حوار صحيفة "روزنامه" مع
ريبوار أحمد
حول دور اليسار في كردستان
روزنامه:
يتساءل المثقفون والناس
العاديون الآن لماذا لم تقم
الأحزاب اليسارية الكردستانية
بالدور الذي كان من المفترض
أن تقوم به في العلمية
السياسية في الإقليم؟ وما هي
الأسباب الذاتية والموضوعية
التي تسببت في ضعف اليسار؟
ريبوار أحمد:
باعتقادي يمكن الحديث عن
العديد من العوامل والأسباب
التي كانت لها أثر في ضعف دور
اليسار في العملية السياسية
خلال هذه السنوات في كردستان.
ولكن كون جميع تلك الأحزاب
والمنظمات تعتبر نفسها
يسارية ليست بالضرورة ان تقع،
على الأقل من وجهة نظري، في
خانة اليسار، كذلك ربما لكل
واحد منها أسبابه الرئيسية
الخاصة به، وبالتالي، لا يمكن
اعتبار عدم أخذها الدور
أمراً واحداً.
بعض من تلك الأحزاب والمجاميع
لم تؤسسها ضرورة سياسية
واجتماعية وليس لها أية صلة
بمسألة وقضية رئيسية من قضايا
المجتمع، وبعضها كانت ضرورته
وتلك المعضلات التي ربط نفسه
بها هي نفس المعضلات التي
ربطت الأحزاب اليمينية
الرئيسيه نفسها بها.
وبقدر تعلق الأمر بدور يسار
يمكن أعتباره من وجهة نظري
يسار المجتمع بشكل واقعي،
الذي تمثله الشيوعية العمالية
باعتقادي، وإذا أردت الحديث
باختصار عن الأسباب الذاتية،
فإنها تعود الى مرحلة معينة
وبشكل محدد مرحلة ما بعد حرب
الخليج الأولى وفتح بوابة
السلطة في كردستان، أي في ذلك
الوقت الذي تحولت فيه قضية
بلورة وتشكل الدولة وتقرير
مصير هذا المجتمع الى قضية
المجتمع الرئيسية، لم يكن لدى
اليسار جواب عملي وفعال على
هذه القضية. أو بمعنى آخر لم
يظهر اليسار، ليس كقوة لديها
أو ليس لديها ما تقوله حول
هذه المسائل، بل كقوة بديلة
لقضية المجتمع هذه. فقد اختار
منذ البداية مكانة جماعة ضغط،
ولا يمكن لجماعة الضغط أن
تكون بديل التغيير وصياغة
المستقبل. لذلك بعد سنوات
وبعد أن كان هناك قسم من
الجماهير قد صوب أنظاره نحوه
ولبى نداءاته والتفَّ حول
شعاراته وسياساته، لم يعد
تعتبره الناس بديلاً.
والمرحلة التالية كانت أيضاً
على هذا المنوال، فحين وصلت
حكومة القوميين الكردية الى
طريق مسدود وقامت حرب داخلية
لعدة سنوات، وفي الوقت الذي
فتح المجتمع ذراعيه لاستقبال
قوة بديلة، وعبر عن ذلك
ب"الحاجة لدخول قوة ثالثة الى
الميدان"، لم يظهر اليسار
أيضاً بهذا المستوى. وهنا ما
أعنيه هو أن اليسار لم يقم
بهذا الدور عملياً في الميدان
السياسي والاجتماعي وليس
بخصوص أنه كان لديه ما يقوله
أو لم يكن لديه ما يقوله في
هذه الميادين.
ويعود هذا الى معضلة أكثر
قدماً لليسار تم فرضها عليه
بعد هزيمة ثورة أكتوبر، طوال
تاريخ ما يقارب الثمانين
عاماً الماضية، ففي البداية
فرضوا عليه التراجع نحو
الهامش بالقوة، ولكن باستمرار
البقاء على الهامش أصبحت هذه
الهامشية هي طريقة تفكيره
وتقاليده وتصوراته.
وخارج التصورات والعوامل
الذاتية لليسار، كان هناك
عامل آخر لديه أثر كبير في
إضعاف اليسار، خصوصاً وأنه
برز في هذه المرحلة في
كردستان، تزامن مع إنهيار
الكتلة الشرقية التي تم
تصويرها للناس باطلاً كنموذج
للاشتراكية والشيوعية، لهذا
اعتبروا إنهيارها أنهياراً
للشيوعية وبهذا أوهموا جماهير
العالم. فقد كان لهذا أثر
ثقيل الوطأة وكبير جداً على
شيوعية ماركس الواقعية.
كذلك كان للسياسات القمعية
والإرهابية للحركة القومية
والإسلام السياسي والسلطة
المليشياتية دور أيضاً في
إضعاف اليسار وفرض التراجع
عليه، حيث يمكننا أن نتحدث عن
العديد من النماذج بهذا
الخصوص وأبرزها اغتيال شابور
وقابيل في مدينة أربيل
والهجوم المسلح الي قام به
الاتحاد الوطني الكرستاني في
14 تموز 2000 على مقراتنا في
مدينة السليمانية.
روزنامه:أليس
لقلة وضعف اليسار علاقة
بزيادة التأييد للأسلام
السياسي وعدم سماح الاتحاد
الوطني الكردستاني والحزب
الديمقراطي الكردستاني بظهور
معارضة فعالة في إقليم
كردستان تشكل خطراً على
مستقبل سلطتهم؟
ريبوار أحمد:
يجب أخذ مسألة المواجهة بين
الحركات الاجتماعية على سلطة
ومستقبل المجتمع كمسألة
بديهية. لا يمكن للشيوعية أن
تبني قوتها ونجاحها على
احتمال: ربما لن يسعى
الاسلاميون بالحصول الى
مؤيدين أكثر، أو ربما لن يقوم
القوميون بوضع العقبات أمام
الشيوعية أو لن يعادوها بشدة
ولن يقمعوها أذا ما سنحت
الفرصة لهم.
إن كل شخص يعتبر نفسه يساراً
واقعياً ويقف عملياً في مكانة
يسار المجتمع، يعني أنه يقف
في ميدان الصراع مع الحركات
الاجتماعية الاخرى ويواجهها.
ففي مرحلة وقفت جميع الأطراف
الإسلامية في مواجهة شديدة
معنا وساندها كلا الحزبين
الاتحاد الوطني والحزب
الديمقراطي الكردستاني
وسلطتهما وقاما بغلق صحيفتنا
وسعيا لغلق مكاتبنا أيضاً،
ولكن صمودنا ومكانتنا بين
صفوف الجماهير، أحبطت
مساعيهما تلك.
وما أقصده أننا لا يمكننا أن
نعلق أسباب عدم نجاحنا على
كاهل القوميين والإسلاميين أو
أن نلومهم. ومن غير شك أن
أسلوب مواجهتم وصراعهم معنا
المتمثل بالإرهاب والقمع
والتآمر العسكري هو أسلوب
يتناقض بشدة حتى مع تلك
الديمقراطية التي يتشدقون
بها، والمفترض أن يدان على
الصعيد الاجتماعي ويحبط وأن
يقف المجتمع ضده. ولكن اية
قوة يسارية واقعية لديها
التوهم بخصوص اقدام
البرجوازية على قمع وإبادة
اليساريين والشيوعيين، متى ما
وجدت من الضروري والممكن لها،
ستكون تلك القوة اليسارية
ضحية غفلتها.
باختصار كنا خلال السنوات
السبعة عشر هذه أقوياء في
مرحلة معينة، ولكن عدم ظهورنا
بمستوى بديل تحرري كان سبباً
رئيسيا بمضينا نحو الضعف. لقد
استطاع الاسلاميون أن يتخذوا
لهم دوراً بالدعم المباشر
والشامل من الجمهورية
الإسلامية ودول الخليج والدول
الإسلامية، ولكن القوميين
الكرد وعلى أساس جذورهم
التاريخية القوية كتقليد
وحركة اجتماعية وكذلك بسبب
تمتعهم بدعم الغرب وتحولهم
الى مقود بيد الغرب في هذه
المرحلة، أستطاعوا أن يحضوا
بمكانة معينة في هذه المرحلة.
في الحقيقة وقعت السلطة
بأيديهم من السماء دون أن
يبذلوا جهداً يذكر فقمعوا
بسلطتهم اليسار بعنف.
روزنامه:
لماذا لا يمكن تمييز هوية
وبرنامج اليسار في كردستان عن
الأطراف والجهات الأخرى؟ ألا
يعني هذا أن تلك الأحزاب
واقعة تحت تأثير الثقافة
الحزبية للاتحاد الوطني
والحزب الديمقراطي
الكردستاني؟
ريبوار أحمد:
لا أتصور أن موطناً بسيطاً،
لديه أقل ما يمكن من المعرفة
بالسياسة، لا يعرف الفرق
والاختلاف العميق والشامل
بيننا كشيوعية عمالية،
كشيوعية حكمتية، وبين كافة
الأطراف القومية واليسارية
القومية وكافة التيارات
البرجوازية. هذا الاختلاف على
درجة من الوضوح والبروز بحيث
أن الأطراف القومية تتهمنا
دائماً بأننا متشديين جداً.
نحن كحزب هويته بارزة أمام
الجميع هو عبارة عن قوة
شيوعية عمالية لا تنسجم أبداً
مع أي مشاعر قومية ودينية
وثقافة رجعية وأعراف تقليدية،
قوة تناضل من أجل الحرية
الشاملة ولا تقبل أي تضييق
على الحرية وتقييد حرية
البشر، تناضل من أجل الحرية
والمساواة التامة بين المرأة
والرجل، تقف بشدة ضد الإرهاب
والقمع والعنف في المجتمع،
ودخلت لمرات عديدة في صراع
شديد مع الاسلاميين والاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي
وحزب العمال الكردستاني بسبب
حقوق العمال والنساء والشبيبة
والأطفال والعاطلين عن العمل
والباعة المتجولين. فكل شريحة
من شرائح هذا المجتمع احتجت
على أي ظلم واضطهاد قيل أن
الحزب الشيوعي العمالي يقف
خلف احتجاجها. ومن ناحية
البرنامج فإن برنامجنا هو
برنامج عالم أفضل، لرفض كل
النظام الاجتماعي القائم
وإقامة نظام حر ومتساوي
ومرفه، وسبيل حلنا لأوضاع
كردستان الحالية هو الانفصال
وإقامة دولة مستقلة غير قومية
وغير دينية.
سؤالي هو أي من سياساتنا
وبرنامجنا وممارستنا العملية
وهويتنا يتشابه مع الأحزاب
القومية التي يشكل التعصب
القومي والذكورية وسرقة جيوب
الناس وقوانين قتل النساء
السوداء وإلقاء الأطفال
أفواجاً أفواجاً في سوق العمل
وإضفاء الطابع القانوني على
العنف ضد النساء والأطفال
ووضع اليد بيد الدول الرجعية
في المنطقة والعالم وأسلمة
المجتمع والقوانين ونظام
التربية والتعليم والفدرالية
القومية، تشكل جميعها الخصائص
الأساسية لهويتها وبرنامجها؟
إنني أعلم أن هناك أحزاب
ومنظمات وأطراف تسمى يسارية
لها قرابة مع الكثير من خصائص
الحركة القومية هذه أو على
الأقل تتعايش معها، وباعتقادي
أن تلك الأحزاب والمنظمات لا
تقع على صعيد الواقع في خانة
اليسار.
روزنامه:
ما هو تفسيرك لقوة اليسار في
أوروبا والغرب وأمريكا
اللاتينية وضعفه في كردستان؟
ريبوار أحمد:
لقد تحدثت سابقاً فيما يتعلق
بمكانة اليسار في كردستان
وأسباب بقائه في هذه المكانة،
أو على الأقل عن الأسباب
الرئيسية لهذا الأمر. ولكن
بقدر تعلق الأمر بما تقولونه
حول "قوة اليسار في أوروبا
والغرب
وأمريكا اللاتينية" فإنني لا
أعتقد أن اليسار قوي الآن في
أوروبا والغرب، بل بالعكس حيث
كانت مرحلة ما بعد إنهيار
الكتلة الشرقية، مرحلة أنعطاف
العالم نحو اليمين، ولم يفقد
فقط يسار المجتمع مكانته
واتجه نحو الهامش، بل وحتى
الاشتراكية الديمقراطية كجناح
لليسار البرجوازي الغربي
والتي كانت ترسم لسنوات طويلة
المسار السياسي والاقتصادي
والاجتماعي وحتى الفكري
الأوروبي، فقدت مكانتها في
هذه المرحلة وتهمشت. وعلى
الرغم من أن هذا المسار طرأ
عليه تغيير في أواسط
التسعينات وأدى التراجع
والإجرام ومصائب النظام
العالمي الجديد بقيادة
الديمقراطية الغربية الى
تبديد التوهم بالديمقراطية،
ولكن مازال اليسار لم يرفع
قامته بعد من تحت وطأة
هزائمه. ومازال اليسار في
أوروبا والغرب على هامش
المجتمع.
أما فيما يتعلق
بأمريكا اللاتينية فإن القضية
مختلفة. هناك الحركة المعادية
للأمبريالية ليست قوية فقط،
بل وأن هناك دول تنفست نسيم
الاشتراكية قائمة الآن وفي
السلطة. هذا النوع من اليسار
يحظى هناك بالرواج، وهو ليس
عبارة عن حركة شيوعية وعمالية
ضد النظام الرأسمالي، بل حركة
ضد الإمبريالية والإستعمار
والغطرسة والعسكرتارية
الأمريكية والغربية في
العالم. تلك الحركة التي ليست
بحركة اشتراكية بل إن آثار
الاشتراكية بادية عليها،
تتمتع بأرضية خصبة في تلك
المناطق بشكل تاريخي ونتيجة
للسخط وردود الفعل الاجتماعية
الواسعة ضد الغطرسة
الأمريكية. وهذا المد المعادي
لأمريكا صار جزءاً من خصائص
الحركة القومية والحركات
الوطنية وحركات الاستقلال عن
سلطة الإمبريالية في تلك
المنطقة، وهذه أرضية لأن
يعلقوا انفسهم باليسار.
روزنامه:
كيف هي نظرة أوروبا لدور
اليسار في العملية السياسية
في أقليم كردستان؟ هل ينظرون
إليه كمجتمع ذو ثقافة
إسلامية؟ أو أنهم يعتقدون أن
الأحزاب الليبرالية تسيطر على
الساحة؟
ريبوار أحمد:
ليس هناك في أوروبا تحليل
واحد يتفق عليه الجميع سواء
حول من هو اليسار وماهو أو
حول دور اليسار في كردستان.
ولكنني أعتقد أن من السهل أن
يرى كل شخص أن المجتمع
الكردستاني حاله حال أي مجتمع
آخر متمدن تبرز فيه تقاليد
التحضر الغربي من ناحية أسلوب
العيش والملبس والاختلاط
والفن واحتساء المشروبات
و...أكثر من تقاليد
الإسلاميين. أمام أنظار
الجميع تكون مجاميع الذاهبين
الى المنتزهات وأماكن التسلية
والترفيه ونوادي الشرب أكثر
بكثير في أيام الجمعة من
مجاميع المصلين صلاة الجمعة
في المساجد. فاستهلاك
الموسيقى والغناء والملابس
والموديلات الغربية والبيرة
في هذا المجتمع أكثر بدرجات
كبيرة من استهلاك قصص الذكر
الإسلامي والحجاب وسجادات
الصلاة. وحتى أن هذا يجري في
وقت تريد السلطة وما يسمى
بالقانون أن يفرضا الهوية
الإسلامية بالقوة على المجتمع
واسلمته.
كذلك انا لا أعتقد أن الرأي
العام الغربي يتصور أن
الليبرالية موجودة في كردستان
كتقليد سياسي، وكحركة يتم
تمثيلها من قبل حزب أو أحزاب
قوية. الأحزاب التي تسيطر على
الساحة ملتزمة بالتقاليد
العشائرية والإسلامية وتقاليد
المليشيات لا التقاليد
الليبرالية.
روزنامه:
ما تفسيرك لعدم السماح
للأحزاب اليسارية بالعمل
بحرية في إقليم كردستان؟
ريبوار أحمد:
إن سبب ذلك هو أن الحركة
القومية الكردية كحركة مهيمنة
وحاكمة لهذا المجتمع هي تعادي
بشدة اليسار والشيوعية
والتقدمية وايضاً تعادي بشدة
الحرية وخصوصاً الحرية
السياسية ولها تناقض عميق مع
أماني وتطلعات الجماهير
الغفيرة من العمال والكادحين
والنساء والشبيبة التي يمثلها
اليسار. ولأن من يحكم هو سلطة
عشائرية مليشياتية. وهذه كلها
تمضي لأن تختار الحركة
القومية الكردية اللجوء الى
السلاح وقمع المعارضين بدلاً
من اللجوء للأسلوب السياسي
وأسلوب الحوار.
الحركة القومية الكردية حركة
لا تؤمن بالصراع مع منافسيها
والحركات الأخرى من خلال
النضال والصراع السياسي، وليس
هذا فقط بل وأنها لا تلتزم
بهذا الأسلوب السياسي حتى في
صراعاتها الداخلية أيضاً.
لهذا لها تاريخ طويل في أنها
تلجأ دائماً ودون أي تأخير
للسلاح والحرب والقتل مع ظهور
أية مشكلة جدية بين صفوفها.
روزنامه:
أ ليس أن العامل الأخر لضعف
اليسار يتعلق بتشتته بين عدة
أحزاب والتي هي بدورها تشتت
وتمزقت؟
ريبوار أحمد:
من غير شك أن تمزق أية حركة
هو سبب في ضعفها. ولكن
المسألة تتحول الى قصة من هو
نتيجة من: الضعف أم التمزق؟
يمكن أن يكون التمزق نتيجة
الضعف ويمكن أيضاً أن يكون
الضعف نتيجة التمزق. باعتقادي
أن السؤال الأهم هو لماذا
يتمزق اليسار وينقسم؟ لماذا
ليس بوسعه أن يؤسس حزب سياسي
قوي؟ لماذا لا يستطيع
اليساريون هضم الاختلافات
السياسية ووجهات النظر
المختلفة داخل حزب سياسي قوي
كما هو الحال في الأحزب
السياسية لليمين؟
التشتت أو التمزق والانقسام
بحد ذاته لا يمكن أن يعتبرسبب
ضعف اليسار. بل باعتقادي أن
التمزق والانقسام هو نتيجة
لتصورات وتقاليد قيدت لعشرات
السنين يد اليسار كما ذكرت من
أن يبني حزباً سياسياً. وقد
بنى اليسار خلال عشرات السنين
هذه فرقاً ايديولوجية بدلاً
من الحزب السياسي، وهذه الفرق
إذا ما خطت خطوة باتجاه
النمو، تدمرت مباشرة وتراجعت
خطوتين الى الوراء على خلاف
أيديولوجي ذهني لا على
السياسة والممارسة العملية
السياسية وفيما يتعلق بضرورة
اجتماعية.
لهذا فإن أحدى التحديات التي
تواجه اليسار الشيوعي برأيي
هي القطيعة مع تقاليد اليسار
التقليدي خصوصاً في ميدان
بناء الحزب السياسي والابتعاد
عن التقاليد العصبوية
والفرقية. فإذا ما رسخ
تقليداً من هذا الطراز على
خطه ستكون هناك أرضية
وإمكانية نموه وتحوله الى حزب
سياسي مؤثر وعامل تغيير حتى
لو كان صغيراً جداً وضعيفاً.
روزنامه:
ما هو برنامج حزبك المستقبلي
لتحقيق التغيير في كردستان؟ أ
لديكم الرغبة بالتحول الى
معارضة والوصول الى السلطة من
هناك أم أنكم تبقون بنفس
الشكل الحالي؟
ريبوار أحمد:
الحزب الشيوعي العمالي هو في
الأساس ينتمي لتقليد سياسي
شيوعي عرَّف فلسفة وجوده
بتحقيق التغيير الجذري
والشامل في المجتمع. هدفنا هو
إقامة الثورة الاجتماعية
للقضاء على النظام الرأسمالي
والعمل المأجور والملكية
الخاصة. وهذا عمل لا يمكن
القيام به من دون الإمساك
بالسلطة السياسية. لهذا من
خصائص حزبنا وحركتنا أننا حزب
ثوري ومتطلع للسلطة. والقيام
بدور معارضة قوية هو على
الأقل دور على حزبنا القيام
به قبل الوصول للسلطة وفي
مسار التقدم للسلطة.
والآن فإن العملية
الاستراتيجية التي رسمها
حزبنا للوصول الى السلطة في
كرستان، هي عبارة عن التحول
الى قوة بديلة لانتشال
المجتمع الكردستاني من
الدوامة السياسية الحالية بين
تعليق
المصير والفيدرالية الفاشلة
واحتمال الإلحاق بالعراق وحتى
اقاويل الإلحاق بتركيا. وهذا
مرهون بالإضافة الى وضع
المطالب لكافة النضالات
والاحتجاجات الجماهيرية
الحالية في كردستان وبلورة
عملية تحقيقها، سواء ضد هذه
الأوضاع والمأزق، أو ضد
نتائجها من قبيل الغلاء وغياب
الأمن الاقتصادي والسياسي، أو
ضد غياب الدولة وغموض حقوق
المواطنة، أو ضد اللصوصية
والسلب والنهب والفساد
الإداري والمعاناة على يد
سلطة المليشيا، أو ضد انعدام
الخدمات الاجتماعية، أو ضد
الحرمان المطلق من الحقوق
الذي حل بالقسم الأعظم من
السكان وفي مقدمتهم النساء
والشبية .مرهون بتوحيدها تحت
راية واحدة لفصل كردستان
وتأسيس دولة مستقلة غير قومية
وغير دينية.
ولكن في نهاية هذه المسالة من
الضروري أن أقول أن هذا هو خط
سياسي على حزبنا الوقوف عليه
عملياً. وإلا فإن نفس طرحه
كتصور ورؤية لا يضمن أبداً أن
يقف الحزب على هذه السكة
والمسار. لهذا من الضروري أن
أقول بصراحة أن حزبنا يقف في
مفترق طرق أحد جوانبه التحول
الى قوة سياسية للتغيير، ولكن
جانبه الآخر البقاء في
المكانة الحالية.
روزنامه:
الى أي حد تتفقون مع الرأي
القائل أن على الأحزاب
اليسارية مطابقة نفسها مع
الواقع الكردستاني ويكون لها
برنامج شبيه ببرامج الأحزاب
الأخرى حتى لو كان له تأثير
على خطها الفكري؟
ريبوار أحمد:
إنني على قناعة تامة في أن
على اليسار وخصوصاً نحن صياغة
برنامجنا السياسي فيما يتعلق
بالواقع الكردستاني. كردستان
منطقة غارقة في دوامة وليس من
الواضح في أي اتجاه يتجه
مستقبلها، لذا يجب أن يكون
لدينا خطتنا وبرنامجنا
السياسي لهذا الأمر. كردستان
مجتمع ابتلى لسبعة عشر عاماً
بحركة قومية عشائرية
ومليشياتية، وعلى اليسار ان
تكون لديه خطة وبرنامج
لانتشال المجتمع من يد هذه
الحركة القومية.
مجتمع في
كردستان،
مجتمع مدني ومتمدن يجري السعي
لأسلمته بقوة السلاح والإرهاب
والترهيب والغطرسة، وعلى
اليساريين أن تكون لديهم
خطتهم للتصدي لهذا الأمر
وإحباطه. كردستان مجتمع تبرز
فيه الآن ظواهر قتل النساء
والعنف ضدهن أبرز من أي مكان
آخر في العالم، وعلى
اليساريين أن يكون لديهم
خطتهم وبرنامجهم السياسي
للوقوف ضد هذا الأمر. كردستان
مجتمع تحولت فيه حياة الشبية
الى جحيم لهذا تضطر للهجرة
بشكل كبير وتسلم مصيرها
لأمواج البحار، وعلى اليسار
أن تكون لديه خطته وبرنامجه
السياسي لهذه المشكلة. وكذلك
الحال بالنسبة للأطفال
وبالنسبة للغلاء والفقر
وانعدام الخدمات الأساسية
والسلب والنهب.
بتصوري أن القوى القومية
والإسلامية داخل هذه المجتمع
على درجة من التشدد والتطرف
بحيث ليس بوسع يسار معتدل
ومقطوح الأجنحة ومساوم أن
يتصدى لها، فالمجتمع بحاجة
حياتية ليسار نموذجي صامد
وصلد. هذا هو واقع كردستان
وعلى اليساريين أن يتهيأوا
لمقاومة هذا الواقع وأن يكون
لديهم برنامجهم السياسي.
روزنامه:
هل تفضلون الاقتراب من تحالف
الاتحاد الوطني والحزب
الديمقراطي على التحالف مع
تيارات الإسلام السياسي
لتشكيل معارضة فعالة؟
ريبوار أحمد:
عملنا كشيوعيين ليس اختيار
الأقل شراً من بين الأشرار.
من غير شك أن حلبجة الآن
وهورامان الآن أقل مشاكل من
الوقت الذي كانت فيه بيد
الجماعات الإسلامية. ولكن هذا
لا يكون أبداً إجابة على
معضلات المجتمع. لسبعة عشر
عام والمجتمع الكردستاني
يعاني بالدرجة الأولى على يد
سلطة الحركة القومية لا
السلطة الإسلامية. لسبعة عشر
عام والحركة القومية الكردية
رسمت المسار المأساوي لهذا
المجتمع لا الإسلامية، لسبعة
عشر عام وإبقاء المجتمع في
التخبط والمأزق والغلاء
والحرمان والسلطة المليشياتية
والسلب والنهب، هو الفعل
المباشر للقوى القومية، وليكن
الإسلاميون أسوأ منهم. إن
المجتمع الكردستاني الغاضب
والمحتج الآن مبتلي بسلطة
الحركة القومية. هذا المجتمع
بحاحة للمنقذ، وعلى المنقذ أن
ينقذه من تحت سيطرة الحركة
القومية.
من المحتمل أن الشيوعية تتوصل
الى اتفاق مع حزب أو أحزاب
قومية على خطوة محددة على
سبيل المثال على مسألة التصدي
للإرهاب الإسلامي أو أية
مسألة خاصة. ولكن لا ينبغي أن
تخلق الحجج كما جرى الأمر حين
تم جعل بقاء النظام البعثي في
بغداد حجة لثلاثة عشر عاماً
لقبول الحركة القومية وسلطتها
في كردستان، والآن يجري جعل
شر الإسلام السياسي حجة
للمساومة والتحالف وقبول سلطة
قومية سلبت من المجتمع كافة
الحقوق والخدمات والحريات
والحياة اللائقة
بالبشر...والخ
روزنامة:
أ تعتقد ان كتلة اليسار
الشرقية في كردستان قد انهارت
أم أنه يتجه نحو التجدد؟ وما
هو دليل على ذلك؟
ريبوار أحمد:
ما معنى "كتلة اليسار الشرقية
في كردستان؟ في الحقيقة إنني
لا أعرف ما معنى هذه العبارة
ماذا تقصد ولم اسمع بها. ولا
أعتقد انها تعبير صحيح لكتلة
أو ظاهرة سياسية. لهذا لا
أستطيع أن اقول أي شيء بهذا
الخصوص.