سمير عادل

انتفاضة جماهير البصرة والصراع على السلطة

 

اذا كان هناك مندسون ودواعش وبعثيون في صفوف المتظاهرين في البصرة الذين وصل عددهم في السابع من ايلول ما يفوق ٥٠ الف متظاهر طافت شوارع البصرة، كما تروج لها حكومة العبادي الفاشلة والفاسدة وجزار المتظاهرين قائد عمليات البصرة واعلامهم المأجور، فهم ينتمون دون استثناء الى مليشيات الاحزاب الاسلامية الحاكمة ويأتمرون بأوامرها وينفذون اجندتها الجهنمية

.

جماهير البصرة خرجت من اجل المياه الصالحة للشرب والكهرباء والوظائف، لكن الحكومتان الفاشلتان المحلية والمركزية في بغداد وفي البصرة تنصلتا من مسؤوليتهما، وحولت امر مطالب الجماهير تلك الى ايدي المليشيات وقائد عمليات البصرة

.

ثلاث سمات تميزت بها تظاهرات السابع من ايلول، خروج مئات النساء اللواتي سجل غيابهن في الاحتجاجات منذ اندلاعها في اليوم ٨ تموز، وعدم حدوث اي اعمال سلب ونهب للمحلات والمتاجر بالرغم من انسحاب القوات الامنية من الجيش والشرطة من الشوارع، ونزول فرق من الشباب الى الشوارع للقيام بتنظيفها. اي بعبارة اخرى ان الاحتجاجات في البصرة لم تكن سلمية فقط ولم يكن فيها اي مندسين فحسب، بل كانت ملامح المدنية والتحضر وحتى الانضباط سائدة فيها. ولم تقتصر عند هذا الحد بل في يوم السابع من ايلول تصاعدت صيحات المتظاهرين بشعار "يا مقتدى شيل ايدك، البصرة ما تريدك"، وهي بمثابة الرد على كلمة مقتدى قبل يوم من تلك التظاهرات بانه سيرسل ميليشياته، سرايا السلام "جيش المهدي سابقا" المتورطة بعمليات القتل الطائفي وعشرات من جرائم النهب والسرقة والسلب وتحت عنوان حماية المتظاهرين في البصرة. وتؤكد مصادرنا وجميع المصادر التي كان لها حضور في التظاهرات، بأن مبنى مجلس محافظة البصرة كان يتصاعد منه دخان الحريق قبل وصول المتظاهرين اليه

.

اي ان الاحتجاجات في البصرة فصلت نفسها عن الاحزاب الاسلامية سواء التي كانت مؤيدة لامريكا مثل العبادي

الصدر، او المؤيدة للنظام الاسلامي في ايران مثل العامري - المالكي، وقالت الجماهير في أحتجاجات البصرة كلمتها التي زورت في انتخابات ١٢ ايار وبمصادقة المحكمة الاتحادية والامم المتحدة والادارة الامريكية.

عسكرة الاحتجاجات، تصب في صالح جميع القوى الاسلامية المتنافسة، فكل واحدة منها تلهث وراء مصالحها. وكتحصيل حاصل، ان هذه الاحتجاجات ليست لصالح اية جهة منها منها. بل هي استفتاء على انتهاء شعبية تلك القوى الاسلامية واظهار جسارة الجماهير في تمريغ هيبتها بالوحل. وتكمن السخرية بأن هذه القوى تدرك حجم مقت وكره الجماهير المنتفضة لها، لذلك يكفي اشعال عود ثقاب في مقرات تلك الاحزاب من قبل اي "مندس" منها كي تلتهمها النار كالهشيم، وهذا ما حصل للقنصلية الايرانية، بؤرة التجسس وحياكة المؤامرات، وما حصل كذلك لمقرات جميع الاحزاب الاسلامية باستثناء مقرات التيار الصدري كي يكشف عن سر هوية المندس

.

ان حكومة العبادي وقائد عمليات البصرة في صالحهم عسكرة الاحتجاجات كي تسحق الجماهير المنتفضة تحت غطاء عدم سلمية المتظاهرين وتبرير قتل العشرات منهم. كما ان مقتدى الصدر افشى بالسر عندما اوعز بتحريك ميليشياته الى البصرة تحت عنوان جديد "حماية المتظاهرين"، فمن جهة للسيطرة على الاحتجاجات بعد ان فشل هذه المرة بتمرير الاعيبه على المتظاهرين عندما رفضوا استقباله في بداية الاحتجاجات، ومن جهة اخرى لاستعراض عضلاته امام مليشيات عصائب اهل الحق وبدر وعصابات المالكي لإرغامهم على الاذعان له لتشكيل الحكومة. في حين ردت عصائب اهل الحق على الاحتجاجات او بالأحرى على الصدر - العبادي باحتجاز عدد من عناصر مليشيا الصدر سرايا السلام، وادى ذلك الى اشتباكات بين الطرفين، او عندما طالبت بمحاكمة العبادي لإيعازه بانسحاب القوات الامنية من البصرة لمنع حرق مقراته وبناية القنصلية الامريكية، او ضرب مطار البصرة والمنطقة الخضراء بعدة صواريخ. بمعنى اوضح ان وراء محاولات عسكرة الاحتجاجات هو الصراع على السلطة بين الاحزاب والقوى الاسلامية التي تتصارع على تشكيل الكتلة الاكبر، او الكتلة الاكثر فسادا وسرقة ونهبا لجيوب جماهير العراق وثرواتها لتحديد شكل الحكومة المقبلة. وما قاله العبادي اليوم بتحذيره ان يتحول الصراع بين الاحزاب السياسية الى نزاع مسلح في البصرة، يبين ان انتفاضة جماهير البصرة بريئة من المندسين ومن اعمال التخريب التي حصلت في المحافظة

.

ان ملامح مرحلة ما بعد الانتهاء من سيناريو داعش بدأت تتبلور، وبدأت تلقي بضلالها على المشهد السياسي. تلك الملامح تتشكل من صورتين، الاولى ان الجماهير في العراق وخاصة في عقر دار وقلاع الاسلام السياسي الشيعي، لن يكن بإمكانها استمرار القبول بظلمها وفسادها وادامتها لسلطتهم بالشكل القديم وستتخذ الاحتجاجات اشكال مختلفة. هذا بالرغم من ان هناك مساعي حثيثة من قبل قوى الاسلام السياسي لإعادة سيناريوهات سوريا واليمن وليبيا في عسكرة الاحتجاجات لقمعها مثلما يحدث الان، اما الصورة الثانية فهي فقدان الانسجام السياسي بشكل نهائي بين قوى الاسلام السياسي المتصارعة على السلطة السياسية، وسيتخذ الصراع اشكال مختلفة لاحقا بما في ذلك الصراع المسلح الذي سيؤثر على الاحتجاجات بشكل سلبي

.

وعلى الرغم من كل ذلك ستظل هناك قوتان متعارضتان في مواجهة بعضهما، الجماهير المتعطشة الى حياة حرة وكريمة وقوى واطراف الاسلام السياسي، ولكن انتصار الاولى مرهون بالارتقاء باشكال نضالها الى اطر تنظيمية متنوعة وقطع الصلة بشكل نهائي مع افاق تلك القوى والاطراف، وتمتين وتقوية حصانتها السياسية اي عدم تصديق ادعاءات ووعود والاعيب قوى الاسلام السياسي، وهنا يأتي دور القوى التحررية وخاصة الشيوعية منها. وكما يقول ماركس في كتابه "الثامن عشر من برومير" هنا الوردة فلترقص هنا

.

 

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018