مرة أخرى تهديدات تركية بالهجوم

ريبوار أحمد

تهديدات الحكومة التركية بقصد القيام بحملة على كردستان العراق التي تصاعدت الى أقصى درجاتها خلال هذه الأيام وراحت تعد لها العدة من الناحية العسكرية ليست بشيءٍ جديد، ولكن مستواها وأبعادها على وشك تجاوز حدود التهديدات السابقة. وعلى الرغم من أن حججها وتبريراتها لهذه الغطرسة العسكرية التي بدأت فعلياً بقصف المناطق الحدودية، هي نفس الحجج السابقة المتمثلة بوجود قوى وقواعد حزب العمال الكردستاني (PKK) في أراضي كردستان العراق. إلا أن سؤالاً بسيطاً يكشف عن نفسه مباشرة ألا وهو: لماذا تتصاعد حجج وذرائع تركيا وتهديداتها بين آونة وأخرى وفي الأوضاع المختلفة وتصل الى ذروتها رغم أن قوى وقواعد حزب العمال الكردستاني هي موجودة لسنوات طويلة في أراضي كردستان العراق؟ وما هي المسألة الجديدة الآن بخصوص وجود حزب العمال الكردستاني؟ لماذا لم ينفد صبر الدولة الفاشية التركية وجنرالاتها قبل ثمانية أشهر أو سنة أو أكثر مثلما قد نفد الآن؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة واحدة ألا وهي أن وجود قوى حزب العمال الكردستاني في أراضي كردستان العراق هو حجة وذريعة بيد هذه الدولة القومية والرجعية كي تستل هذا الخنجر متى ما وجدت ذلك ضرورياَ ومناسباً بقصد دفع مصالحها الرجعية في الساحة السياسية العراقية الى الأمام سواء كان من أجل الضغط أو من أجل الهجوم أو للتدخل بأشكال مختلفة أخرى.

لقد صعدت تركيا من تهديداتها طوال السنوات التي ظلت أوضاع العراق فيها تعاني من الاضطراب وعدم الاستقرار خصوصاً في تلك الفترات التي تصاعدت فيها التهديدات الأمريكية بالحرب ضد العراق وبداية مرحلة جديدة من الاضطراب وانهيار المعادلة السياسية العراقية. وقد نبهنا منذ ذلك الحين الى أن الهجوم التركي على كردستان العراق يمكن أن يكون أحد نتائج الحرب الأمريكية ضد العراق. غير أن المسألة المهمة في هذه الأثناء هي أن هذه الدولة الفاشية تتمسك دائماً بأقذر الحجج وأكثرها رجعية للتدخل في أوضاع العراق، وكانت دائماً تتدخل لتعميق تلك الصراعات الرجعية القومية والطائفية التي ظهرت مباشرة كنتيجة للحرب والاحتلال الأمريكي. مرة باسم الدفاع عن حقوق التركمان وفرض الهوية التركمانية على مدينة كركوك، تحرض الجماعات التابعة لها للنشاط في سبيل تعميق الصراع القومي الكردي-التركماني، ومرة أخرى  بتشجيع ومساندة مختلف الجماعات القومية العربية والتيارات الإسلامية السنية تسعى لتصعيد الحرب الطائفية والقومية وتعميق مآسي الجماهير، كي تستفيد من هذا المناخ لإطلاق يدها أكثر في التدخل وفرض مصالحها في ظل تعقيدات أوضاع العراق أكثر وبثمن المآسي التي تحل بحياة جماهير العراق.

وبمعزل عن مسألة هل سيكون هناك هجوم عسكري التركي على كردستان العراق أو لا، بمعزل عن مسألة كم ستؤمن هذه الأوضاع الفرضة لتدخل تركيا أولا، ليس هناك من شك أن الدولة التركية وبعكس ما قاله جورج بوش ترى من صميم قلبها أن هذا الأمر من مصلحتها. تركيا تعرف حقيقة أنها إذا ما وضعت قسماً من أراضي كردستان تحت سيطرتها بأية حجة كانت، فإنها ستكون قوة متدخلة مباشرة في كل العملية السياسية العراقية ويمكنها إبقاء سيفها معلقاً على رقبة العملية السياسية وطرح مطالبها بضغط ذلك السيف. فقبل عشر سنوات من الآن وفرت الحرب الداخلية بين الأحزاب القومية الكردية الفرصة لتركيا كي تترك قواتها العسكرية في كردستان بحجة الوساطة باسم القوات الدولية، ومع ذلك فإنها وبعد عشر سنوات من نهاية تلك الحرب مازالت غير مستعدة لإخراج تلك القوات وتجعلها تمارس دائماً أعمال أجهزتها الاستخبارية. لهذا هي ذاقت ثمرة هذا النوع من الفرص وتعلم ما هي خيراتها وبركاتها.

وهي تريد اليوم إدخال قواتها الى كردستان العراق مرة أخرى بأية حجة كانت. خصوصاً وأن هناك جملة من التغيرات والعوامل المهمة والجديدة تفسح هذا المجال لتركيا. ومنها فشل أمريكا الحالي في العراق وغرق حكومة المالكي صنيعتها في المستنقع واضطراب أوضاع العراق السياسية، كذلك تعقيدات الأوضاع والمعادلات السياسية الإقليمية والعالمية بشكل عام، تحت تأثير الفشل الأمريكي في العراق واشتداد التهديدات بالهجوم على إيران وبروز الأقطاب العالمية المنافسة  لأمريكا الى الدرجة التي تقوم فيها روسيا من خلال رئيسها بتنبيهها على ضرورة إخراج قواتها من العراق. وعلى العموم فإن هذه كلها تدفع لإخراج المنطقة من سيطرة أمريكا. كل هذه فتحت الأبواب على مصراعيها أمام تدخل تركيا وتهديداتها بالهجوم. علامات هذه الأوضاع والفرصة المناسبة لتركيا يمكن رؤيتها بوضوح في مواقف بشار الأسد وبوش والمالكي، فبالرغم من اختلافهم مع بعضهم البعض يكشفون عن هذه الفرصة لتركيا. هذه الأوضاع الإقليمية والعالمية تجيب على سؤال لماذا انقطع حبل صبر تركيا بالضبط في هذا الوقت تجاه وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) في العراق؟

وإذن فإن هذا التهديد هو تهديد واقعي ضد جماهير كردستان. لقد بين هذا التهديد منذ الآن تأثيراته المعادية لمصالح جماهير كردستان. فالعديد من المناطق الحدودية غاب عنها الأمن والاستقرار في ظل القصف، وثمة عدد كبير من النازحين والمشردين، فعموم جماهير كردستان تواجه التهديد بسلب أمنها واستقرارها. فمع بدء الهجوم بشكل فعلي ستتنامى جميع هذه الأمور على مستوى أوسع. بهذا الشكل وفي الوقت الذي تفكر فيه جماهير كردستان كيف تصعد من احتجاجاتها ضد الغلاء الفاحش والفقر والبطالة والفساد الإداري ولصوصية الأحزاب القومية الكردية وغياب الخدمات الأساسية من قبيل خدمات الماء والكهرباء والمحروقات، يأتي هذا التهديد الجديد الآن لينسي الجماهير كل تلك الأمور ويجعلها تعد نفسها لمواجهة التهديدات التركية ومواجهة مشاق ومصاعب أكثر بدلاً من تلك.

إن جورج بوش يدرك حالة اضطراب قواته واستراتيجيته الفاشلة في العراق والمنطقة، ولهذا وفي الوقت الذي احتل فيه العراق ويعتبر نفسه صاحب القرار الوحيد بخصوص مصير هذا المجتمع، وفي الوقت الذي يصرح فيه حسب تقاليده الرامبوية بلغته النارية ضد تلك الدول والقوى التي تتحرك بعكس المصالح الأمريكية، إلا أنه يتحدث مقابل التهديدات التركية بلغة طيعة ويتخذ لنفسه دور الناصح للحكومة التركية ويقول: "لا أعتقد أن هذا الهجوم هو من مصلحتهم".

أما ما يسمى بالحكومة المركزية العراقية فإنها أقل من أن ينتظر منها رد فعل جدي. إنها مجموعة من القوى المليشياتية التي تم فرضها بكيان كارتوني على جماهير العراق، بحيث يتمنى كل طرف منها دمار المناطق التي خارج سيطرته كي تتراجع وتضعف مكانة منافسيه "من حلفاءه الاستراتيجيين". ومن الخيال الفارغ ما يسعى القوميون الأكراد لحقنه في أذهان جماهير كردستان بأن المالكي وحكومته هم بمستوى وموقف من يعتصر الألم قلبه لأمن ومصير جماهير كردستان والدفاع عنها. هذا إذا ما افترضنا أن هذه الدويلة تمتلك القدرة على اتخاذ موقف وكذلك تمتلك القدرة على الرد مقابل التهديدات التركية. لأن موقف نوري المالكي وبعكس دعاية الأحزاب القومية الكردية هو بصالح تركيا وبدلاً من الشجب والإدانة ورد الفعل ضد تلك التهديدات، أقر بالحجج التركية وحقها في الهجوم العسكري وحتى أنه تحدث عن نوع التعاون الى حد ما. ولذلك على جماهير كردستان وبدلاً من انتظار أن ترسل الحكومة المركزية قواتها للدفاع عنها، أن تنتبه الى أن لا تستغل الحكومة المركزية هذه الفرصة وتسجل هدفاً في هذا الوقت على جماهير كردستان وتجعل من هذا فرصة لترسيخ قواتها على قلوب جماهير كردستان التي هي الآن عملياً خارج نطاق سيطرتها.

وبخصوص الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وحكومتهما للأقليم لا ينتظر أي شخص منهما أن يكون في موقع أو يتخذون سياسة التصدي بحزم للهجوم التركي. وهذه حقيقة يعرفها الفلاحون وسكان القرى في تلك المناطق التي  يصبحون هم فيها أول ضحايا الهجوم التركي. وذلك بسبب أن الأحزاب القومية وسلطتها اعترفت بالحجج التركية الباطلة وقبلت بأن المسألة هي مسألة تواجد حزب العمال الكردستاني (PKK)، لقد قبلت بهذا ليس الآن بل لسنوات قبل الآن وحتى أنها تقدمت فلول الجيش التركي في بعض الفترات وفق ما اقتضته مصالحها. لهذا فإن السؤال الذي يواجهها لماذا اعتبرت هذه السياسة التركية سياسة مشروعة في الماضي وحتى أن تلك الأحزاب جعلت من قواتها جنوداً لتحقيق هذه السياسة وحاربت من أجلها؟، إلا أنها الآن وبدون الحديث عن الماضي تعتبرها سياسة غير مشروعة وتريد التصدي لها؟ لهذا قبل الحديث عن هزال وسخف موقفها وسياساتها، فإن نفس ذلك الماضي لا يبقي أية حقانية لها.

بالطبع أن ثمة حقيقة لا يمكن نكرانها في أن أوضاع كردستان العراق المعلقة وغير الثابتة هي الأرضية الرئيسية لفسح المجال أمام الغطرسة التركية ودول المنطقة الأخرى للتدخل والهجوم على كردستان العراق. فبعد حرب الخليج عام 1991 تحولت كردستان الى منطقة في دوامة وبعد حرب عام 2003 استمرت تلك الدوامة والتشرذم مجدداً بشكل آخر في كردستان من خلال إلحاقها بعراق غارق في دوامة التشرذم والحرب والإرهاب. انتشال المجتمع من هذه الأوضاع وتأسيس دولة مستقلة هو السبيل الواقعي لغلق الأبواب بوجه هجمات وغطرسة دول المنطقة. وهذا ليس له أي مكان لا في برنامج وسياسة الأحزاب القومية ولا في برنامج أمريكا. بل إن هذه هي سياسة الحزب الشيوعي العمالي.

على جماهير كردستان وكل طرف تهمه حياة وأمن ومصالح هذه الجماهير ن يأخذ هذه التهديدات على محمل الجد وأن يدخل الميدان وينشط بروح عالية الإحساس بالمسؤولية لمقاومتها وإحباطها. هبة الجماهير الغفيرة وحضورها الميدان وإعلاء أصوات احتجاجها، وكسب الرأي العام على الصعيد العالمي لمساندة جماهير كردستان وشجب واستنكار التهديدات التركية، بوسعه ن يكون رد فعل مؤثر لإجهاض تلك التهديدات وبالتالي يكون بداية إعداد الجماهير لنفسها من أجل المقاومة المسلحة والدفاع المسلح عن نفسها أمام الهجوم التركي. إن هذا هو فعل وسياسة مختلفة ومستقلة ومتناقضة مع سياسة وممارسات الأحزاب القومية، وينبغي أن تمضي الأمام بشكل مستقل ايضاً.

في نفس يشكل هذا الأمر عاملاً ودليلاً آخر على الضرورة العاجلة لحضور قوة شيوعية وعمالية الى الميدان. هذه الأوضاع الجديدة هي نفسها نداء ودعوة للتأسيس العاجل لحزب شيوعي عمالي كردستاني، حزب يمثل الجماهير ويمثل هذه السياسة. علينا الاستعجال في القيام بهذا الأمر.