سمير عادل

كركوك والتكالب القومي

التكالب القومي تتصاعد مدياته على مدينة كركوك هذه الايام، والبارز في هذه التكالب هو تراب كركوك وارض كركوك، ولكن الانسان الذي يعيش فيها كما كان في السابق هو طي النسيان.

 

ان المثير للسخرية ان جميع القوى الطائفية - القومية في بغداد لم تتأثر بأجراء عملية الاستفتاء في كردستان بقدر تأثرها حول قرار الاستفتاء في مدينة كركوك. فلقد صدرت ردود فعل مقيتة ضد القرار المذكور من قبل الحشد الشعبي والقوميين التركمان والعروبيين وحكومة بغداد، الذين لا تقل درجة لصوصيتهم عن لصوصية الاحزاب القومية الكردية الحاكمة في كركوك.

 

ان البحث عن اصول كركوك التركمانية او الكردستانية او العراقية مرتبط بنفط بابا كركر وليس لها علاقة بفطاحل المؤرخين القوميين وترهاتهم من كل حدب وصوب. ليست كركوك هي المدينة الوحيدة التي تغيرت جغرافيتها السكانية على مر آلاف السنين، فهناك الولايات المتحدة الامريكية وكندا واستراليا ونفس العراق الذي كان اصوله يعود الى البابليين والاشوريين، وقسم من تركيا يعود الى اليونان والرومان وكذلك اليمن وسورية وعشرات البلدان المنتشرة في العالم التي تغيرت جغرافيتها السكانية واصولها العرقية. ولكن الفارق بين مدينة كركوك وبقية البلدان ان نفطها لم يحسم عائديته الى الان، وهنا اقول لأي من الاحزاب القومية في كركوك او التي في سدة السلطة في بغداد.

 

يقول العبادي ان نفط كركوك يصدر بشكل غير قانوني، ولا يستفاد منه ابناء المحافظة في مؤتمره الصحفي الاسبوعي الاخير بالرد على قرار مجلس محافظة كركوك حول انظمامها الى عملية الاستفتاء في كردستان. وهذا صحيح جدا، ولكن ماذا استفاد المواطن في بغداد او في البصرة او في الانبار من نفط البصرة وميسان والناصرية وبغداد وهو يصدر بشكل قانوني؟ ان السخرية تكمن عندما يبكي لص وقاطع طريق على اهالي منطقة خارج نفوذه وسيطرته من سرقتهم من قبل لصوص اخرين. فالعبادي يذرف الدموع على اهالي كركوك ولكن ماذا عن بقية سكان العراق الذين يطحنهم العوز والفقر والبطالة والامراض، او ليس هناك من يذرف الدمع عليه.

 

ان العائدية القومية لمدينة كركوك التاريخية هي ليس اكثر من محض ترهات، ولا تمت الى الجوهر الحقيقي للصراع على مدينة كركوك. انه صراع على اهلية من يسرق نفط كركوك ويضع ريعه في جيبه. وكل من اولئك اللصوص القوميين بكرده وعربه وتركمانه، شحذ اسلحته الصدئه من المليشيات والسياسيين والمؤرخين الفاشلين والاقلام المدفوعة الاجر من اجل فرض حقانيته التاريخية الباطلة في مدينة كركوك.

 

ان قرار الاحزاب القومية الكردية الحاكمة في كركوك حول اجراء عملية الاستفتاء بالمدينة ضمن الاستفتاء المزمع اجراءه في كردستان يوم ٢٥ ايلول هو قرار باطل بالمعنى المطلق للكلمة. انه محاولة استباقية للتنافس في سوق النخاسة القومي بين القوتين المتصارعتين والمتنافستين وهي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. فكركوك التي تعرضت الى سياسة التعريب ابان النظام البعثي وبعد ذلك الى سياسة التكريد على يد الاحزاب القومية بعد الاحتلال، تئن اليوم من تلك السياسات القومية المقيتة. وان نفس محافظ كركوك وعبر لقاء مطول مع القناة "الشرقية" قبل اكثر من شهر قال، ان كركوك لها وضع خاص، فبعد التصويت للانضمام الى كردستان، يجب ان يكون لها وضع قانوني خاص وتعامل بشكل خاص وهي ليس اسوة بمدن كردستان مثل اربيل والسليمانية ودهوك. وتبرير المحافظ كان بأن هناك مكونات عديدة في المدينة. يا له من حنون وديمقراطي وانساني. بيد ان المحافظ لم يقل الحقيقة. فكركوك التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني، لن يسمح بالحاق كركوك الى سلطة اربيل التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني كما هو الحال مع مدينة السليمانية.

 

ان عمليات القتل والخطف التي تقوم بها المليشيات التابعة للأحزاب القومية الحاكمة في كركوك هي جزء من سياسة الارهاب على سكان المدينة لالحاق مدينة كركوك عنوة الى جغرافية لم يقرر سكانها حول مصيرهم السياسي فيها. وهذا لا يعني ابدا اننا ننكر على سكان مدينة كركوك حقهم بتقرير مصيرهم، بل يجب ان يكون في تهيئة الاجواء والظروف الامنية والسياسية المستقرة وتتوفر الحرية السياسية دون اي قيد او شرط، بحيث يمكن عمل جميع الاحزاب السياسية لتنظيم دعايتها وتبيان برامجها السياسية، كي يمكن سكان المدينة في حق تقرير المصير دون اي اجبار او سياسة التخويف والتهجير والتغيير الديمغرافي.

 

ان جميع الادعاءات الكاذبة والخادعة حول المادة ١٤٠ في الدستور التوافقي، ليس لها اي أصل واقعي وبعيد كل البعد عن الحقيقة في حسم مصير مدينة كركوك. فجميع القوى القومية والطائفية تنصلت في تطبيق هذه المادة التي تنص على التطبيع والاحصاء السكاني لمدينة كركوك وبعد ذلك اجراء عملية الاستفتاء في تقرير المصير السياسي للمدينة وباشراف الامم المتحدة. الا ان الكل تكالبوا وتآمروا على عدم تطبيق تلك المادة، بسبب توازن القوى الذي لم يكن لصالح اي من تلك الاطراف خلال السنوات الفائتة منذ الاحتلال.

 

لقد قدمنا حينها في الحزب الشيوعي العمالي العراقي منذ عام ٢٠٠٥ ورقة سياسية، بعنوان "الهوية الانسانية لمدينة كركوك" وان "كركوك مدينة لساكنيها"، وان تكون الحكومة المحلية فيها هي حكومة غير قومية وغير دينية وتعامل سكانها على اساس المواطنة والهوية الانسانية، وان تنفق ريع نفطها على الخدمات وعلى ضمان البطالة وتوفير كل سبل الحضارية والمتمدنة في المدينة. واليوم نؤكد من جديد على ورقتنا السياسية المذكورة، وندعو جماهير كركوك، ان لا تنساق وراء الترهات القومية، فلا فرق بين لصوص بغداد ولصوص كركوك، وان اهدافهم هو سوقكم الى حرب قذرة ليست حربكم بل هي حرب اللصوص على السرقات، وقتل اطفالكم الذين يلعبون اليوم معا في المدارس والازقة، وان تفصلوا صفوفكم عن صفوف القوميين القادمين من كل مستنقع

مقالات