نادية محمود

الحرب على حدود كردستان وحسم مصير الدولة في العراق

يردد البعض بان ما يجري من حرب واقتتال الان على الشريط الحدودي بين كردستان وباقي مناطق العراق او ما يسمى المتنازع عليها، ما هو الا نتيجة سياسة البارزاني المتهورة و"الفتنة" التي قام بها باعلانه الاستفتاء. هنا اود ابداء بعض الملاحظات.

 

المسألة لا صلة لها بالبارزاني لا من قريب ولا من بعيد. لقد عبرت جماهير كردستان في الـ25 من ايلول عن رغبتها وصوتت للاستقلال. لم تسفك قطرة دم واحدة، ولم يعلن اي شيء من قبل كردستان لا استقلال دولة، ولم يتم اي هجوم عسكري ضد العراق وضد السلطة المركزية. كان يجب القبول بقرار الجماهير، وماكانت لتسقط قطرة دم واحد، ان لم يكن هنالك مصالح سياسية واقتصادية خلفها.

 

ان ماجرى من حرب كركوك والمناطق المتنازع عليها كان سيجري تحت هذه الذريعة او تلك. انها مسألة حسم مصير الدولة في العراق من جهة، وحسم موقع ومكانة ايران في المنطقة، وبالاخص بمواجهة الولايات المتحدة. المسألة التي فجرها استفتاء كردستان لا تتعلق بعائدية مدينة كركوك فقط، وان كانت لها اهمية اقتصادية كبيرة من جهة، ولها اهمية استراتيجية كونها تقع في الخط الفاصل بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة العراقية وبين كردستان.

 

كل ما يحصل الان، من حرب، واتفاقات سياسية، وهجوم وانسحاب عسكري، اطلاق نار ووقف اطلاق النار، وهروب جماعي بمئات الالاف، خيانات وغدر، تهريب نفط، وجلب شركات نفطية على جناح السرعة، دخول الحشد الشعبي الى كركوك، دخول المادة 140 من الدستور الى طي النسيان، "غدر" البيشمركة لاتفاق عسكرية في مخمور، الدماء التي تسيل، والقتلى التي تسقط، واسرى عراقيين في ايدي البيشمركة، احتلال الحشد الشعبي لفيشخابور، والحبل على الجرار، كل هذا لاجل تلك القضيتين المترابطتين بشكل لا يقبل الانفصام: حسم مصير الدولة في العراق و تقوية موقع ايران في المنطقة و بوجه الولايات المتحدة.

 

لقد كان الاستفتاء افضل ذريعة جرى استغلالها من قبل ايران ولحكومة العبادي على السواء للدفع بهذين الامرين للامام. ايران حتى تختبر ردود فعل خصمها تجاه قوة وتمركز نفوذها في العراق. والاحزاب الشيعية في العراق لتحسم امرها: هل العراق دولة دينية؟ هل هو دولة شيعية؟ هل تتجه الى ان تكون دولة ولاية الفقية؟ أم هل سيكون دولة مدنية، حيث قامت عدد من الاحزاب الدينية بتغيير اسمائها وعنوانيها الى اسماء مدنية، المجلس الاعلى اصبح حزب الحكمة، سليم الجبوري يؤسس حزب التجمع المدني للاصلاح، منسلخا عن حزب الاخوان المسلمين. ام ان مصير الدولة القادمة، و بظهور الحشد الشعبي كقوة عسكرية مدعومة من ايران والحرس الثوري الايراني، يدفع العراق خطوات لتبني دولة ولاية الفقيه، التي قالها الخزعلي، رهن بتغيير توازن القوى لصالح الاخيرة.

 

انها تتعلق بمصير دولة العراق في مرحلة ما بعد داعش، وسط صراعات داخلية في بغداد بين الاحزاب الشيعية، والازمة العميقة التي تعيشها هذه الاحزاب التي عجزت وبشكل تام عن رسم اية ملامح لدولة في العراق. دولة تحكمها ميلشيات لا تخضع لحكومتها الوطنية، بل تخضع وتمول من ايران. دولة تعيش ازمة اقتصادية خانقة في تحكمه زمرة من الفاسدين، الباحثين عن الحصص، الذين دفعوا بدولة العراق الى ان تكون الافسد في العالم، لا فرص عمل فيها ولا تعليم ولا صحة، بل اصبحت الحرب هي سبيل للحياة. ليس في جعبة الحكومة ولا رئيس وزرائها اي مشروع اقتصادي للمجتمع في العراق. انها حكومة التوافقات والمحاصصاتية، والميلشيات وانعدام القانون باي شكل وباية درجة.

 

القضية الكردية لا يمكن حلها عسكريا، انها حياة 6 ملايين مواطن يريدون الاستقلال. اعادة احتلال كركوك، وفيشخابر ومخمور، والقصف والحرب، وربما حتى احتلال اربيل، لن تنهي ولن تقبر تطلعات الجماهير التي صوتت للاستقلال، بل بالعكس ان ما يجري يعطي دليلا على حقانية وسبب مشروعية الخلاص من حكم الميلشيات العراقية والايرانية الشيعية والمآسي التي تسببها مجتمعة بحق جماهير عبرت عن ارادتها بالاستقلال.

 

اما التصعيد العسكري الذي تقوم به حكومة العبادي لن يحسم مصير السلطة، فالسلطة محاصصاتية، مشرذمة، فاسدة، ومقسمة على نفسها من اجل مصالحها.سيبقى مصير السلطة غير محسوما حيث تلك الاحزاب الطائفية والميلشياتية الفاسدة لا هم لها غير جني الارباح وليس في جعبتها اي مشروع لبناء دولة بسمات طبيعية، كباقي الدول في العراق، لن يكون بوسعها حسم امر السلطة في العراق.

 

ان جماهير العراق لم تجنى من ميلشيات ايران، ومن حكم ايران غير الحرب الطائفية على امتداد ما يقارب عقد ونصف، واليوم تريد ان تزج المجتمع بأتون حرب قومية. يجب ان تهب الجماهير في العراق لتعبر عن ارادتها باخراج ايران وميلشياتها، وان تكف عن تحويل العراق الى ساحة حرب لها، لتأمين مصالحها

مقالات