مقابلة صحيفة "هاولاتي" مع ريبوار احمد حول التهديدات العسكرية التركية على كردستان العراق

 

سؤال: أ تعتقد أن الهجوم التركي الآن (فيما لو شمل الإقليم كله) هو فقط للقضاء على حزب العمال الكردستاني، أم أن هناك بعض الأغراض أخرى تقف خلفه؟

 

ريبوار أحمد: ليست بعض الأغراض بل أن هناك مجموعة كبيرة أغراض ومقاصد أكبر وأهم تقف خلف الهجوم التركي في قضية حزب العمال الكردستاني (PKK). بالطبع ليس هناك من شك أن تركيا كان تريد دائماً القضاء على حزب العمال وتتحين الفرص لذلك، ووجود حزب العمال الكردستاني هو بحد ذاته مصدر قلق جدي للدولة التركية، لذلك حين أقول أن هناك مجموعة كبيرة من الأغراض والمقاصد الأكبر، أو حين قلت في مكان آخر أن وجود قوات حزب العمال الكردستاني في كردستان هو حجة للهجوم في سبيل نوايا ومقاصد أكبر، لم يكن ما أقصده أن تركيا وحزب العمال الكردستاني يمزحان مع بعض أو أنهما يقومان بهذا السيناريو. وبشكل محدد فإن ضرب وتصيد حزب العمال الكردستاني في قلب التغيرات الإقليمية في المنطقة له ضرورته الخاصة بالنسبة لتركيا، ولكن لهذا اختلاف مع مسالة الهجوم واحتلال كردستان العراق.

هذه المرة أعتقد أن مسألة حزب العمال الكردستاني هي حجة للتدخل الذي تريد تركيا القيام به في العملية السياسية الحالية في العراق بقصد أن تسير هذه العملية بمسار يضمن مصالحها. هذا التدخل التركي له علاقة مباشرة ووثيقة بالفشل الأمريكي في العراق، وله علاقة بالعراق وأوضاع العراق بعد الفشل الأمريكي، وله علاقة بتسابق تركيا مع دول المنطقة الأخرى لرسم مستقبل العراق السياسي وفقاً لمصالحها. وضمن هذا الإطار له علاقة بالقضية الكردية والكيان السياسي لإقليم كردستان بوصفهما جزءاً من أوضاع العراق الحالية، لهذا ليس حزب العمال الكردستاني فقط بل إن رؤية المسألة من ذلك المنظار الضيق  في أن هدف تركيا هو فقط وفقط زعزعة الأوضاع والكيان الموجود في كردستان العراق هو  مازال أمراً خاطئاً وغير تام، ليس هناك من شك أن زعزعة ذلك الكيان السياسي في كردستان العراق هو أحد مقاصد تركيا ولطالما كانت قلقة منه، ولكن هذا ليس هو كل ما تقصده الآن، بالشكل الذي إثارته وأبرزته الصحافة الكردية والحركة القومية  الكردية، بل إن هذا هو من ضمن المقاصد والنوايا التركية الأوسع نطاقاً. أي أنه أحد تلك الأهداف والمقاصد.

رؤية الإطار العام لهذه المسالة وتلك التغيرات الجارية هو أمر مصيري ومهم جداً. فالحركة القومية الكردية حين تريد أن تصور للناس أن المسألة هي فقط عداء الدولة التركية لكردستان وحكومة الإقليم، فإن الطرف الآخر لهذه المعادلة يوصل الى أن تساوم الحركة القومية مع الدولة التركية، لأنه ليس هناك من شك أن هذه الأحزاب القومية في خاتمة المطاف ليست قادرة وليست أهلاً للتصدي للهجوم التركي. في حين أنها فيما لو ترى حقيقة مسار التغيرات والأوضاع بشكل صحيح وضمن إطارها الأوسع، ستصل الى نتيجة أن التهديدات التركية هي تهديدات في بالغ الجدية، والقضية ليست كردستان فقط ولا يمكن التصدي لها بمساومات حكومة الإقليم. في مقابل هذا من الضروري القيام بالكثير من الأعمال الأكبر والأوسع بدءاً من الأعمال السياسية والجماهيرية وصولاً الى المقاومة الجماهيرية المسلحة، ولكن الطرف الآخر للمسألة من أجل انتشال كردستان من هذا النوع من المخاطر والتهديدات، التفكير في فصل كردستان وجعلها دولة مستقلة معترف به دولياً.

 

سؤال: ما هي الأسباب التي تدفع بتركيا لأن تصر الآن بهذا الشكل على القيام بالهجوم؟

 

ريبوار أحمد: لقد كان لتركيا خلال فترة السنوات القليلة الماضية دوراً وتدخلاً  قليلاً في أوضاع العراق السياسية، وكان لدول المنطقة الأخرى دوراً أكبر خصوصاً إيران وسوريا، سواء كان هذا بسبب مشاكل الدولة التركية الداخلية أو بسبب ضيق قنوات تدخلها في العراق. وهي اليوم ترى أن كلا العاملين تغيرا الآن بصالح تدخلها أكثر في العراق، فالحكومة والسلطة في تركيا الآن أكثر انسجاماً واستقراراً وكذلك أصبح المجال لتدخلها في العراق أرحب وأوسع.

تركيا ترى أن أمريكا فشلت في العراق ووصل الأمر ببرامجها حد الاستعجال في سحب قواتها. وترى  تركيا أن هذا يخلق فراغاً ويفسح المجال أكثر لتدخل قوى المنطقة وسيغير المعادلة السياسية الحالية، وترى أن الجمهورية الإسلامية بصدد حسم هذه المعادلة والسلطة المركزية بصالح مصالحها، وترى أيضاً أن روسيا قد رفعت رأسها وتريد استغلال الفشل الأمريكي لصالحها. وهنا تعتبر تركيا هذه فرصة للتدخل في أوضاع العراق سواء لتثبيت مصالحها وكذلك لضرب والقضاء على كل تلك الموجودات التي تشكل مصدر قلق بالنسبة لها. بهذا الخصوص ترى تركيا  أن الفرصة مناسبة لها حيث تعرف أن أمريكا في خاتمة المطاف وبمعزل عن كل قلق بخصوص تعقد الأوضاع أكثر بيدها، تفضل أن تملأ تركيا ذلك الفراغ الناجم عن قلة الدور الأمريكي لا إيران أو روسيا اللتين أعدتا نفسيهما لهذا الأمر.

 

سؤال: كما تعلمون عبرت الحكومة العراقية عن استعدادها للتعاون مع تركيا ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) هل أن هذا الموقف هو موقف اللوبي العربي في الحكومة  العراقية بالدرجة الأولى؟ إذا كان الجواب نعم، ما سيكون تثيره (إذا كان له تأثير) على القضية الكردية في العراق في المستقبل؟

 

ريبوار أحمد: كلا، ليس الأمر بهذا الشكل. المشكلة هي أن الإعلام الكردي  والحركة القومية الكردية تضيق نطاق هذه المشكلة وتراها فقط بين تركيا-والكرد. فإما أنهم لا يرون الإطار العام للأوضاع وتلك التغيرات المرتقبة أو أنهم لا يريدون إبراز الحقائق والاعتراف بها. في البداية أتساءل من وأي مواطن عربي وأية قوة عربية تعتقد أن الحكومة العراقية أو (حضرة)  المالكي يمثلان العرب؟! إن الحكومة  العرقية الحالية هي بناء متداعي تألف من مجموعة قوى قومية وطائفية وعشائرية تتناقض مع بعضها البعض بشدة. وكل وحدة من تلك الجماعات والقوى لا تمثل سوى نفسها فقط ولا تمثل أي أحد.

موقف المالكي والمحيطين به والسلطة الواقعية المركزية في العراق، ليس   موضع سؤال وليس بغامض بالنسبة  لكل شخص لا يريد التغاضي عن الواقع. وبالنسبة لهم فإن المسألة ليست حزب العمال الكردستاني. هل هناك من لا يعرف واقع أن المالكي والحكيم والصدر والهاشمي والشهرستاني مثلهم مثل تركيا لهم مشكلة جدية مع سلطة إقليم كردستان ولهم مشكلة جدية مع حقوق جماهير كردستان؟! ومن يخفي هذا الأمر إنما يذر الرماد في عيون الجماهير. وقد اتضح الآن أنه وبعكس دعاية القوميين الأكراد وقادة حكومة الإقليم قبل بضعة أسابيع، لا ينبغي على جماهير كردستان أن تنتظر من الحكومة المركزية أن تدافع عنها مقابل التهديدات التركية، وليس هذا فقط  بل عليها أن تكون يَقظة من أن لا تقوم تلك الحكومة في هذه الأزمة والمأزق بمؤامرة ضد جماهير كردستان. لهذا فإن الحديث عن حل القضية الكردية ضمن إطار العراق ليس بخيال فقط بل وإنه خداع وتضليل ليس فقط بسبب موقف الحكومة العراقية هذا بل وكذلك في ظل أوضاع من هذا النوع وخصوصاً طالما ظل هذا النوع من القوى والجماعات يتمتع في العراق بالسلطة.

ولكن في الحقيقة فإن موقف الملكي وبدلاً مما تقولون عنه بتأثير"اللوبي العربي"، إنما هو على الأكثر دور وموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي لها دور لا ينافس وتأثير على السلطة المركزية الحالية في العراق.

 

سؤال: أليس ما تقصده تركيا هو أن تشعل فتيل الصراع الكردي- الكردي بين حزب العمال الكردستاني (PKK) وبعض القوى الكردية في العراق؟

 

ريبوار أحمد: أعتقد أن إجابتي على الأسئلة السابقة توضح رأيي بخصوص هذه المسألة. قضية الكرد وحزب العمال الكردستاني ودور الحركة القومية الكردية في المنطقة وخصوصاً سلطة الأحزاب القومية الكردية في كردستان العراق، كانت على الدوام موضع قلق وانزعاج تركيا. ولكنني لا أعتقد أن ما تسمونه "الصراع الكردي- الكردي" جرى في الماضي من تلقاء نفسه وبدفع مباشر من الدول والقوى الخارجية كي يحدث اليوم من جديد. الصراع وأسس تلك الصراعات بينهم كانت موجودة وحتى أنها تفجرت بعد ذلك جاءت دول المنطقة والقوى الخارجية وتدخلت فيها وفقاً لمصالحها. إن دول المنطقة ومنها تركيا ربما لا تضيع أية فرصة في اتخاذ هذا الدور وتشديد الحرب والصراع  بين تلك القوى  القومية الكردية. ولكن بقدر تلعق الأمر بهذا المسألة فإنه ومثلما قلت فيما تقدم ن أغراض ونوايا تركيا أكبر وتتجاوز الـ(PKK) و"الكرد" وإشعال فتيل الحرب بين "القوى الكردية".