جريدة ميديا تحاور "ريبوار احمد"

يقولون عنا حزب صغير، اذن لماذا يتهربون من منحنا رخصة النشاط!

(العدد 257 الصادر الثلاثاء، 12 ايلول 2006)

 

ميديا: شهدت كردستان عموماً ومنطقة كرميان على وجه الخصوص في الأسبوعين الماضيين موجة من الاحتجاجات واعتقل الكثير من الأشخاص ومن بينهم عدد من أعضاءكم. بتصوركم ما هي أسباب هذه الاحتجاجات؟ وعلى ماذا تدل الاعتقالات والملاحقات؟ كذلك لماذا تشهد المناطق الخاضعة لسلطة الاتحاد الوطني الكردستاني حركة أكبر للحزب الشيوعي العمالي؟

 

ريبوار أحمد: أسباب هذه الاحتجاجات واضحة جداً. فقد وصل سخط وغضب الجماهير من سلطة هذه الأحزاب ومن السلب والنهب والفساد الإداري الشامل ذروته. لخمسة عشر عاماً تسرق هذه الأحزاب وتنهب واردات هذا المجتمع. تسوء الخدمات الأساسية للحياة اليومية يوماً بعد آخر. يزداد الغلاء الفاحش. يمسك الفقر المدقع يوماً بعد آخر بخناق جموع الجماهير المليونية، فيما تغرق أقلية قليلة جداً من المسئولين والقادة والتابعين للأحزاب الحاكمة في الثراء والغنى. وقد تيبن للجماهير بالتجربة العملية أن حياتها ومعيشتها وخدماتها وحقوقها تسوء باستمرار أكثر فأكثر في ظل هذه السلطة.

وقد سمعت الجماهير لمئات المرات الوعود من قبل جلال الطالباني ومسعود البارزاني وقادة هذه الأحزاب باجتثاث واستئصال الفساد الإداري وتوفير متطلبات الحياة اليومية الأساسية. ولمرات عديدة توهمت الجماهير بوعود هذه الأحزاب وحملاتها في الانتخابات. لمرات عديدة وجهت أسماعها للكتل داخل هذه الأحزاب حين إرادت ربط أهدافها وغاياتها بتطلعات وآمال الجماهير...ولخمسة عشر عاماً استمعت الجماهير للتبريرات والحجج المختلفة لهذه الأحزاب وفي خاتمة المطاف تبين أن تلك الحجج والذرائع للسلب والنهب لا تنتهي وعلى الجماهير أن تقوم بعمل ما.

انعدام الماء والكهرباء والمحروقات في ظل حرارة الصيف اللاهبة أصبح سبباً لتفجر غضب الناس المكبوت على صعيد واسع في هذه الأسابيع القليلة. هذه الاحتجاجات كانت عريضة وصلبة لدرجة أن كرست الأحزاب الحاكمة ونفس الطالباني والبارزاني كل طاقاتهم للتصدي لها ولكنهم فشلوا. وكشفت هذه الاحتجاجات بوضوح عن الهوة الفاصلة بين الجماهير والسلطة. وقد قلت أنا في مقالة لي "إن هذا هو انتخاب حقيقي" وقد كان هذا الانتخاب بدون غش وتزوير. فقد دخلت الجماهير الميدان على صعيد واسع جداً وقالت بصوت عالٍ أنها لا تريد هذه الأوضاع ولا تريد هذه السلطة. وبهذا الشكل عبرت عن حقيقة أن كل تلك السيناريوهات الانتخابية التي جرت في كردستان مجرد مهازل وتزوير. إن سلطة تطلق النار خلال شهر واحد على سكان أغلب المدن الخاضعة لسيطرتها لا تبقي منذ البدء أية شرعية لنفسها. وهذا هو الدليل الواضح على أن هذه السلطة سلطة مفروضة بالقوة.

وفي المقابل، فإن الأسلوب الذي اتخذته السلطة لمواجهة هذه الاحتجاجات في حشد قوة كبيرة جداً من الأمن والبيشمركة لقمع الجماهير، في إطلاق النار على المتظاهرين، في حملات التعقيب والاعتقالات والسجن، في تعذيب السجناء، وفي المساعي الفاشلة لجعل السجناء يقدموا البراءات وكتابة التعهدات الخطية...جميعها أدلة أخرى لإثبات الكلام الذي قلناه فيما تقدم. دليل على أن هذه السلطة تريد الاستمرار بالفساد الإداري والسلب والنهب واللصوصية، وانها ليست على استعداد لأن تصغي لمطالب الجماهير، ليست على استعداد لأن تعالج مشاكل الحياة اليومية للناس، وكل شخص يعبر عن الاحتجاج ويرفع مطلباً تقمعه بسلاح القوات الأمنية والبيشمركة وبالسجن والتعذيب. إن السلطة تعرف أن الخداع ما عاد يفيدها،  فتلجأ للقمع. ولكن منذ ذلك الوقت الذي ظهر فيه القمع في هذا المستوى تجاه الجماهير، انتهى عهد توافق الجماهير والسلطة، وتصبح المرحلة مرحلة كيف تحسم الجماهير أمرها مع هذه السلطة.

وفيما يتعلق بالسؤال لماذا نشاطنا أكبر في المناطق الواقعة تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، يمكننا السؤال لماذا هناك بعض المناطق لسلطة ونفوذ الحزب الديمقراطي وبعض المناطق الأخرى لسلطة ونفوذ الاتحاد الوطني؟ وكل حزب آخر على الساحة السياسية العراقية لديه نفوذ ونشاط أكبر في بعض المناطق وليس له مثل ذلك النشاط والنفوذ في بعض المناطق الأخرى. ولهذا الأمر جملة من الأسباب السياسية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتأثيرات الموجودة في المناطق المختلفة. وبالنسبة لليسار والشيوعية في كردستان فإن الأمر على هذا الشكل. فبسبب مجموعة من تلك الأسباب أصبح لليسار والشيوعية منذ 30 الى 35 عاماً قبل الآن نفوذ ونشاط أكبر في مناطق السليمانية وكركوك والمناطق المحيطة، خصوصاً أن تأثير الحركة الشيوعية الإيرانية على هذه المنطقة كان أكبر. قوة الشيوعية في هذه المناطق أصبحت سبباً في أن يكون لها دوراً ونشاطاً أكبر. ولكن هذا لا يشكل بالنسبة لنا بأي شكل من الأشكال قالباً نؤطر ونحد فيه من نشاطنا. فنحن نسعى لتصعيد نشاطنا والارتقاء به في كل منطقة. وخلال هذه الفترة كان لحزبنا دوراً واضحاً في احتجاجات مدينة أربيل وخصوصاً احتجاجات طلبة الجامعة.

 

ميديا: أعلن الحزب الشيوعي العمالي خلال هذه الفترة أنه سيرفع دعوى قضائية ضد الاتحاد الإسلامي وملا بشير ونفذتم هذا عملياً. لماذا قمتم بهذه الخطوة الآن بعد كل هذه السنوات، أو الى أي حد أنتم متأكدون من كسبكم لهذه القضية في المحاكم؟

 

ريبوار أحمد: نحن منذ بداية حادثة إغتيال رفاقنا شابور عبد القادر وقابيل عادل أعلنا أن هذا العمل الإرهابي حدث في خضم صراعنا مع الإرهاب الإسلامي، وخصوصاً أن دور الاتحاد الإسلامي وأحد مطلقي الفتاوى من قبيل ملا بشير كان واضحاً جداً في هذا الحادث. فقبل أيام قليلة من اغتيال رفاقنا، أعلن ذلك الملا، كأحد الناطقين باسم الإسلاميين، فتوى ضد الشيوعيين وأعلنت تلك الفتوى من خلال القناة التلفزيونية الخاصة بالاتحاد الإسلامي. ومن غير شك أن ذلك كان قطرة من بحر الدعاية الإرهابية التي قام بها الاتحاد الإسلامي خلال هذه السنوات.

وقد سعينا في حينه، ولكن بسبب غض النظر عن الارهاب الإسلامي من قبل الأحزاب القومية الحاكمة سواء لإرضاء الجمهورية الإسلامية في إيران وكذلك للإبقاء على التوازن السياسي ضمن إطار الحرب الداخلية بين هذه الأحزاب، لم يبقي فرصة للقيام بهذا العمل خصوصاً عن طريق المحاكم. في ذلك الوقت كانت السلطة تساند عملياً الإسلاميين، وبعد أيام قليلة من ذلك الحادث تم توجيه المديح الى ملا بشير في أحد اجتماعات الحكومة مع الملالي وأغلقت مقرات اتحاد العاطلين عن العمل ومنظمة النساء المستقلة من قبل السلطات.

والآن تغيرت الأوضاع، فقد ازدادت مخاطر الإرهاب على المجتمع وعلى الأحزاب الحاكمة نفسها، وفي نفس الوقت فإن السلطات، ومن خلال مسئوليها، هي بصدد تقديم أدلة أكثر تؤكد صحة أقوالنا. وبالطبع أن غرضنا والمسألة التي تعنينا ليس فقط إنزال العقوبة بهذه الجماعة الإرهابية التي وقفت خلف اغتيال وقتل رفاقنا، بل إننا نشعر بالخطر الإرهابي الكبير الذي يهدد المجتمع. نحن نريد جعل هذا الأمر خطوة للوقوف ضد الخطر الكبير للإرهاب على المجتمع. وفيما يتعلق بسؤالكم هل سنكسب القضية؟ فإنني أقول بجملة واحد لو كانت هناك محكمة عادلة وتحقق في الأدلة الواقعية، سنكسب من غير شك.

 

ميديا: يقول الاتحاد الإسلامي أن هناك يداً خلف مساعي الحزب الشيوعي العمالي هذه، ما هو رأيكم بهذا الخصوص؟

 

ريبوار أحمد: لو كان الأمر كذلك فليس هناك من يضع يده على أفواهم. لماذا لا يعلنون من هذه اليد. نعم يد الحقيقة تقف خلف هذه المسألة. ولكن تحول هذا الى اسطوانة مشروخة لتشويه الحقائق من قبل كل طرف وقوة رجعية. فالاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني يقولون أن "يداً" تقف خلف الهبات والاحتجاجات الجماهيرية. ويبدو  أن الاتحاد الإسلامي أيضاً لا يملك أكثر من تكرار هذه الاسطوانة المشروخة.

 

ميديا: خلال الفترة الماضية أعلنت أربعة أطراف سياسية (جبهة التغيير الديمقراطي) كمعارضة، كيف تنظرون الى هذا الجبهة؟ وهل تمت دعوتكم الى هذه الجبهة؟

 

ريبوار أحمد: هذه الجبهة بتصوري هي جبهة الحركة القومية الكردية المهمشة. وهي لم تتخذ موقف المعارضة تجاه الأحزاب القومية من منظار الجماهير وتلك الاحتجاجات الجماهيرية العريضة الحالية، بل إن لها جملة من الاحتجاجات والانتقادات الهامشية للسلطة، وهي غير راضية عن الدور والحصة الممنوحة لها. إنها جزء من الحركة القومية الكردية التي قدمت امتحانها في كردستان ولم تحقق تطابقاً مع مطالب وإرادة الجماهير. بالطبع هذه الجبهة لم تعلن حتى الآن برنامجاً عملياً، ولكن بموجب الخط السياسي للأطراف المكونة لها فإن من الواضح أنها لا تمثل بديلاً لا أفضل ولا أكثر طليعية ولا مختلفاً عن بديل الحركة القومية الكردية وسلطتها الحالية. إن هذه الجبهة ليست الإجابة على مشاكل ومعضلات المجتمع الكردستاني، وليست لها علاقة بمستقبل أفضل، بل إنها جزء من بديل تجاوزه الزمان والمجتمع الآن بصدد تجاوزه. ومن الواضح أن حزبنا كحزب ماركسي راديكالي يمثل حركة وأفق وبديل وبرنامج تغيير جذري في المجتمع، ليس له أي توافق سياسي مع هذه الجبهة. ولهذا لم ولن يكون لدعوتنا الى جبهة من هذا الطراز أية موضوعية.

 

ميديا: لماذا ليست لديكم حتى الآن إجازة من حكومة وبرلمان كردستان كطرف سياسي؟ هل الأمر أنكم تطالبوا بإجازتكم، أم أنهم لا يمنحونها لكم؟

 

ريبوار أحمد: في الحقيقة هذا السؤال من الأنسب أن يوجه الى السلطات. الصحف كثيراً ما تسألنا هذا السؤال ونحن نقدم إجابتنا الواضحة. نحن نقول أننا طلبنا الإجازة، ولكن السلطات لا تجيب على طلبنا فاذهبوا إليها هي واسألوها. نحن ومنذ بداية تأسيس الحزب وبالرغم من كل الانتقادات التي لدينا لقانون الأحزاب، أردنا ان نفتح ميدان النضال القانوني وقدمنا طلبنا بموجب الشروط. ولم تتم الاجابة على طلبنا رسمياً، ولكن قالوا لنا، بموجب ذلك القانون، أن أي طلب للإجازة تمر عليه فترة 40 يوم من دون الإجابة عليه يعني أن الطلب مقبول.

ثم أنهم، ومن دون منحنا الإجازة، كان يتعاملون معنا كحزب قانوني، خصوصاً الاتحاد الوطني الكردستاني كان يتعامل معنا بهذا الشكل حتى أننا كنا نستلم لمدة ما يقارب العامين ميزانية من خمسين ألف دينار من حكومة الاتحاد الوطني الكردستاني بموجب قانون الأحزاب الذي اقروه وصادقوا عليه، حيث قررنا بموجب سياستنا أن لا نصرف تلك الميزانية لشؤون حزبنا وصرفناها على المشاريع الاجتماعية والخدمية وأعمال إغاثة الناس. وبعد هجوم الاتحاد الوطني الكردستاني على مقراتنا في 14 تموز عام 2000 أعلنوا بشكل بعيد عن كل نوع من التقاليد والقوانين المدنية وبعيداً عن الديمقراطية التي يتحدثون عنها وبالضبط بنفس المنطق المليشياتي الذي عبر عنه ملا بختيار بصراحة في مقابلة مع إذاعة كردية في السويد، اعلنوا أن نشاط الحزب محظور.

ولمرة أخرى، حين أردنا عقد المؤتمر الثاني للحزب في كانون الأول 2002 بشكل علني في السليمانية ووقف الاتحاد الوطني بوجه ذلك، تقدمنا مرة أخرى بطلب الإجازة ووضعنا كل الشروط أمام سلطات الاتحاد الوطني الكردستاني ووعدوا بالإجابة بأسرع وقت على الطلب ولكن هذا الطلب لم يكن له أي جواب رسمي أيضاً. وقبل عدة أشهر، وبعد العملية التي سميت توحيد الإدارتين، وبعد أن كرر مسعود البارزاني ونيجيرفان البارزاني في خطاباتهم بمناسبة تسلم مناصبهم أنهم يضمنون الحرية السياسية لكل حزب وطرف ومعتقد ويرفعون الضغط والرقابة على الحرية السياسية، تقدمنا مجدداً بطلب الإجازة ولحد الآن لم نحصل على أي جواب.

أنتم كصحفيين اسألوا السلطات لماذا يتم منح إجازة وتخصص ميزانية لكل حزب ومجموعة رجعية وإرهابية وعميلة ولا يتم منح إجازة للحزب الشيوعي العمالي. نحن حزب لدينا تنظيم من استراليا الى كندا وأمريكا والى كل أوروبا، من البصرة الى بغداد وكركوك والسليمانية وأربيل و..و..إنهم يقولون عنا حزب صغير...! ولكن ما هو السر في الأخذ والرد في موضوع طلب إجازة هذا الحزب "الصغير" وحتى لا يتم تقديم الرفض لطلبه؟!!!

 

ميديا: يتم باستمرار توجيه النقد لكم من قبل الأحزاب والأجنحة القومية على سياستكم تجاه قضية كركوك، سؤالنا هو لماذا تدافعون عن العرب الذين تم جلبهم الى المدينة؟

 

ريبوار أحمد: سياستنا تجاه قضية كركوك هي في الأساس سياسة لمعالجة هذه القضية بشكل إنساني وبعيداً عن الحرب والقتل والمآسي لسكانها. سياستنا هي السياسة الوحيدة التي تنظر الى هذه المشكلة ومعالجتها من منظار الجماهير وسكان هذه المدينة. ففي منطق وقاموس الحركة القومية الكردية ليس هناك من مكان للجماهير وسعادة وخير ومصالح الجماهير، وهذه حقيقة تم إثباتها بتجربة خمسة عشر عاماً في كردستان. فأغراض وأهداف الحركة القومية الكردية هي سلطتها. وتلك الأحزاب القومية التي أشرتم لها كل ما تقصده هو أنها تريد فرض نفس تلك السلطة الفاسدة التي دخلت جماهير كردستان الميدان ضدها على كركوك أيضاً. ويسمون هذا دواء داء جماهير وقضية "قلب وقدس كردستان". ولهذا الغرض، هم يتخذون باستمرار، بالعكس منا، سياسة إشعال فتيل الحرب القومية ويريدون من خلال هذه الحرب الرجعية وخلق مأساة إنسانية كبيرة أن يجعلوا هذه المدينة أيضاً ميداناً آخر للسلب والنهب الذي تقوم به سلطتهم.

السياسة التي اتخذناها نحن يمكنني القول أنها في البداية في صالح الناطقين بالكردية ولكن الحركة القومية الكردية ولتحريك مشاعر الناس تعرفها كدفاع عن العرب الذين تم جلبهم الى المدينة. ولكي نفهم الجوهر الإنساني وحقانية هذه السياسة، من الضروري أن ننظر الى أوضاع الناس في هذه المدينة ومشاكلهم من الجانب الآخر للدعاية الخادعة بصدد "قدس وقلب كردستان"، لكي نرى أي جحيم تم خلقه لجماهير هذه المدينة وكيف أن أهاليها هم على وشك إخلائها بسبب غياب الأمن والمآسي والذين يتهمون الطالباني بخيانتهم.

بالنسبة لحزب تشكل الإنسانية والجماهير أساساً  له يمكن ببساطة رؤية أن قضية كركوك الآن هي مثل قنبلة موقوتة، وأي وقت انفجرت سيكون ضحاياها آلاف النساء والرجال والشيوخ والأطفال. ومتى ما انفجرت، لن يبقى أي أمان واستقرار للجماهير ليلاً ونهاراً في أية زاوية من زواياها. وستبدأ مجازر وحرب التصفيات القومية. وهذه هي مأساة بالضبط مثلما تهدد الناطقين بالعربية والتركية تهدد الناطقين بالكردية. السؤال هو ما هي السياسة والحل الذي يجب اتخاذه لقطع الطريق على مثل هذه المآسي، لكي لا تتحول كل هذه الجماهير الى ضحايا وقرابين؟ سوف لن يكون نصيب الناطقين بالكردية قليلاً من هذه المجازر والمأساة، ولهذا لو كان هناك طرف ينظر حقيقة الى المسألة فقط من منظار المصالح الواقعية للناطقين بالكردية من أهالي كركوك، عليه اقتراح سبيل يقطع الطريق على هذه الحرب والمجازر. وتلك الأحزاب التي لا يهمها هذا الأمر ولا يشكل مسالة بالنسبة لها وسياستها بالضد من هذا، هي مجرمة ومعادية للإنسانية وهي في الواقع معادية "للأكراد" ومسئولة عن دماء الناس الذي سيتحولون الى ضحايا ضمن إطار الصراع والحرب القومية.

لو اشتعل فتيل هذه الحرب، لن تستفيد الجماهير كجماهير لا الناطقين بالكردية ولا الناطقين بالعربية ولا الناطقين بالتركية منها، وستتضرر جميعها وتتحول الى ضحايا لها. وتتحول دماء تلك الجماهير الى كرسي لسلطة تلك الجماعات القومية والإسلامية الكردية والتركية والعربية التي لها سياسة تتناقض بشدة مع مصالح الجماهير. الضجيج والتشدق باسم النزعة القومية الكردية والعروبة والطورانية هي فقط لخداع الجماهير وتقديمها للقتل، فتلك الأحزاب والقوى جميعها لا يهمها إطلاق النار على الناطقين بنفس لغتها وقتلهم على طلب بضعة لترات من البنزين والماء وعدة ساعات من الكهرباء. ونماذجها هي ما تتم تجربته الآن في كردستان وفي مدن العراق. هذه الحرب هي حرب القوى القومية والإسلامية على توزيع الواردات والسلطة، ولكنها تريد القيام بها باسم الجماهير وجعل الجماهير حطباً لها.

إن الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وكما كانا على الدوام، وفي الوقت الذي تسعى الجماهير لإخراجهما من كردستان، جعلا من أنفسهما الحريصين على أكراد كركوك ويريدان جعل هذه الجماهير الجيش الذي يتقدم حربهما، ومن الجانب الآخر جعل مجموعة من رؤساء العشائر والجماعات القومية العربية أنفسهم حريصين على الناطقين بالعربية ويريدون تسليح تلك الجماهير في حربهم من اجل السلطة، ومن الجانب الثالث تريد الجماعات الإسلامية الشيعية الاستفادة من المتشيعين من الناطقين بالتركية والعربية في كركوك وتسليحهم في حربها. وللنظر للحظة قصيرة من منظار إنساني لهذا السيناريو تتبين أية خطة معادية للإنسانية تجري ضد جماهير هذه المدينة وكيف أن هذه القوى تجعل في لعبها الشطرنج من أهالي هذه المدينة جنوداً تقتل بهم بعضهم البعض. إن هذه هي لعبة حقيرة بحياة ومصير الجماهير.

وسبيل الحل هو أن يرفض سكان هذه المدينة هذه الهويات المتخلفة القومية والدينية وأن يتوحدوا على أساس هويتهم الإنسانية المشتركة لبناء حياة حرة ومستقرة وبعيدة عن الحرب والقتل. هذا هو أساس سياستنا، وطرحنا على هذا الأساس سبيل حلنا لهذه المشكلة وجوانبها المختلفة، وقد وضحت سابقاً لصحيفة (ميديا) جوهر سبيل الحل هذا ولن آخذ من وقتكم في تكراره. إنني أقول أن هذه السياسة والحل هي في البداية في صالح الناطقين بالكردية والحل الوحيد الذي هو في صالح هذه الجماهير حقيقة وواقعاً. اذهبوا واقرءوه ودققوا فيه، والذين يقولون لكم أن الأمر ليس على هذا النحو إنما يريدون خداع الجماهير وجعل الجماهير سلماً للصعود الى كرسي السلطة المفروضة بالقوة على هذه الجماهير نفسها. ولهذا ليس على الجماهير الانخداع بهذا التشدق والسخافات الفارغة.

 

ميديا: مقابل مبادرة الحزب الشيوعي العمالي لتطبيع العلاقات مع الاتحاد الوطني الكردستاني، هل أجاب الاتحاد الوطني عليكم أو كيف استقبلوا تلك المبادرة؟ وقد تم تقييم مبادرتكم تلك من قبل حميد تقوائي من الحزب الشيوعي العمالي الإيراني على أنها خسارة وفشل وانتقدكم بشدة، ما هو رأيكم بهذا الخصوص؟

 

ريبورا أحمد: مبادرتنا كانت سياسة وموقف موجه للمجتمع وفيما يتعلق بالمجتمع، وليست حول العلاقة الخاصة بيننا وبين الاتحاد الوطني. لقد بين الاتحاد الوطني خلال السنوات العدة هذه عملياً أنه لا يهدف لتغيير المناخ والأجواء التي خلقها بهجومه على مقراتنا وقتل رفاقنا. بعد مبادرتنا، لم يعلن الاتحاد الوطني عن نوايا إيجابية، وليس هذا فقط، بل ويبدو أن أنه سخط على مبادرتنا لإنهاء تلك التشنجات وأهملها. لقد خلقوا هم ذلك المناخ وتلك الأجواء ويريدونها أن تستمر بهذا الشكل. وبهذا بينوا أنهم، وبعكس ما كانوا يقولونه سابقاً مقابل الانتقادات الموجه لهم من قبل الجماهير حيث كانوا يقولون أن الحزب الشيوعي العمالي لا يريد حل المشكلة، هم من لا يريد حل المشكلة، وليس هذا فقط، بل وإنهم غضبوا وانزعجوا من المبادرة. حتى أنهم يتهربون من الاجابة على أسئلة وسائل الإعلام التي توجه لهم بهذا الخصوص. مبادرتنا تلك كشفت النقاب مرة أخرى عن سياسة الاتحاد الوطني الكردستاني.

في الحقيقة، كما ورد في بلاغي الى الرأي العام، نحن أردنا، بوضع هذا التشنج جانباً، أن نفسح المجال لتدخل أكثر فاعلية في صياغة مصير المجتمع والاحتجاجات الجماهيرية، خصوصاً وأن الإسلام السياسي كان يحاول محاولاته العقيمة لامتطاء موجة الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للفساد الإداري. ومن حسن الحظ تبينت صحة سياستنا في صالح الجماهير والحركة الجماهيرية. خصوصاً في الهبّات الجماهيرية الأخيرة، بقي الإسلام السياسي عديم الدور والتدخل تماماً وعبر حزبنا عن نفسه أمام كل المجتمع كرمز وقائد والمنظم الرئيسي لاحتجاجات الجماهير في سبيل مطالبها العادلة. وهذا أفضل محك لصحة تلك السياسة.

وفيما يتعلق بما قاله حميد تقوائي بهذا الخصوص، لا ينبغي في الحقيقة أخذ كلامه على محمل الجد، إنه لا يفهم ولا يعرف آليات الصراع السياسي والاجتماعي. وبين ذلك عملياً في الكثير من المرات. ولهذا هو ليس بمستوى الحكم بهذه الخصوص. إنه يلوح بسيف في الهواء ويقول أن راية الشيوعية العمالية في كردستان هي بيدي. ولكنه في ميدان المجتمع وصراع الجماهير والسلطة لا يملك مكانة، كما أنه ليس هناك من أهمية لما يقوله. هاهي كردستان قد انتفضت وهو ليس له أي وجود.

على أية حال بوسع كل شخص أن يرى أن سياسة حزبنا هذه لم تكن خسارة وتراجعاً وتسليماً بل كانت عملياً اندفاعة لحضور الميدان واتخاذ دور سياسي وعملي طليعي في الميدان الاجتماعي وفي النضال الجماهيري. بالنسبة لليسار التقليدي إذا كان يتحدث على هامش المجتمع بكلام راديكالي ظاهريا ولن يكون له تدخل ودور في الصراع السياسي والاجتماعي، وحتى لو لم يغير في عالم الواقع مكان حتى ولو تحريك حجر واحد، فإن الأمر هو مصدر للانتشاء والظفر، ولكن بالنسبة للشيوعية العمالية والحكمتية فإن المعيار هو اتخاذ دور عملي في تغيير المجتمع بسياسة وبرنامج راديكالي وشيوعي.

 

ميديا: كيف هي علاقتكم مع الحزب الديمقراطي الكردستاني؟

 

ريبوار أحمد: كلما اقتضت الضرورة فيما يتعلق بمسالة محددة كانت هناك بيننا لقاءات واجتماعات، وكنا نتفق في بعض الأحيان ولا نتفق في أحيان أخرى. ولكن هذا لم يتحول أبداً الى علاقة راسخة ومعرَّفة. نحن في علاقاتنا مع جميع الأطراف يشكل الدفاع عن مصالح الجماهير والحرية معياراً بالنسبة لنا. والحزب الديمقراطي الآن حزب حاكم في كردستان والجماهير تناضل ضد هذه السلطة لتحقيق مطالبها وحقوقها وأهدافها، ومن غير شك ان حزبنا يقف في خندق هذا النضال. كذلك يضع حزبنا أفقاً مختلفاً عن أفق الحركة القومية الكردية أمام المجتمع ويناضل لانتشال مستقبل كردستان من خيوط الأفق القومي وصياغته بأفق الحرية والعلمانية والرفاه. وبهذا نحن في صراع مع الأحزاب الحاكمة على حاضر ومستقبل كردستان.

ولكن هذا لا يمنع أن تكون لنا علاقات مع الأطراف السياسية، ومن ضمنها الحزب الديمقراطي الكردستاني، على أساس تلك المعايير التي تحدثت عنها فيما تقدم وبالأخذ بنظر الاعتبار مصالح الجماهير. على الرغم من أن السلطة والحزب في كردستان مختلطان ببعضهما البعض تماماً، ولكننا بوسعنا تنظيم علاقاتنا مع السلطة ومع الأحزاب السياسية الحاكمة كل واحد بمعزل عن الآخر. هذه هي رؤيتنا وتصورنا وهذا مرهون في النهاية بسياسة وتعامل تلك الأحزاب. نحن الآن لدينا ملفين كبيرين وضعناهما أمام سلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الأول إجازة الحزب والثانية الدعوى القضائية التي رفعناها على الاتحاد الإسلامي. تعامل الحزب الديمقراطي الكردستاني مع هذه المسائل سيكون له تأثير على العلاقات بيننا.