سمير عادل

-الاستفتاء- من منظور القوى المحلية ومصالح القوى الدولية

ان مسالة الاستفتاء بالنسبة للحزب الشيوعي العمالي العراقي، ليست وليدة اللحظة الانية، بل مثبتة في برنامجنا "عالم افضل"، لحل المسالة القومية ليس على صعيد كردستان العراق فحسب بل على صعيد ايران وتركيا وسوريا. اي ان كل التهم الرخيصة التي توجه لنا بسبب موقفنا المبدئي من الاستفتاء ليس بجديد علينا وعلى حركتنا. فحين اقتحمنا السفارة الامريكية في سدني، وضربنا بيل كلنتون بالطماطم والبيض الفاسد وسط مدينة تورنتو، وافشلنا محاضرة احمد الجلبي ثم طرده من تورنتو احتجاجا ضد الحصار الاقتصادي والحرب على العراق والدعوة لاحتلاله؛ اتهمنا بأننا عملاء النظام البعثي. وعندما تصدينا بحزم للإرهاب الاسلامي بعد احداث الحادي عشر من ايلول وضد جرائم جيش المهدي وعصابات القاعدة تحت عنوان محاربة الاحتلال قالوا عنا عملاء الامبريالية الامريكية، وعندما دافعنا عن راية ماركس وعن الاشتراكية هي الطريق لإنقاذ المجتمع العراقي وصفونا بأننا متطرفين وخارج الواقع، واليوم وفي موقفنا المبدئي بالدفاع عن الاستفتاء وحق جماهير كردستان بتقرير مصيرها، فهناك من قال عنا اصبحنا ذيل للبرجوازية القومية الكردية، ومن ادعي بأننا استلمنا مبالغ من المال من البرزاني..الخ. وهنا نؤكد للجميع وخصوصا لأشباه اليسار والشوفينين القوميين، ان الماركسية والشيوعية المبدئية لا تبحث عن طلب شهادة حسن سيرة وسلوك من أطراف اما ضاعت بوصلتها او لا تعرف اي درب تسلكه من اجل التحلي بسلوك مبدئي.

 

ان مواقف القوى المحلية العراقية والقوى الاقليمية والدولية موحدة تجاه "الاستفتاء" والتي تطالب بعدم اجرائه سواء كان بالتأجيل الى اجل غير مسمى او بالإلغاء بشكل نهائي، بالرغم من اختلافها تجاه موضوعة "الاستفتاء". بيد ان الواضح هناك اجماع بعدم الاعتراف بحق جماهير كردستان في تقرير مصيرها.

 

ان جميع هذه الدول لها صفقات واتفاقيات مباشرة مع البرجوازية القومية الكردية بأحزابها الحاكمة، وليست لديها اية مشكلة معها، وتعاملت خلال هذه السنوات مع الحدود الجغرافية لهذه البرجوازية القومية على انها شبه دولة، سواء بتسليح قواتها المسلحة المعروفة بالبشمركة او بالتنسيق الاستخباراتي والامني او عبر استثمار المليارات من الدولارات عبر شركات عقارية ومقاولات وبناء ونفطية وزراعية وسياحية، الى حد بلغ هذا التعامل باستفزاز حكومة بغداد أكثر من مرة بحيث باتت بعد ذلك تغض الطرف على هذا التجاوز. ان بغداد تعرف ان اقليم كردستان اصبح دولة شبه مستقلة منذ ان فشل المالكي بتأسيس قوات دجلة بالتقدم اكثر بعد تلال حمرين نحو كركوك لحسم مصير المناطق المتنازع عليها. اي ان بغداد لا حول لها ولا قوة بأعادة عقارب الساعة الى زمن النظام البعثي القومي.

 

ان القصف الاعلامي المحلي والعالمي على ادمغة الاحياء في العراق وكردستان، والتهويل والتهديد بالحرب وخلق جو من الهستيرية ونشر الخوف في صفوف المجتمع بشقيه العراقي والكردستاني لما سيؤول اليه اجراء الاستفتاء، من شأنه وبشكل متعمد دك إسفين قومي وتعميق الشق بين جماهير العراق وجماهير كردستان. ان الدول وخاصة التي تتحكم بمجلس الامن والذي أصدر بيان يطالب بعدم اجراء الاستفتاء، بإمكانها لو ارادت، ان تمنع اي تهديد يمس جماهير العراق وجماهير كردستان، لان جميع القوى المحلية وحتى الاقليمية لا تستطيع اللعب خارج فلك الدول الكبرى.

 

بيد ان هذه الدول لا يهمها مصير البشرية اي كانت، وهي التي حولت المدن العراقية والسورية واليمينة بشكل مباشر وغير مباشر الى خرائب ودمار وخلفت وستخلف مئات الالاف من الضحايا المدنيين.

 

فيما يخص القوى المحلية، فمكونات التحالف الشيعي الحاكم الذي طحنته الصراعات على السلطة، توحدت جميعها ضد الاستفتاء، وتحت عنوان الدفاع عن وحدة العراق، في الوقت الذي حولت حياة من يعيش على تراب العراق الى جحيم لا يطاق. ان التحالف الشيعي الحاكم، المسؤول الاول في ادخال داعش الى العراق بسبب الظلم الطائفي الذي مارسه لسنوات وخاصة في عهد المالكي لثمان سنوات، يحاول اليوم عن طريق النفخ ببوق الوطنية المثقوب وتحت شعار الدفاع عن وحدة العراق، من اعادة الهيبة الى سلطته وسمعتها وطمس كل اشكال تهم الفساد الموجهة له.

 

اما اولئك الذين يذرفون الدموع الساخنة على وحدة تراب العراق، ينسون من شدة بكائهم بأن تراب اية بقعة تكون عزيزة عندما يكون الانسان عليه عزيز، ويعيش بكرامة ورفاه وحرية ويعرف بهويته الانسانية. ويكفي ذكر الملايين من كل الاصناف العمرية حاولت وتحاول الهروب من العراق والمجازفة بحياتهم عبر البحار للوصول الى الدول التي تحترم كرامتهم، كي نعرف كم ان تراب العراق عزيز!. وإذا ما فتحت اية دولة غربية ابوابها اليوم وليس غدا لجماهير العراق، لأصبح المالكي ومن لف لفه يلهثون بالبحث على اي شخص وبأي ثمن كي يحكمه على ارض العراق.

 

ان مشكلة هذه القوى المحلية منها أو الأقليمية أو الدولية ليس مع البرزاني ولا مع الاحزاب القومية الكردية كما نوهنا، فمصالحها متشابكة حتى دول مثل ايران وتركيا وبالرغم من كل تهديداتها، بل مشكلتها تكمن مع موضوعة "الاستفتاء" ومع موضوعة "الحق" لتقرير مصير جماهير كردستان، وخاصة لأول مرة يراد اجرائها في منطقة الشرق الاوسط، والتي تخشى بتهديد مصالحها بشكل استراتيجي. ان هذه الدول تنظر الى العراق كشركة اقتصادية ولا تريد لها ان تتفكك في الوقت الحاضر حماية لمصالحها، ولكن ليس لديها مانع في اي وقت من تفكيكه اذا ما وجدت فيه خدمة لمصالحها. اي ان حق الجماهير في تقرير مصيرها لن ينظر اليه الا من خلال المصالح الاقتصادية والسياسية.

 

واخيرا او بعبارة اخرى ان المشكلة الاصلية ليس بتأجيل الاستفتاء او بأجرائه اليوم او غدا، بل المشكلة هي مع موضوعة "الاستفتاء" كآلية ديمقراطية لحل المسالة القومية، للإعطاء الفرصة لجماهير كردستان في حسم مصيرها. ان توقيت الاستفتاء لا يشكل المعضلة، فاي كان وقته وزمانه فهناك مقاومة ضده، وان الاجواء التي نشهدها اليوم سنشهدها في اي وقت كان ولكن من الممكن الاختلاف سيكون بدرجات.

 

مقالات