سمير عادل

في مواجهة سيناريو جديد

 

من الحماقة أن يصدق المرء أولئك الذين يقولون إن العراق لن يكون جزء من اي محور إقليمي ودولي في مجرى الصراع بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ فيه، خصوصاً في خضم أوضاع لم تحسم فيها مسألة السلطة السياسية بعد. فالكاظمي الذي قال في طهران أثناء مؤتمره الصحفي مع الرئيس الإيراني روحاني بأن العراق لن يكون جزء من اي محور إقليمي، فهو يعرف انه كذب كذبة (بيضاء) لا يحاسب عليها. وقد سبقه عبد المهدي والعبادي والمالكي، فكلهم أقسموا بأغلظ الأيمان بأن العراق لن يكون جزء من اي محور إقليمي. في حين أن الجميع وصلوا إلى سدة السلطة بمباركة تلك القوى الإقليمية والدولية. نحن نقول بأن العملية السياسية قامت على دعامتين: الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية، تميل تارة لهذا الطرف وتارة أخرى للطرف آخر حسب المعادلات السياسية المتغيرة دائما. وإن الكاظمي نفسه وصل إلى رئاسة السلطة التنفيذية بدعم أمريكي.

إن اختطاف ناشطة ألمانية الجنسية، قبل أيام، وقبلها اغتيال المحلل السياسي الهاشمي وما تم بين الحدثين من قصف للسفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء احتفاءا بزيارة وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف، ومحاولة توريط حكومة الكاظمي بقتل المتظاهرين كما حدث قبل أيام في ساحة التحرير في بغداد، وتصريحات الكاظمي الندّية في طهران


عبر مؤتمره الصحفي مع روحاني والدعوة إلى عدم التدخل بالشؤون الداخلية، حيث أشار بتصريحاته بأن ما قدمته إيران من دعم للعراق في مواجهة داعش تلقت مقابله سوق عراقية مفتوحة أمام التجارة اي نافيا أية مّنة من ايران، وكذلك مساعي امريكية حثيثة لربط المنظومة الكهربائية الوطنية بالخليج وإنهاء التعامل في مجال الطاقة مع ايران، كلها تنذر برفع الستار عن فصل جديد وعن سيناريو سياسي أمني أقرب إلى فوضى وتداعيات خطيرة في العراق.

صحيح أن اختطاف هيلا ميويس مديرة القسم الثقافي في معهد غوته الألمانية الجنسية مرتبطة بتداعيات قرارات الحكومة الألمانية بحظر حزب الله اللبناني واعتباره منظمة إرهابية وشن حملة اعتقالات لعدد من عناصره في ألمانيا، إلا أن الحادثة نفسها تصب بالتالي في استراتيجية إشاعة الفوضى الأمنية في العراق الذي يمر في أكثر الأوضاع السياسية خطورة، والتي تصل إلى مصاف الأحداث التي أعقبت تفجير المرقدين في سامراء في شباط ٢٠٠٦ او اجتياح داعش لثلث مساحة العراق وإعلان دولته المجرمة فيها.

 إننا ننظر للمعطيات المادية لهذه الأوضاع بأنه وخلال السنوات الفائتة لم تستطع قوى الإسلام السياسي بجميع أجنحتها حسم مصير السلطة السياسية وإكمال تأسيس الدولة بمعناها القمعي لصالحها وتنهي التشرذم السياسي في صفوف الطبقة البرجوازية الحاكمة من قومييها وطائفييها. ولأول مرة تفقد قوى الإسلام السياسي السلطة التنفيذية على الرغم من


استمرار نظام المحاصصة، وهذا يقودنا إلى أن داعمها الإقليمي وهو الجمهورية الإسلامية تمر في أوضاع لا يحسد عليها، فتشديد الحصار الاقتصادي من قبل إدارة ترامب عليها، وتقويض نفوذها الاجتماعي بشكل كبير في المنطقة وخاصة في العراق ولبنان إثر انتفاضة أكتوبر، وتوجيه الضربات العسكرية المتلاحقة على قواتها في سورية من قبل إسرائيل بتواطئي واضح من قبل روسيا وانتهاءا بتصفية قاسم سليماني الذي كان ضربة استراتيجية واسترداد زمام المبادرة من قبل أمريكا في العراق وفي المنطقة. واذا ما استمر خنق ايران وخاصة اقتصاديا، وغلق السوق العراقية أمامها او التقليل من حصتها مقارنة بالوضع الحالي الذي وصلت فيه تجارتها مع العراق إلى اكثر من ١٢ مليار دولار، فهنا ليس لديها ما تخسره، فهي على استعداد لإشاعة الفوضى في العراق عبر ميليشياتها ووكلائها الذين هم ايضا فقدوا زمام المبادرة وخاصة وهم يتلقون حملة لتجفيف منابعهم المالية والتي بدأت بسيطرة الجيش على اكثر من ١٤ منفذ حدودي يدر عليهم سنويا وبشكل منتظم اكثر من ٧ مليارات دولار، وليس أمامها إلا الضربات الصاروخية على المنطقة الخضراء والقواعد العسكرية الأمريكية والاغتيالات والاختطافات التي تقوم بها وخاصة بحق المتظاهرين الذين كانوا سببا رئيسيا لما وصلت اليه مكانتهم السياسية والاجتماعية، وخاصة أن هذه المليشيات ليست تيارات اجتماعية وهي عبارة عن عصابات منفصلة عن المجتمع وأن وجودهم وديمومتهم مستمدة من إشاعة الفوضى في أوضاع مجتمع غير مستقر سياسيا وامنيا، فهي جزء من

سيناريو أسود على حد وصف منصور حكمت في بحثه المشهور (سيناريو أسود وسيناريو ابيض).

وإذا ما تذكرنا الحرب الطائفية التي نشبت في ٢٠٠٦ وصعود نجم داعش عام ٢٠١٤، فكل السيناريوهات أعدت من أجل قلب المعادلة السياسية لطرف من الأطراف المتصارعة.  ففي الأولى كانت ضد أمريكا ومشروعها الشرق الأوسطي الكبير، أما الثانية فكان من اجل إعادة القوات الأمريكية من الشباك بعد انسحابها من الباب في العراق، والوقوف بوجه التمدد الإيراني في العراق بفضل الأشراف المباشر من قبل نوري المالكي وحزب الدعوة وحلفائه من القوى الإسلامية الأخرى.

ليست احتمالية نشوب فوضى أمنية بشكل سافر كما حدث في السيناريوين المذكورين هي مسألة حتمية ونهائية، ولكن من الاحتمالات الكبيرة القائمة حسب المعطيات التي تحدثنا عنها. وتعتمد على عدة عوامل واهمها ألا تظهر الجماهير المبالاة وعدم التدخل بالصراع السياسي القائم مثلما حدث في سيناريو الحرب الطائفية وسيناريو داعش.

أن على الجماهير التمسك بعامل عدم التوهم بصراع هذه الأجنحة والانجرار وراء الترهات التي ينثرها التيار القومي المحلي المعادي للجمهورية الإسلامية، وان تكون شديدة الوعي حول إشعال اي صراع طائفي، وتعد نفسها جيدا كما كانت في انتفاضة أكتوبر ولكن بشكل منظم وآفاق مستقلة واستخلاص الدروس من تجربتها.

أن إحلال الأمان وعدم السماح للانفلات والفوضى الامنية هي مسالة حيوية لتقوية الاحتجاجات الجماهيرية من أجل تحقيق مطالبها العادلة وعدم السماح بتسويفها أو طمسها أو الالتفاف عليها تحت يافطة الأوضاع الامنية وفرض التراجع عليها.

 أن رفع شعار (حل المليشيات تحت أية مسمى) يعد شعار مهماً على الجماهير الالتفاف حوله في المجتمع وان يكون سياسة عملية للحفاظ على الأمن في الأحياء والمناطق السكنية وطرد المليشيات منها وعدم إفساح المجال لأن يكون العراق ساحة حرب بين الوكلاء الدوليين، ولا شك أن هذه الخطوة ستقلب المعادلة السياسية والأمنية لصالح الأمن والأمان والحرية في المجتمع. إنها خطوة نحو تشكيل جبهة جماهيرية مستقلة تقوم هي بالمبادرة وستدفع بشكل استراتيجي نضال الجماهير المتعطشة لتحقيق مجتمع تتوفر فيه الخدمات وفرص عمل مناسبة للملايين من العاطلين عن العمل، مجتمع المتعطشين للمساواة بين البشر لينهي مسلسل قتل النساء وظلمهن بشكل سافر، ويضع حدا لمسلسل الظلم الطائفي والديني عبر عمليات التغيير الديموغرافي وعمليات الاختطاف التي تجري على قدم وساق.

مقالات

سمير عادل

05/03/2018