جماهيرية في المجتمع، وتسليحها بكل الامكانات لتحقيق مطالبها، فكما قال ماركس "هنا الوردة فلترقص هنا" (الثامن عشر من برومير).

مقالات