مقابلة جريدة الشباب الحكمتى
مع ريبوار احمد بمناسبة اسبوع
منصور حكمت
منصور حكمت كنز كبير بين يدي
البشرية التحررية
في النضال من أجل الحرية
والمساواة والاشتراكية
جريدة الشباب الحكمتي/ حول
الحركة الشيوعية العمالية في
العراق،
الحزب الشيوعي العمالي
العراقي حزب تأسس في هذا
المجتمع بتدخل ونظريات
وممارسة منصور حكمت. ربما
تبدو الصورة للكثير من
الشبيبة في ايران ان منصور
حكمت
مفكر شيوعي في المجتمع
الايراني. هل من الممكن
الحديث عن تاثير منصور حكمت
في
المجتمع العراقي والأهم من
ذلك تأثيره على اليسار
والحركة الشيوعية في هذا
البلد
وما هي مكانته في الوقت
الحاضر.
ريبوار أحمد/ منصور حكمت ليس
فقط قائداً شيوعياً ومفكراً
كبيراً مرتبطاً بالمجتمع
الإيراني، بل أنه ككل قادة
ومفكري الشيوعية الكبار
الآخرين، مرتبط بكل الحركة
الشيوعية والبشرية التحررية
على صعيد العالم ككل. إن
البشرية كافة بحاجة لمنصور
حكمت ودروسه ونظرياته
للانعتاق والخلاص من الظلم
والاضطهاد واللامساواة. تراث
منصور حكمت كنز كبير بين يدي
البشرية التحررية في النضال
من أجل الحرية والمساواة
والاشتراكية.
وقد اكتسب منصور حكمت هذه
المكانة الى حد كبير في
المجتمع العراقي الآن. إذ أن
هناك الآن آلاف النساء
والرجال، وآلاف الناشطين
الشيوعيين، تعتبر منصور حكمت
قائدها وهي تمارس نشاطها
وأعمالها في ميادين النضال
السياسي والاجتماعي المختلفة
بنظرياته وسياساته وخططه. وقد
فسح المجال لدوره على المجتمع
والحركة الشيوعية والتحررية
العراقية في البداية من حلال
وقوع حركة اليسار والشيوعية
في عهد الثمانينات تحت تأثير
تصوراته ووجهات نظره. ثم أتخذ
هذا الدور أبعاداً سياسية
واجتماعية أوسع..
ففي بداية الثمانينات حين
تعرفت الحركة الشيوعية في
كردستان العراق في ذلك الحين
بشكل أولي على أبحاث منصور
حكمت من خلال مجموعة من
الكتابات المترجمة والمتناقلة
يداً بيد داخل صفوف الحلقات
والمحافل، وقعت تلك الحركة
بشكل سريع جداً تحت تأثير تلك
الأبحاث والكتابات. ولكن
اتخذت المسألة في فترة قصيراً
أبعاداً أوسع من التأثير. فقد
قلبت أبحاث وكتابات منصور
حكمت مجمل المنظومة الفكرية
اليسارية من الجذور. بالضبط
مثلما قلب ماركس في البداية
المنظومة الفكرية والنظرية
للحركة الشيوعية في عصره
وأعاد صياغتها وبناءها من
جديد على أسس صحيحة وعلمية.
إن مرحلتي الشيوعية والحركة
الشيوعية في العراق، أي قبل
التعرف على منصور حكمت وبعده،
ليستا فقط مختلفتين كثيراً عن
بعضهما البعض، بل وإنهما
مختلفتان جذرياً وليس هناك أي
شبه يجمع بينهما. قبل منصور
حكمت كانت الشيوعية في
العراق، حالها الشيوعية على
صعيد العالم بعد هزيمة ثورة
أكتوبر، راية كل شيء، حيث تم
تحويلها الى راية الحركات
البرجوازية من قبيل:
الديمقراطية، التحرر القومي
والوطني، النمو الصناعي.. إلا
أن تكون راية الاحتجاج
الاجتماعي للطبقة العاملة ضد
الرأسمالية. قبل منصور حكمت
كان التقليد الشائع للشيوعية
في العراق ليس فقط التناغم
والتعايش مع الحركة القومية
والذكورية والدين والتقاليد
المتخلفة الأخرى، بل وإنها
كانت تتملق كل تلك الحركات
والتقاليد أيضاً. قبل منصور
حكمت كان الطابع الراديكالي
والطابع الاجتماعي قطبين
متناقضين مع بعض في رؤية
وتصورات الشيوعية العراقية،
ولم يكن الصغر والهامشية
مشكلة، لم يكن المجتمع
وقضاياه والتدخل السياسي
أساساً، لم تكن السلطة
السياسية مسألة الشيوعية،
وكانت الاشتراكية هدفاً غير
واضح وهدفاً حتمياً لمستقبل
بعيد غير مرهون بإرادة ودور
البشر. وكانت من الناحية
الثقافية شيوعية ذات نزعة
شرقية ومتخلفة...ولكنة كل هذا
تغير وانقلب بفضل منصور حكمت.
لقد قلبت شيوعية منصور حكمت
من كافة الجوانب الحركة
الشيوعية في كردستان العراق
في ذلك العهد. وخطوة خطوة
راحت الشيوعية العمالية تمد
نفوذها من خلال اليسار
الكردستاني الى مناطق العراق
الأخرى، وكانت تترك نفس
التأثير في أي مكان تصل إليه.
في خاتمة المطاف تمكنت حركة
اليسار الكردستاني بالمعرفة
التي اكتسبتها من تصورات
ووجهات نظر منصور حكمت في
التدخل لأول مرة على صعيد
اجتماعي واسع في انتفاضة آذار
عام 1991 وبمعزل عن كل
إبهاماتها وغموضها ونقاط
ضعفها اتخذت دورها كتيار
وحركة مؤثرة وأدخلت في
الحقيقة جملة من التقاليد
النضالية والشعارات
الراديكالية والقضايا الجديدة
على الساحة السياسية
والاجتماعية الكردستانية.
وأوجدت استقطاباً جديداً في
المجتمع الكردستاني، ورفعت
راية الطبقة العاملة المستقلة
في ميدان الصراعات
الاجتماعية، وتعرضت لأول مرة
الحركة القومية الكردية
والإسلام والذكورية والتقاليد
السائدة للنقد الصريح
والمكشوف من منظار الاشتراكية
والطبقة العاملة. كذلك ظهرت
العديد من المنظمات السياسية
والجماهيرية المتدخلة على
أساس تصورات ووجهات نظر منصور
حكمت وبدأت بممارسة نشاطها.
وهنا وضعت الحركة الشيوعية
أقدامها على أعتاب مرحلة
جديدة، بالتزامن مع ذلك بدأت
المحافل والحلقات الشيوعية
بالتبلور والتشكل حول أبحاث
وأطروحات منصور حكمت في
المناطق الأخرى من العراق. في
النهاية تشكل الحزب الشيوعي
العمالي العراقي عام 1993
بناءاً على الدور والمبادرة
والقيادة المباشرة لمنصور
حكمت. وقد بقي منصور حكمت
لآخر لحظة من حياته عضو وقائد
وسياسيِّ ومفكر واستراتيجيِّ
الحزب الشيوعي العمالي
العراقي. وعلى الرغم من أنه
لم يكن في أي وقت من الأوقات
راضياً عن دور هذا الحزب، إلا
أنه كان يعتبره ويتعامل معه
دائماً كظاهرة عزيزة جداً
لديه وكان يستجيب لندائه في
كل الدروب العسيرة والمحن
والضائقات والمراحل الصعبة
ويمسك بيده ويجعله يتجاوز تلك
الضائقات والمصاعب.
غير أن دور منصور حكمت في
المجتمع العراقي لم يقتصر على
الحركة الشيوعية. بدءاً
وبمناسبة تلك الممارسة
الاجتماعية التي اتخذتها
الحركة الشيوعية على أساس
نظرياته في مختلف ميادين
الحياة الاجتماعية، كان لها
تأثيراً واقعياً في المجتمع،
على سبيل المثال تدخل
الشيوعية العمالية كقوة
سياسية في الصراعات السياسية
والاجتماعية، ظهور دور الطبقة
العاملة في الميدان السياسي،
تجسد وشمولية قضية المرأة
ومطلب المساواة بين المرأة
والرجل ودخول الحركة النسوية
الى الميدان، قوة تيار
العلمانية ومواجهته الحازمة
مع الإسلام السياسي، والنضال
للدفاع عن الحرية السياسية
غير المقيدة وغير
المشروطة...هذه والكثير من
المسائل الأخرى، سجلت على
صعيد اجتماعي واسع باسم منصور
حكمت والشيوعية العمالية.
وفي الميدان السياسي كانت
لمنصور حكمت مكانته الخاصة في
المعادلة السياسية. فهو كان
شخصية متدخلة في الميدان
السياسي العراقي، وكانت له
أبحاثه الخلاقة بخصوص القضايا
الرئيسية وعقد العراق
وكردستان الشائكة وطرح موقفاً
صحيحاً وسبيل حل واقعي. على
سبيل المثال الحرب أمريكا
وحلفائها عام 1991 ضد العراق،
الحصار الاقتصادي، الانتفاضة
وأحداث 1991 في كردستان
العراق، دور الحركة القومية
العربية والكردية، القضية
الكردية وتشرذم وتخبط المجتمع
الكردستاني،...في كل هذه
المسائل كانت مواقف وتحليلات
واستنتاجات منصور حكمت، ضد
التيار وخلقت نقاشاً وجدلاً
وسجالاً. فما كان يقوله هو لم
يكن يخطر على بال أحد ولم يكن
يتطابق مع أي من المواقف
ووجهات النظر المختلفة. بهذا
الخصوص سأتحدث عن مثالين فقط،
الأول هو تحليله وموقفه تجاه
أزمة الخليج عام 1991 التي
انبثقت باحتلال الكويت من قبل
النظام البعثي والحملة
الأمريكية على المنطقة.
فمنصور حكمت ولأنه يرى جميع
أبعاد وجوانب الأوضاع ويعرف
أن أمريكا تريد الاستفادة من
تمرد النظام البعثي لفرض
نظامها الوحشي على العالم،
ولهذا السبب كان يعرف أية
مأساة وأوضاع مظلمة ستنتج عن
الحرب الأمريكية، اتخذ موقفاً
لم يتم هضمه من قبل الحركة
الشيوعية حتى بعد الحرب. هو
لم يشجب احتلال الكويت بل شجب
واستنكر حرب أمريكا ضد
العراق. بعد ذلك تبين عملياً
كم كانت توقعاته ومواقفه
وتحليلاته صحيحة وواقعية.
المسألة الأخرى هي طرح مطلب
انفصال كردستان العراق، كسبيل
حل واقعي لإنهاء الظلم القومي
وحل القضية الكردية وكذلك
لانتشال المجتمع من التخبط
والتشرذم وبعث الحياة المدنية
على حد سواء. وكان مثل هذا
الموضوع سابقاً يبدو كفراً
كبيراً في إطار المنظومة
الفكرية لليسار العراقي.
خصوصاً وأن اليسار الكردستاني
العراقي كان يعتبر لسنوات
طويلة أن أحد اختلافاته
الرئيسية مع الحركة القومية
الكردية هي طابعه العام
الشامل للعراق وكردستانية
الحركة القومية الكردية. إلا
أن منصور حكمت كقائد ماركسي
ثاقب الرؤية، كان ينظر بعيون
مفتوحة للمجتمع وقضاياه وعقده
وكان يتعامل مع الماركسية
كوسيلة علمية لحل تلك العقد
وكشف سبيل الحل الصحيح
والإنساني، فهو لم يكن يلتزم
بالأحكام الكليشية والجامدة،
بل كان المجتمع أساساً
بالنسبة له. ومن هذا المنظار
توصل الى نتيجة أن في هذه
الأوضاع يشكل الانفصال وتأسيس
دولة مستقلة سبيل حل واقعي
ومناسب وتقدمي لهذا المجتمع.
وقد انقض مضجع كل قادة وسياسي
جبهة يمين المجتمع من أبحاث
ومواقف وتدخل منصور حكمت
وأثار سخطهم، ولمرات كثيرة
هاجموه كعنصر في المعادلة
السياسية وراحوا يمارسون
مهاتراتهم وأقاويلهم ضده. ومن
الجانب الآخر اعتبرت جماهير
غفيرة أبحاثه وسبل حله
كمفاتيح لحل العقد والمعضلات
الكبيرة واستقبلتها بحفاوة
واعتبرته قائدها الفذ.
حتى من الناحية الفكرية كان
منصور حكمت عنصراً قوياً داخل
المعادلات الفكرية في المجتمع
العراقي. فقد تركت تصوراته
ووجهات نظره أثرها على صعيد
واسع النطاق. ويتم الحديث
عنها وبحثها في الجدال
والسجال الفكري. إذ هناك
الكثير من المثقفين سواء
المخالفين له أو المتفقين معه
يشيرون الى أبحاثه. فبعضهم
يطرح تصوراته ووجهات نظره في
نقده والبعض الآخر بالاعتماد
عليه.
هذه المسائل التي تحدثت عنها،
كانت في البداية ملموسة
وبارزة في الواقع على صعيد
كردستان، ولكن خلال هذه
السنوات الثلاثة بعد انهيار
النظام البعثي وانفتاح
الميدان بوجه التيارات
والحركات المختلفة، كذلك
بالتزامن مع تنامي نشاط الحزب
الشيوعي العمالي العراقي على
صعيد هذا المجتمع، برزت الآن
الى حد كبير نفس تأثيرات دور
منصور حكمت، على صعيد العراق
ككل. فشيوعية منصور حكمت تنشط
الآن من أربيل والسليمانية
الى بغداد والبصرة كتيار
سياسي متدخل على صعيد هذا
المجتمع ككل وتتخذ دووراً في
الصراعات على حاضر ومستقبل
المجتمع. وذلك القسم من
كتابات منصور حكمت التي ترجمت
وطبعت بالعربية والكردية يتم
تناقلها وقراءتها ويتم النظر
إليها كمصادر فكرية وسياسية
كبيرة وتترك أثرها على
المجتمع. شيوعية منصور حكمت
مشعل الأمل الوحيد في المجتمع
العراقي للخلاص من ذلك
السيناريو المظلم والقائم
الذي خلقته أمريكا والقوى
القومية والدينية. فإذا حققت
النصر في هذا الكفاح والتحدي،
حينذاك ستتجه أنظار جماهير
العالم بشكل واقعي الى منصور
حكمت وأي مفكر وشخصية كبيرة
هو، وحينذاك ستصبح نظرياته
مرشداً ودليلاً للبشرية
المعاصرة في سبيل الحرية
والمساواة والرفاه.