سمير عادل

قانون الاحوال الشخصية وهوية الدولة

يعود التاريخ قهقريا الى الوراء في العراق حيث أسقط قانون الاحوال الشخصية الملكي عام ١𨄿، وقد اثار حفيظة وغضب المراجع الشيعية والسنية وعلى رأسهم محسن الحكيم مما كان احد اسباب بأطلاق فتواه الشهيرة "الشيوعية كفر والحاد" آنذاك، وكذلك ابرام تحالف بينه وبين المراجع الدينية السنية وعصابات الحرس القومي والبعثيين وكبار الاقطاع، لإسقاط اهم قانونين، قانون الاحوال الشخصية، وقانون الاصلاح الزراعي الذي نسف البنية الاقتصادية الاقطاعية.

 

ان اعادة القانون الجعفري بصياغة جديدة للتصويت عليه في البرلمان، ابعد من قضية اغتصاب القاصرات، واعمق من سلب حقوق المرأة، واكبر من تفكيك المجتمع العراقي. ان القانون بحلته الرجعية القديمة الجديدة، يعود الى تسخين الصراع على هوية الدولة بعد مرحلة الانتهاء من سيناريو داعش في العراق. انه نفس القانون الذي سنه ابن محسن الحيكم وهو عبد العزيز الحكيم عضو مجلس الحكم الانتقالي وحيث سماه قرار ١٣٧ والغاه الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر، وحاول تمريره وزير العدل السابق حسن الشمري في حكومة المالكي الثانية. ان التواطؤ الفاضح بين رئيس البرلمان سليم الجبوري العضو القيادي في الحزب الاسلامي العراقي وهو جناح الاخوان المسلمين في العراق والتحالف الشيعي، يكشف بأن القوى الاسلامية بكل حراميها وفاسديها ولصوصها عاقدين العزم وبخطى حثيثة لإضفاء الهوية الاسلامية على الدولة وحسمها في الجمهورية العراقية الرابعة، اذا حسبنا الجمهورية الاولى بعد انقلاب ١٤ تموز ١٩٥٨ والثانية بعد انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ والثالثة بعد انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨ والرابعة بعد الاحتلال في ٣٠٠٣.

 

ان الدخان القومي لانتصارات العبادي الذي اطلقه لأعماء عيون الجماهير حول سيادة العراق ووحدته، ومحاولة نسج اوتار وطنية جديدة ضد استفتاء جماهير كردستان، سرعان ما بدء يتبدد وتكشف عن حقيقة الصراع ومحتواه وماهيته. ان المؤسسة التنفيذية والتشريعية في العراق تحاول استغلال دق طبول انهيار داعش في العراق وتقليم اضافر القوميين الكرد، لتمرير اكثر القوانين العفنة والرجعية في تاريخ الانسانية المعاصرة. وها هم الحمقى من كل حدب وصوب من الذين صفقوا لأهازيج حكومة العبادي الوطنية لم يستفيقوا من غفوتهم بعد، ومازالوا اسير اوهامهم الوطنية، ولم يفكوا لغز ما حدث في كركوك وفي المناطق المتنازعة عليها بأنه خطوة لتوضيح هوية السيادة والوحدة والتي هي هوية اسلامية بامتياز. انها تلك الهوية التي اصطفت جماهير العراق بكل شرائحها الاجتماعية وانتماءاتها القومية ومعتقداتها الدينية والسياسية، ضدها ودفعت ثمن غاليا من دمائها وامنها واستقرارها ورفاهها، لدحرها واعادتها الى الصحراء والكهوف وعصر ما قبل الانسانية. انها هوية داعش التي وقف التحالف الشيعي والسني ضدها كجزء من الصراع على السلطة في العراق، وليس من اجل تأسيس المواطنة، دولة المساواة بين البشر، دولة تمكين المرأة بمساواتها مع الرجل، دولة تمنح الاطفال حقوقها بعد ان اغتصبتها عصابات داعش.

 

ان القوى الاسلامية بكل اصنافها الشيعية والقطط السنية السمان التي تأكل طوال هذه السنوات من فضلات مائدة الاسلام السياسي الشيعي، تستغل دخان انتصارات العبادي على داعش وعلى القوميين الكرد، تحت عنوان السيادة ووحدة العراق، لحسم مصير هوية الدولة التي طال امد الصراع حولها منذ احتلال العراق عام ٢٠٠٣.

 

وليس هذا بعد، بل كما يقول ماركس ان ثقافة الطبقة المسيطرة هي ثقافة المجتمع. اي ان تمرير قانون الاحوال الشخصية كمرحلة اولى هي اضفاء الشرعية على التقسيم الطائفي والديني في المجتمع العراقي. ان التحالف الشيعي بزعامة العبادي يحاول انهاء عملية تشكيل دولة "المكونات" بدل من دولة المواطنة، ومن خلالها فرض هيكلية سياسية بحراب الحشد الشعبي وبهوية اسلامية جامعة على صعيد جغرافية العراق، وفسح هامشا من المجال لبقية الطوائف الدينية عن طريق منح الرشاوى والامتيازات لرجالاتها الدينية مع الذين يأكلون من نفس مائدة فضلات القطط السمان، لممارسة طقوسهم المعادية حد النخاع للطفولة والمرأة والماهية الانسانية وتحت عنوان احترام المعتقدات الدينية.

 

لقد اعاد الجدال على سن قانون الاحوال الشخصية الجعفري، الصراع بين جناحين في المجتمع العراقي، جناح اسلامي رجعي بكل ما تعني هذه الكلمة وجناح انساني وتقدمي. وان كل الاموال التي انفقت على مناسبة عاشوراء وزيارة الاربعينية على الصعيد الامني واللوجستي والدعائي والسياسي، لم تستطع ان تعمي العيون ولم تتمكن من تمزيق طبلة الاذان ولم تدفع الجناح الثاني من التراجع عن مطالبها بعدم تمرير القانون بحجة (الشيعة هم الاغلبية في العراق، وليس لاحد الحق بالتدخل بمعتقدات الاغلبية)، كما صرح جميع رموز وشخصيات القوى الاسلامية في خضم جدالهم ودفاعهم عن القانون المذكور عبر القنوات الفضائية ووسائل الاعلام المختلفة. ان الشخصيات الاسلامية وخاصة من الذين ينتمون الى دولة القانون بزعامة المالكي، بدأوا يشقون الغبار بالدفاع عن انفسهم، في خضم الجدال المذكور، بأن ليس كل الاسلاميين الفاسدين ولا كل العلمانيين شرفاء، وبأن شعار "باسم الدين باكونا الحرامية" هو شعار قمعي ويذكرهم بأيام السحل، اي ايام انقلاب الشواف الفاشل عام ١٩٦٠ ضد حكم عبد الكريم قاسم. ولكن كي نكون منصفين، فأن شعار "باسم الدين باكونا الحرامية"، لا يكتمل معناه الا بدمجه مع شعار "من دخل بيه ابو العمامة صار البوك للهامة" والتي تغاضت عنه تلك القوى. لان اهل العمائم هم العماد الأيديولوجي والفقهي للقوى الاسلامية ودونهم لا يمكن تحليل اللصوصية والفساد بدل من تحريمها، ولذلك بأن كل اسلامي حرامي بامتياز ولكن ليس كل حرامي علماني.

 

وعليه ان قانون احوال الشخصية كما أسلفنا هو جزء حيوي من الصراع المؤجل على هوية الدولة، وان التصدي له ليس فقط في نقد محتوى القانون فحسب، بل بتنظيم حركة واسعة كبيرة تدخل في صراع على هوية الدولة مع الاسلام السياسي عن طريق تشكيل جبهة عريضة تضم القوى الانسانية والشيوعية والعمالية واليسارية والحركة النسوية ومنظمات حقوق الانسان. ان ابعاد شبح سيطرة الاسلاميين بحسم السلطة في العراق واسقاط كل مشاريعهم اللصوصية واللاإنسانية، يتم فقط عن طريق تأسيس دولة علمانية غير قومية في العراق.

 

مقالات