نادية محمود

هل مقاطعة الانتخابات يصب في مصلحة الاحزاب الفاسدة والحاكمة؟

يردد البعض بان عدم المشاركة في الانتخابات والعزوف عنها سيعزز بقاء الطبقة السياسية نفسها في الحكم، وأن الذي يعارض الطبقة السياسية يخدمها بشعاره العزوف عن المشاركة في الانتخابات ومقاطعتها. يصرح مقتدى الصدر، على سبيل المثال، بان مقاطعة الانتخابات لن تلغي الانتخابات وسيتفرد بها الفاسدون!

 

هذه الادعاءات لا اساس لها من الصحة، فاحزاب السلطة المتنافسة الان تستقتل في سبيل ان يمضي الناس الى الانتخابات، حتى يدعوا لاحقا بان حكمهم شرعي وجاء عن طريق الانتخابات. خاصة وان فوزهم مضمون سلفا في بلد يسوده الفساد في كل زاوية وفي كل مكان.

 

ان الفرضية البديهية التي تفترضها الانتخابات، اية انتخابات، هي ان ينتخب المرء من يمثله. ان ينتخب الشخص والنائب والمرشح والحزب الذي يشعر المرء ويعلق عليه الناخب اماله بان الشخص او الحزب الفلاني سيقوم بعمل تغيير، وانه سيمثله. ولكن ماذا لو لم يجد الناخب من يمثله؟ ماذا لو رأى الناخب ان كل المتنافسين على السلطة انما يخدمون مصالحهم ولا يملكون اية برامج اقتصادية او اجتماعية للتغيير؟ ماذا سيفعل حينها المواطن؟ يختار افضل السيئين كما يقترح البعض؟ ينتخب اللص الذي يعرفه باعتباره افضل من اللص الذي لا يعرفه كما يجتهد البعض الاخر؟ يصوت لاي كان، اقول اي كان، غير اولئك الموجودين حاليا في السلطة، هكذا وبدون اي معيار اخر، تطلعا الى ان "الاي كان" سيحقق له ما يريد!؟ ان الطلب بالمشاركة في الانتخابات والتصويت اي كانت قناعات الناخب، انما هو مصادرة حقيقية لممارسة حقه السياسي، حقه بعدم اعطاء الشرعية للعملية السياسية ولا لاي مرشح من المرشحين. ان الامتناع عن التصويت، ومقاطعة الانتخابات هي عمل سياسي، شأنها شأن المشاركة في الانتخابات.

 

ان الوضع في العراق ما بعد 2003 يتميز بوجود دولتين، الدولة الرسمية التي تنظم شؤونها الاحزاب الميلشياتية المهيمنة على اقتصاد البلاد، والمدعومة من ايران والولايات المتحدة، والتي تتحاصص وتتقاسم السلطة وفق مبدأ الديمقراطية التوافقية من جهة، وسلطة اخرى فوق وخارج نطاق سيطرة الدولة، وهي سلطة ألاحزاب وميلشياتها والتي تسيطر، على اقتصاد وامن البلاد، وعلى الحدود والمطارات، والوزارات والمؤسسات من جهة اخرى. وليس للدولة ولا للبرلمان ولا الحكومة ولا لقضائها ولا لجيشها ولا حتى مرجعيتها الشيعية سيطرة عليها، وهي السلطة الفاعلة الحقيقية في الكثير من الميادين الاقتصادية والسياسية والامنية والاجتماعية ولا تمتلك الدولة اية سيطرة عليها. بامكان سرايا السلام ان تحكم على اي شخص ترى فيها جانيا خلال يومين وتنفذ حكم الاعدام فيه باللحظة ودون ان تلتفت للرجوع الى القضاء او الحكومة. بامكان عصائب الحق اختطاف او اطلاق سراح مختطفين متى ماشاءت. بامكان وزير الكهرباء، ان يرهن نفط العراق، حسب استجواب حنان الفتلاوي لوزير الكهرباء، دون ان يقل احد له على عينك حاجب.

 

 

ان السعي لتسويق ما يجري من لعبة الانتخابات وكأنها تصويت وانتخاب لممثلي "الشعب" انما هو ضحك على الذقون. لم تتمكن الانتخابات حتى في الدول الديمقراطية من ان تجلب ممثلي الشعب، بل جلبت ممثلي احزاب سياسية تتبادل السلطة فيما بينها: الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة، والعمال والمحافظين في بريطانيا، والذي بالكاد يستطيع المرء ان يرى الفوارق بينهم، حيث كلاهما في نهاية المطاف لن يمثلا مصالح "الشعب" بل مصالح السوق والاعمال. وفي تلك الدول ذاتها لا تمضي الا الاقلية للمشاركة في الانتخابات، ولو حسبت اصوات الاحزاب الفائزة، لوجدنا دائما هي الاقلية، وليس لها اي تمثيل حقيقي لاصوات الناس.

 

ان تمثيل والتعبير عن ارادة الناس والملايين لا يمر عبر الية الانتخابات، بل عبر نمط انتخابي جديد ومختلف قائم على اساس التمثيل من الاسفل الى الاعلى من كل قطاع من قطاعات العمل والسكن للجماهير، لاختيار ممثليها عبر تنظيمهم وتمثيلهم، وليس فرض انتخابات بشكل فوقي من قبل احزاب، يجب، ان كان هنالك عدالة وقضاء حقيقي، ان تقدم لمحاكم عادلة جراء الفساد والنهب والقتل والتدمير الذي ارتكبته طيلة العقد ونصف الاخير بحق وبالضد من الملايين التي تدعي اليوم انها تقوم بـ"تمثيلهم"!!..

 

مقالات