المستجدات في اوضاع العراق، قضية الدستور، وسياستنا

ريبوارأحمد

لقد تحدثنا قبل شهرين في المؤتمر والاجتماع الدوري للجنة المركزية واجتماع المكتب السياسي، بالتفصيل وبشكل شامل عن أوضاع العراق السياسية واوضحنا مساراتها ومعادلاتها. ولم يحدث أي تغيير في هذا المسار منذ ذلك الوقت وحتى الآن عدا ما كنا قد توقعناه. لهذا فإنني وبالأخذ بنظر الاعتبار أبحاث المؤتمر والاجتماع الدوري للجنة المركزية، لا أقصد تكرار تلك الأبحاث. وكما ورد في العنوان ليس القصد تكرار تلك المسائل التي تحدثنا عنها سابقاً ولدينا وثائق وسياسة واضحة حولها. بل القصد هو لفت الانتباه الى تلك المسائل الجديدة التي جاءت من نفس المسار السابق. وكذلك اتخاذ السياسة والموقف والخطوات اللازمة التي تكون بمستواها.

 

كنا قد تحدثنا في المؤتمر حول أحداث و القضايا السياسية العراقية في ذلك الحين وتحدثنا عن الحكومة المؤقتة للطالباني-الجعفري، حيث قلنا أنها حلقة أخرى من تعميق السيناريو الأسود، قلنا أنها خطوة أخرى في تصعيد التناقضات والصراعات القومية والطائفية، قلنا أن تلك الحكومة موضوعة على بركان، وقلنا أنها ليست حكومة، بل مؤسسة جاءت نتيجة للحرب والاحتلال الأمريكي وتم جمع هذه القوى وتوليفها بقوة وجود القوات الأمريكية وكل لحظة هناك احتمال لانهيارها وسقوطها.

وبينت الأحداث فيما بعد بسرعة هذه الحقائق في ميدان الواقع. ففي أواسط ونهاية شهر أيار خيم الظل الأسود للتهديدات والمجازر والأخذ والرد الطائفي بين الجماعات الشيعية والسنية على حياة الناس، جرت مجازر جماعية في عدة أماكن، تصاعدت التفجيرات والأعمال الإرهابية، وحتى الآن تتحرك دلائل الحرب والصراع القومي مثل شبح على مدينة كركوك. فالجماهير عموماً تعرف حقيقة أن هذه الحرب قد بدأت بالفعل و هي بحاجة الى حادثة بسيطة لتحرق بنيرانها المجتمع بأسره وتخلق مأساة وكارثة إنسانية.

 

بتصوري أن هذا الجانب هو الآن القضية البالغة الخطر في الأوضاع السياسية العراقية، ربما ستخف حدتها لأي سبب كان لأسبوع أو عدة أسابيع، ولكن الاحتلال والإرهاب وهذه المعادلة التي فرضت على العراق وهذا التقسيم القومي والطائفي الذي تم إيجاده، تضع كلها هذا المجتمع باستمرار أمام هذا التهديد. فأية مسألة بسيطة تحدث بحيث تكون لها علاقة بحصة كل واحدة من تلك القوى داخل الحكومة، يتقوى هذا التهديد على المجتمع. لقد أصبح تقليداً أن أي طرف يكون غير راض عن شيء يلجأ مباشرة الى سلاح التهديد بهذه الحرب.

 

هذا هو سلاح بيد القوميين الأكراد لفرض الفدرالية، لفرض البند 58 من قانون إدارة العراق، ومن أجل حصتهم في الحكومة المركزية، حتى أنهم يقاومون بهذا قرار إخراج الشرطة الاكراد من كركوك. والجماعات السنية بنفس الشكل تساعد مباشرة من جانب الجماعات المرتبطة بابن لادن في أعمالها الإرهابية، وتريد من جانب آخر بضغوطها الحصول على امتيازاتها من الحكومة المؤقتة. وتصعد تهديداتها بالحرب الطائفية، من أجل حصتها في الحكومة، في الواردات، وحتى في لجنة صياغة الدستور. وكذلك تقوم الجماعات الشيعية بنفس الأمر، وترفض بهذا التهديد الفدرالية القومية للأكراد وتقول أنها ستخلق المآسي، وبقدر قبولها بالفدرالية الإدارية للأكراد فإنها بنفس التهديد تطالب بالفدرالية الإدارية في مدن الجنوب، تطالب بالاعتراف الرسمي بميليشياتها كجزء من الجيش العراق، وتشترط فرض وضع الإسلام كأساس للقوانين والدستور

كل هذه مرتبطة ببعضها البعض بخيط متهرئ، ويكفي يوم واحد لقطع هذا الخيط وتخلق المآسي. وهذا يضع على كاهل حزبنا مهمة كبرى وتاريخية لإنقاذ المجتمع من هذا الخطر. وقد قلنا أن سبيل حلنا وبديلنا لهذه الأوضاع الخاصة هو مؤتمر حرية العراق وتنظيم حركة شاملة وتفعيل إرادة الجماهير في الميدان لإخراج أمريكا وإلغاء كافة مؤسساتها وإعادة إرادة القرار على مصير العراق الى يد الجماهير نفسها. بتصوري أن شهرين وعدة أيام بعد المؤتمر الثالث حيث تمت المصادقة على هذا التوجه، ومسار الأحداث يؤكد أكثر على هذه السياسة.

في نفس الوقت نحن قلنا أن هذه الأحجار المتداعية لا تصبح حكومة وستحكم مجدداً نفس المليشيا السابقة كل واحدة منها في مناطق نفوذها باسم الحكومة. وقد برهنت الفترة الماضية صحة هذه الحقيقة بشكل عملي. فرئيس الحكومة يقوم بخطوات عملية للاتصال بالدول دون اطلاع رئيس الجمهورية، أو أنه يتخذ القرارات متجاوزاً رئيس الجمهورية، ومنطقة حكومة الإقليم غير مستعدة لرفع العلم العراقي، ولا تستطيع الحكومة القيام بأي شيء عملياً في أية منطقة خاضعة لمليشيا معينة. هذه الحكومة كانت على وشك الانهيار على قضية القَسَم القانوني. حكومة من هذا النوع حتى إذا ما حالفها الحظ وأنهت فترتها المؤقتة عرجاء مشلولة ولم تسقط، لن تتحول عملياً الى حكومة أبداً. وما سينتج عنها ليس سوى تعميق التناقضات والنزاعات والمناخ الرجعي والسيناريو الأسود.

الجانب الآخر في بحث الأوضاع السياسية في العراق وفيما يتعلق بالحكومة، هو حقيقة أننا قلنا أن هذه الحكومة لا تمثل أماني وتطلعات الجماهير وليس هذا فقط بل وأنها حتى تتناقض مع تلك الأماني والتطلعات وتقف ضدها. صحيح أن هذه الحكومة لم تقم بأي عمل يذكر حتى الآن كي يتضح هذا التناقض والعداء بشكل تام، ولكن نفس هذا المستوى الذي يبرز فيه دورها وممارستها والخطوات التي تقوم بها برهن صحة تصوراتنا ووجهات نظرنا هذه للجماهير. وسيكون هذا أساساً متيناً لتبديد توهم الجماهير وتنامي حركة جماهيرية لطي صفحة دور هذه الحكومة.

 

والآن تجاوز تناقض هذه الحكومة وعدائها حدود بيانه فقط في الميدان السياسي والحقوق الفردية والمدنية للجماهير، تجاوز اعتبار قومية وإسلامية وعشائرية هذه القوى هي دليل تناقضها مع أماني وتطلعات جموع الجماهير التحررية والمتمدنة في العراق، وتجاوز اعتبار ارتباط هذه القوى بالحرب والاحتلال والإرهاب هي الدليل على تناقضها مع مصالح الجماهير. هذا التناقض اكتسب معناه الآن عملياً على حساب الحياة المادية واليومية للجماهير، وتم جر المسألة الى الميدان الاقتصادي. وما ظهر عملياً حتى الآن في ظل هذه الحكومة، هو قطع ذلك المقدار من المواد الغذائية الفاسدة والسيئة التي كانت تؤمن اضطراراً قسماً رئيسياً من حياة الجماهير الغفيرة اليومية. وأدى هذا الى حالة من الغلاء الكبير خصوصاً فيما يتعلق بأسعار تلك المواد التي تشكل غذاءاً رئيسياً ويومياً للناس، ووصل الغلاء حد أنه تجاوز القدرة الشرائية للقسم العظم من الجماهير. هذه ليست مسالة بسيطة، فالقسم الأعظم من جماهير هذا المجتمع يعيش على هذه المواد لعشرات السنين، وحتى النظام البعثي في أعمق أزماته غير من نوعية وكمية تلك المواد نحو الأسوأ، ولكنه لم يستطع التخلي عنها. الآن يجري الحديث بشكل غير رسمي من قبل الحكومة المؤقتة عن قطع هذه المواد الى الأبد وتتخلص الحكومة من وطأتها، وإذا ما حدث هذا وتحقق ستصبح حياة الجماهير أكثر صعوبة ومشقة ومأساوية.

 

هذه الحكومة تفكر وتسعى بشدة لسلب مكتسبات الجماهير الاقتصادية التي تحققت في مسار عشرات السنين الماضية وفي قلب التغيرات والصراعات المختلفة. هذه الحكومة وبدلاً من التفكير في أيجاد فرص عمل لجيش العاطلين المليوني، تفكر الآن في كيفية إخراج هذا القسم القليل من الناس العاملين وطردهم، تفكر في رفع أسعار البنزين والمحروقات، ويبدو أنها تعتبر من الخسارة في بلد يعوم على بحر من النفط أن تكون أسعار المحروقات والبنزين بهذا المستوى بحيث تتمكن الجماهير من شرائها. هذه الحكومة تبث الشائعات بأنها سترفع أسعار المحروقات الى مستوى الأسعار في تلك البلدان التي تستورده من العراق. إنهم يقولون أن الحكومة تخسر على ما يبدو بسبب هذه الأسعار الرخيصة ثمانية مليارات دولار سنويا، بمعنى آخر أنهم إذ يضمنون كافة مصروفات وارداتهم ومؤسساتهم وحياتهم الباذخة ومليشياهم وأعمالهم الحزبية وأملاكهم التي تتجاوز الحصر والعد من واردات النفط وبقية وردات البلد الأخرى، يرون من الخسارة أن يكون قسماً من مصرف الناس اليومي من واردات النفط التي تقع في أيديهم دون يكون لهم فيها أي رأسمال يصرف.

 

هذه هي بعض النماذج التي تبين أية نوايا سيئة ومعادية للجماهير لدى هذه جماعات التي وقعت السلطة من السماء في أحضانها وأية حرمان من الحقوق ستفرضه على الجماهير إذا ما تحقق لها ذلك. الصحيح أن هذه القوى لو تحققت تلك الأوضاع التي تحلم بها، فإنها ستجعل حياة الجماهير أكثر مشقة وصعوبة وستجعل قدراتها النضالية وقدراتها على التصدي والمقاومة تتراجع وتتدنى، ولكن عاملاً مهماً هنا هو أن هذه الحكومة هي مازالت عاجزة وفاقدة للسلطة لدرجة أن لا تستطيع تطبيق هذه الخطوات المعادية للجماهير ببساطة. فالتناقضات المتأصلة بين أطرافها ستخلق لتلك الأطراف مشكلات بهذا الخصوص. لهذا يجب على النضال الجماهيري منذ البداية تبديد وإحباط هذه النوايا والمساعي، وتقع مهمة تنظيم وقيادة هذا النضال على كاهل حزبنا.

 

وهناك قضية مهمة أخرى في العراق اليوم وهي موضوع صياغة الدستور. والمسالة هي أوضح من الشمس حيث تشكل خطوة أخرى في اتجاه فرض بديلهم وسلطتهم الرجعية، يريدون فرض دستور قومي-إسلامي-عشائري رجعي على المجتمع. ولهذا يريدون تنظيم سيناريو بنفس الشكل الذي نظموا فيه سيناريو الانتخابات. وهذا يضع على عاتق حزبنا مهمة تحديد موقف سياسي وخطوات عملية فعالة لاحباطه.

 

في البداية يبرز السؤال التالي: هل علينا أن نعبأ الجماهير الى الميدان ضد بديل تلك القوى ومساعيها ونطرح بديلنا امام هذه العملية التي طرحها هذه القوى؟ هل أن علينا أن نحرض الجماهير كي ترفع مطالبها بهذا الخصوص الى امام هذه العملية؟

 

بتصوري أن هذه لا يمكنها أن تكون سياسة وتوجهاً صحيحاً، فمثل هكذا موقف يعني الانجراف نحو ميدان حددته تلك القوى وهو محسوم بالتأكيد لها وستخسر الجماهير فيه. هذه القوى حين تتحدث عن الدستور من منظارها فإنها تنظر اليه وكأن قضية السلطة محسومة وتم تقريرها في عملية ديمقراطية وانتهى الأمر، أو أنها تجري في مسارها. ولهذا لم يبق كلام عن ذلك والآن الموضوع هو موضوع الدستور. ويريدون هنا تنظيم سيناريو آخر أيضاً، يدعون أن كل شخص وطرف بإمكانه تقديم أطروحاته ومقترحاته، بشكل ديمقراطي وحتى أن من الممكن مناقشتها على الصعيد الاجتماعي ومن ثم سيقرر عليها مرجع القرار الذي يبدو أنه منتخب بشكل ديمقراطي ويمثل "الأقسام المختلفة من الجماهير وكافة الأقوام والطوائف والعشائر المكونة للمجتمع العراقي". ومن الواضح جداً ما ستكون عليه نتيجة هذه العملية.

 

ولهذا هناك بتصوري تعقيد في المسألة من الضروري أن ننظر إليه بدقة كي نصل الى موقف صحيح. حتى أن هذه المسالة ليست مثل الانتخابات، نحن قلنا حينها إذا كان مقرراً أن تجري انتخابات في العراق يجب أن تتوفر فيها شروط الانتخابات وحددنا تلك الشروط. وحين لم تؤخذ تلك الشروط بنظر الاعتبار وتحولت الانتخابات عملياً الى سيناريو انتزاع بصمات الجماهير تحت ضغط مختلف الخدع والضغوط، قمنا بمقاطعتها وقمنا بدعوة الجماهير الى عدم المشاركة فيها.

 

ولكن هذه المرة فإن نفس هذا الأسلوب في اتخاذ الموقف من قضية صياغة الدستور ليس أسلوباً صحيحاً، أي ليس من الصحيح أن نأتي ونطرح بديلنا أمام هذه العملية ومن ثم نقوم بشجبها إذا لم يتم الإصغاء لنا ولمطالب الجماهير ونقف ضدها. لأنه أولاً من الواضح في هذا المناخ الشاق والعسير أن هذه القوى بإمكانها جعل الجماهير تخضع وتقبل بنفس آليات الانتخابات دستوراً قومياً ودينياً وعشائرياً ومن ثم تدعي بعد ذلك أن الجماهير صوتت عليه وأقرّته، لأن المناخ وكذلك ميدان اللعب هي من حدّده.

 

الجانب الآخر هو أن نفس موضوع صياغة الدستور المطروح من قبل هذه القوى، تم طرحة من منطق أنه يمثل منتصف عملية حسم نظام الحكم في العراق، أي العملية التي بدأت بالانتخابات ومن ثم بالحكومة المؤقتة وستنتهي بصياغة الدستور ومن ثم تشكيل الحكومة العراقية المرتقبة. ولهذا فإنه بالنسبة للجماهير وبالنسبة لطرف لم يقبل المرحلة الأولى من هذه العملية ويعتبرها سيناريو خادع، ليس بإمكانه الالتحاق والاختلاط بها من المنتصف مهما كان بديله راديكالياً وتحررياً.

بمعنى آخر أن الموقف من قضية الدستور يدفعنا والجماهير التحررية الى بداية العملية، الى المرحلة التي تسبق ما انتهت تلك القوى منه والتي مازالت في محلها من قبلنا. الى ما قبل سيناريو الانتخابات. في ذلك الوقت وفي بداية العملية كان من الممكن وفي محلة أن يقولوا لنا ما هو طرحكم كي تبدأ هذه العملية وتتقدم بصالح الجماهير وبالاستناد الى إرادة الجماهير. ولكن ولأنها لم تبدأ ولم تتقدم بهذا الشكل لا يمكننا أن نتعامل بنفس المنطق مع مرحلة أخرى من هذه العملية. علينا العودة الى البداية مجدداً، الى ذلك الموضع الذي هو من وجهة نظرنا موضع تهميش دور الجماهير وأن نبدأ من هناك. نحن أيضاً علينا أن نحدد ميدان صراعنا والجماهير مع تلك القوى والأطراف. هذا الميدان هو ميدان الصراع على السلطة والحكومة ونظام الحكم، وليس صياغة الدستور، فصياغة الدستور هي منتصف العملية.

 

من هذا المنظار فإن القضية الأصلية حول صياغة الدستور ليست أي دستور وبأي مضمون سيتم القرار عليه، بل هي من وأي مرجع سيشرف على هذه العملية؟ أي مرجع سيقرر عليها؟ بأية آلية سيقرر عليها؟ وفي أية أجواء تتقدم؟إذا ما نسيت هذه المسائل حينذاك من البسيط جداً تنظيم مختلف السيناريوهات ومن أجل المصادقة على أكثر الدساتير رجعية باسم الجماهير. ولهذا وقبل طرح البديل، قبل الحديث عن المضمون، فإن هذا هو ميدان المواجهة. إن أي فريق لن يدخل لعبة لا يقبل حكمها منذ البداية ولا يعتبره عادلاً، وليس بإمكان جماهير العراق التحررية دخول عملية يكون المشرف عليها والمقرر فيها أمريكا والتابعين لها. إن أولئك الذين جاءوا كحصيلة ل "الانتخابات" ليست لهم أية مشروعية للقيام بهذا العمل. ولهذا لا يجب علينا والجماهير أن نطرح مقترحاتنا ومطالباتنا أمام تلك الأطراف، بل علينا أن ننظم أسلوبنا وحركتنا لتأمين أهدافنا.

الموقف الصحيح على هذا الأساس هو أن ندخل الجماهير الى الميدان لإحباط مؤامرت تلك الأطراف لفرض قوانينها و تقاليدها الرجعية على المجتمع تحت غطاء "لصياغة الدستور"، وبهذا الخصوص علينا من غير شك أن نضع أيدينا على جوهر وماهية طرح تلك الأطرف، آلياتها، مقاصدها ونواياهاعلينا تنظيم حملة، علينا أن نفتح أذهان الجماهير ونقوم بتوعيتها إزاء كل هذه المسائلعلينا الكتابة عن هذه المسالة، الحديث عنها، تنظيم التجمعات حولها، تحريض الجماهيرولكن الهدف من كل هذه الأعمال إحباط مخطط فرض دستور تلك القوى الرجعي وليس طرح بديلنا وبديل الجماهير ومقترحاتنا ومقترحات الجماهير أمام قرار تلك القوى والأطراف.

 

بهذا الخصوص فإن المسالة الأصلية بالنسبة لنا هي بتصوري وبالتزامن مع إزاحة الستار عن تلك النوايا والأغراض التي تكمن خلف مخطط "صياغة الدستور"، كذلك وبالتزامن مع النضال لإحباط هذه الخطة وهزيمتها، علينا أن نصعّد حركتنا، هذه الحركة حركة جماهيرية لإخراج أمريكا وتقصير يد الإسلام السياسي والحركة القومية، لإنهاء الاحتلال وإلغاء كافة المؤسسات والأجهزة النابعة عن هذا الاحتلال وإعادة إرادة القرار على نظام الحكم المقبل الى الجماهير. بمعنى آخر أن سياستنا الأصلية مقابل هذه القضية هي التأكيد من جديد على مؤتمر حرية العراق ومنشوره. هذا هو الميدان الواقعي للنضال والصراع ولا ينبغي علينا أن نسمح لموضوع "صياغة الدستور" أن يحوله الى شيء آخر.

 

غير أن جانباً آخر من الصراع على هذه المسالة، هو إبراز بيان الحقوق العالمية الشاملة للإنسان. وهذا مهم من جانبين الأول: كميدان لإبراز والتعريف بهذا البيان على صعيد المجتمع، والثاني: لتشديد الأجواء التحررية على قضية صياغة الدستور في كل مرحلة. علينا الاستفادة من هذه الفرصة كي يكون طابع هذا البيان واضحاً على دستور العراق في أي وقت تتم صياغته، وبهذا الخصوص يجب التأكيد على ضرورة عدم تناقض دستور وقوانين البلاد مع هذا البيان الذي حدد الحقوق البديهية والأساسية للإنسان بمعزل عن متى سيصاغ الدستور وبأية آلية سيكون. وأي قانون ودستور يتناقض مع هذا البيان، سيتناقض مع الحرية والإنسانية وحقوق الإنسان ومحكوم بالإلغاء.

 

باختصار فإن تهديد تعميق الإرهاب وتشديد الصراع القومي الطائفي، تشديد هجمة تلك القوى التي استلمت بالعقود والقنطرات خبز وماء ومعيشة الجماهير من قبل أمريكا على حياة الجماهير وسلب آخر الحقوق والمكاسب الأولية الاقتصادية، مخطط البطالة والواسعة، خطة فرض دستور رجعي قومي وديني هي القضايا الساخنة والجديدة على الساحة السياسية العراقية. وهذه تدفع بالمواجهة بين الجماهير والسلطات الى مرحلة أكثر ملموسة وتقوي أساس احتجاجات الجماهير أكثر، وتبدد أكثر التوهم بهذه القوى. على حزبنا الظهور والقيام بدوره كقائد لاحتجاجات الجماهير ضد هذه التهديدات والهجمات. التوجه السياسي المهم للمؤتمر من أجل تحويل الحزب الى حزب سياسي اجتماعي وجماهيري، كان ارتباط الحزب بالمطالب المهمة والعميقة للمجتمع، وتحول الحزب الى رمز النضال في سبيل تلك المطالب. ظهور الحزب في ميدان هذه التحديات على المعيشة اليومية للجماهير وإحباط مخطط فرض دستور قومي إسلامي على المجتمع، بإمكانه دفع الحزب دفعة كبرى في مسار توجه المؤتمر الثالث.

 

لقد بدأت الاحتجاجات الجماهيرية ضد هذه السياسة والخطوات، سخط الجماهير وغضبها في غليان، والمجاعة والغلاء تمسك بخناق الجماهير. وبتصوري أن المهمة الأكثر أهمية لهذا الاجتماع الدوري هي أن يهيئ الحزب لتنظيم وقيادة هذا النضال والاحتجاجات، وعلينا الشروع بهذه الواجب المهم باستعداد تام. بإمكان هذه المرحلة أن تكون بداية مرحلة جديدة ومهمة من احتجاجات الجماهير ضد الأوضاع القائمة التي وجدت في ظل الحرب والاحتلال والإرهاب وسلطة المليشيا القومية والدينية، وبإمكانها بنفس هذا المعنى أن تكون خطوة مهمة في عملية نضال سياسي وجماهيري، وفي حضور حركة شاملة الى الميدان لإنهاء الأوضاع المأساوية الحالية.