المجتمع العراقي بحاجة لدستور وقوانين مساواتية وحكومة علمانية وغير قومية

 

أصبحت قضية إقامة الدولة وصياغة قوانين ودستور جديد القضية الرئيسية اليوم في العراق. فأمريكا والقوى القومية والإسلامية والعشائرية، تسعى بأقصى جهدها، تعريف الجوانب الرئيسية للمجتمع العراقي بنفس جوهر ما كان قائماً في عهد النظام البعثي. فقد كان دولة البعث دولة قومية عربية وكان دستورها وقوانينها نابعة من الدين الإسلامي والعصبية القومية العربية والأعراف والتقاليد العشائرية. وكانت تلك أسس الهمجية والقمع والرجعية والمآسي التي خلقها ذلك النظام الفاشي خلال 35 عام من عمره.  

ويشكل البرنامج العملي الذي تناقشه الآن القوى داخل مجلس الحكم وأمريكا، بكل الاختلاف والتناقض بينها، في مضمونه، تأكيداً على نفس المحاور الرئيسية لبرنامج البعث. فهي تريد تعريف دولة العراق كدولة قومية مستندة على الدين الإسلامي، حيث يظهرون الأمر وكأن حصة كل القوميات مضمونة وتحدد حصة كل منها بموجب مكانتها ونسبتها في تشكيلة المجتمع العراقي. فالنظام البعثي لم ينكر في الأساس أن "الكرد" و"الأقليات الأخرى" تعيش الى جانب "العرب" وحتى أن لها حصتها في الدولة. وما كان يدعوه النظام البعثي بالحكم الذاتي، كان من منظاره تحقيقاً لهذا المبدأ. في نفس الوقت رسخ النظام البعثي تماماً الشريعة الإسلامية كأساس لدستوره وقوانينه.

إن الحلقة التي يدور فيها "مجلس الحكم" الآن والضوء الأخضر الذي تعطيه له الإدارة الأمريكية بكل ملاحظاتها، هو نفس ذلك الأساس الذي استند عليه البعث. فتوزيع السلطة والمناصب وفق الهوية الزائفة القومية وعدا عن كونه إشاعة للتعصب والشقاق والأحقاد القومية والصراعات حول تقسيم الأرض والماء، هو في نفس الوقت أساس لتشريع عدم المساواة ومنحها طابعاً رسمياً. بما أن نسب كل واحدة من "القوميات" غير متساوية، فإن حقوقها ومكانتها بموجب هذا الأساس الباطل ليست متساوية. وبموجب هذا المعيار فان الموطنين الناطقين بالعربية سيكونون مثلما كانوا عليه في عهد النظام البعثي أصحاب الحصة الكبرى وموطني الدرجة الأولى، فيما يكون المواطنين الناطقين بالكردية والتركمانية و...مواطنين من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة. كذلك فإن تعريف الدولة العراقية كدولة إسلامية، أو تسمية الإسلام كدين رسمي للدولة وحتى كدين رئيسي ومنحه امتيازاً على هذا الأساس، يعني جعل ذلك مثلما كان الأمر عليه في عهد البعث أساساً لفرضه على المجتمع وتنظيم الرجعية والتمييز والاضطهاد. فالإسلام لا ينسجم مع الحرية والمساواة والمعايير المدنية، وبنظرة بسيطة على جوهر أحكامه، وكذلك على تجربة مئات السنين من السلطة الإسلامية ونفس حكم البعث لخمسة وثلاثين عاماً الذي كان مستنداً على الأحكام الإسلامية، لن يبقى هناك أي شك حول صحة هذه الحقيقة. 

فالتصدي لاستمرار هذا التاريخ الحافل بالكوارث والظلم والاضطهاد والتمييز الذي حفر لعشرات السنين الماضية جرحاً في جسد جماهير هذا المجتمع، كذلك شفاء تلك الجراح وإنهاء هذا السيناريو المرير الراهن وخلق ظروف تؤمن فيها الحقوق السياسية والمدنية الأساسية للجماهير، مرهون بقيام دولة عصرية علمانية غير قومية وتشريع قوانين ودستور تقدمية إنسانية ومساواتية. دولة لا يكون لها أي أساس وتعريف ديني وقومي وتستند على الإرادة والتدخل المباشر لجموع الجماهير الواسعة وتجعل من الحرية والمساواة الحقوقية لكل المواطنين والمدنية أساس دستور وقوانين البلد. دولة تنظر بعين المساواة الى كل المواطنين بمعزل عن الديانة والقومية والجنس وعلى أساس المواطنة، تفصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم وتجعل منه شأناً خاصاً وطوعياً للأفراد، تعلن المساواة التامة بين المرأة والرجل، تؤمن الحرية السياسية غير المقيد وغير المشروطة بمعنى حرية النشاط السياسي والتحزب والتعبير والنقد والتظاهر، تمنع عقوبة الإعدام وكل شكل من أشكال التعذيب، وتعترف رسمياً بحق جماهير كردستان في القرار على الانفصال وتأسيس دولة مستقلة أو البقاء مع العراق...وتضمن كل الحقوق المدنية الأخرى للجماهير.

وكل دولة ودستور وقوانين تنتهك هذه الأسس الرئيسية وتتناقض معها، ستكون في عداء مع تطلعات وأماني جماهير العراق لعشرات السنين بالحرية والسعادة والتحرر من الظلم والتمييز والرجعية. ويشكل هذا إطار ومضمون البرنامج العملي الذي تمسك به الآن قوى "مجلس الحكم" والإدارة الأمريكية  لتحديد دولة ودستور وقوانين العراق. فهذه بجوهرها، بتشكيلة مجلسها، بممارساتها لما يقارب العام، بقراراتها القرقوشية...بتصريحاتها التي كانت تطليقها لحد الآن حول رؤيتها للدولة والدستور والقوانين التي تتطلع إليها، قد بينت أنها تضع أقدامها في نفس الماء الذي سكبه البعث.

إن جماهير العراق التحررية والمتمدنة، الجماهير العريضة للعمال والنساء والشبيبة، الجبهة العريضة لمؤيدي العلمانية والمدنية، تواجه الى جانب الحزب الشيوعي العمالي اليوم وظيفة تاريخية ومصيرية، وظيفة إحباط المساعي العابثة الرجعية لهذه القوى والجماعات، وشجب مخططاتها ومساومتها على مصير الجماهير، وتقصير أياديها وإحباط دورها وتأثيرها على حاضر ومستقبل هذه المجتمع، وفي خاتمة المطاف تأسيس دولة متمدنة وعلمانية غير قومية تؤمن الحرية والمساواة والسعادة لكل المواطنين. فالدولة والدستور والقوانين القومية والإسلامية والعشائرية، هي تقاليد البعث ويجب أن تذهب معه الى مزبلة التاريخ. والمجتمع العراقي بحاجة لدولة ودستور وقوانين غير قومية وعلمانية ومساواتية.

 

 

 

ريبوار أحمد

سكرتير اللجنة المركزية

للحزب الشيوعي العمالي العراقي

أواخر شباط 2004