حول أهم
القضايا الراهنة في العراق
حوار خسرو
سايه مع ريبوار أحمد ليدر
الحزب
حكومة
الطالباني والجعفري، الإرهاب
والمشاكل الحالية بين الحزب
الديمقراطي والاتحاد الوطني
الكردستاني، زيارة رايس
للعراق والدستور القادم
إعلان حكومة
الطالباني-الجعفري، يحمل
تناقضاً وتضاداً كبيراً، ولا
تشكل فقط موضع شك وتردد من
منظار الأوضاع الاجتماعية
معيشة الجماهير، بل من منظار
مصالح الأطراف المؤلفة وكافة
أقسام الطبقة البرجوازية في
العراق، فالتأخر في تشكيل هذه
الحكومة والعجز عن ملئ
المناصب الوزارية وصولاً الى
الاستقالة وإعادة القسم من
قبل الوزراء ورئيس الوزراء…تبين
على الأقل أن الحكومة المؤقتة
العراقية الحالية هي حكومة
ضعيفة وغير راسخة..من أين
تنبع هذه القضايا؟ ما هي
التناقضات الحتمية التي
تواجهها هذه الحكومة؟ هل
بإمكانها بهذه الحال الإجابة
على معضلة الأمن وإعادة الأمن
والاستقرار في العراق؟
وبالتزامن مع تشكيل هذه
الحكومة اجتاحت موجة من
الإرهاب حياة المدن العراقية
ووصلت بعضها الى كردستان، في
حين أن الأوضاع تبدو أكثر
استقراراً في مدن كردستان..ما
هي أسباب هذه الموجة من
الإرهاب برأيكم؟ هل بإمكان
مشاركة "الجماعات السنية"
ومنحها مناصب في حكومة
الطالباني والجعفري دفع
الأوضاع نحو الاستقرار؟ هل
يوجه الحدث الإرهابي الأخير
في مدينة أربيل رسالة الى
سلطات كردستان؟ في قلب هذه
الأوضاع جاءت زيارة وزيرة
الخارجية الأمريكية كوندليزا
رايس الى العراق واللقاء
بمسعود البارزاني والجعفري
وموظفي الحكومة العراقية
الحديثة التشكيل وتوجيهاتها
باتجاه تهدئة التناقضات
الداخلية في حكومة الجعفري
وقضية وضع الدستور العراقي
ومنح امتيازات للجماعات
"السنية" للمشاركة في الحكومة
ووضع دستور البلاد. كم بإمكان
هذه أن تربط القوى ببعضها
البعض وتضمن الأغراض والنوايا
الأمريكية؟ من جهة أخرى ظهور
التناقضات بين الاتحاد الوطني
والحزب الديمقراطي الكردستاني
وعدم الاتفاق على تقسيم
السلطة فيما بينهما أوجد
قلقاً بين صفوف الجماهير وزاد
أيضاً عاملاً آخر لعدم ثبات
الحكومة المؤقتة الحالية
العراقية وتصدعها ووضع مجمل
المعادلات السياسية العراقية
الحالية في مواجهة
الانهيار..على ماذا كانت
الاختلافات بين الاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي؟
والى أي حد لها علاقة بأوضاع
السلطة على الصعيد العام؟ ما
الذي على جماهير كردستان
القيام به كي لا تسمح بأن
تصاب ببلاء آخر؟ هذه والعديد
من الأسئلة الأخرى نحاول الرد
عليها في هذه المقابلة مع
الرفيق ريبوار أحمد ونوضح
تحليل ومواقف الحزب الشيوعي
العمالي العراقي بصددها..
إذا ما أردتم
المشاركة معنا في هذه
المواضيع، وإيصال أسئلتكم
وآراءكم الى ليدر الحزب، أو
يسركم أن تعرفوا رأي الحزب
الشيوعي العمالي العراقي حول
أية قضية تستطيعون الاتصال
بنا من خلال هذه القنوات
التالية:
k.saya@ukonline.co.uk
00447796257020
خسرو سايه:
رفيق ريبوار في البداية
اسمحوا لي أن أبدأ أسئلتي من
نفس الحكومة المؤقتة الحالية
للطالباني والجعفري، خصوصاً
وأن المؤتمر الثالث أقر بهذا
الصدد وثيقة تم نشرها
في الفترات الأخيرة في قنوات
الحزب الإعلامية. سؤالي هو ما
هو موقف الحزب من هذه الحكومة
وما هي أسسها بتصوره؟
ريبوار أحمد:
هذه الحكومة هي حصيلة الحرب
الأمريكية واحتلال العراق.
وبعكس كافة الدعايات التي
تروج لها أمريكا والقوى
التابعة لها، ليس
لإرادة
الجماهير
اي
دور في تأسيسها ولا
ترتبط
بنضال تلك القوى لعشرات
السنين
كما يسمونها
ولا
علاقة لها باي
أساس ديمقراطي. بل إنها تأسست
مباشرة على أساس تحطيم وتهميش
إرادة الجماهير. في البداية
فرض مثلث أمريكا والحركة
القومية والإسلام نفسه على
المجتمع بالحرب والغطرسة وخلق
سيناريو أسود، ثم نظموا
سيناريو اخذ تواقيع الجماهير
تحت تسمية الانتخابات، في قلب
أجواء انعدام الأمن والإرهاب
والعسكرتارية. ولهذا الغرض
هددت بقطع الرزق والبطالة
وحتى أنها استخدمت أبشع أشكال
التهديد ضد الجماهير، والأكثر
من ذلك أن الملالي والمراجع
الإسلامية اعتبرت التصويت
واجباً دينياً وهددوا بنار
جنهم أولئك الأشخاص الذين لا
يشاركون في هذه المهزلة، وقال
القوميون الأكراد علناً للناس
ليس لديكم أي خيار أما عليكم
التصويت لنا نحن الذين سيطرنا
عليكم لسنوات ولعبنا بحياتكم
ومصيركم ورحنا نقمعكم ونزجركم
أو عليكم انتظار الأسوأ من
هيمنة القوى الإسلامية
الشيعية. ولم يترك المجال لأي
سبيل حل ثالث ولم يبق أي مجال
لإرادة الجماهير المباشرة.
فلولا الحرب والاحتلال وهذا
السيناريو المأساوي ما كان
للطالباني والجعفري بقدراتهم
وحركاتهم القدرة على حتى
الحلم برئاسة الجمهورية
ورئاسة الحكومة. وهذا هو ما
كان الغرض من تأييدهم
ومساندتهم للحصار والحرب
والاحتلال وتدمير المجتمع
العراقي وسياسات أمريكا.
في نفس الوقت
تستند
هذه الحكومة على أساس تعريف
العراق كبلد للقوميات
والطوائف والعشائر وتقسيم
الجماهير على أساس هذه
الهويات الزائفة والباطلة.
لقد فرضت أمريكا والقوى
المؤلفة لهذه الحكومة هذه
الهوية والتعريف بالقوة على
المجتمع، كي تقوم كل مجموعة
على هذه الأساس باعتبار نفسها
ممثلة طائفة وقوم وعشيرة
وبهذا تقسم السلطة فيما
بينها. لذلك لم يواجه المجتمع
في أي وقت بلاء الشقاق
والتناقض والأحقاد القومية
والطائفية كما هو عليه الآن.
بالنتيجة هذه
الحكومة هي حصيلة معادلة
سياسية تبلورت بسبب وجود
القوات الأمريكية. والقوى
المؤلفة لهذه الحكومة ليس
لديها أية درجة من الانسجام
والوحدة بصدد هذه الحكومة
التي شكلتها، بل إن لها مشاكل
وتناقضات شديدة على أبسط
المسائل وأكثرها تفاهة، وثمة
حروب ومجازر تستتر فيما بينها
من المحتمل أن تنفجر في أية
لحظة. نفس الأخذ والرد لشهرين
للإعلان تشكيل حكومة معاقة
عديمة المضمون، هو أوضح
الدلائل على التناقضات
العميقة فيما بينها. حكومة لا
تستطيع ربط أقدام دجاجة كما
يقول الناس في مناطق حكمها
وميدان أية مليشيا، حكومة لا
يتشاور رئيس وزرائها حتى
مع
رئيس جمهوريته ويتحرك كل وزير
فيها بموجب سياسة وتوجيهات
رئيس حزبه ولا يستمع لرئيس
الوزراء، لا تفتقر فقط
للمستقبل بل هي غير موجودة
اليوم،
و
ليست حكومة في الواقع. ومنذ
الآن هناك أمواج من الندم بين
صفوف الجماهير التي تم خداعها
وشاركت في هذه مهزلة التصويت
بنعم لرئيس القوم هذا ورئيس
العشيرة والطائفة ذاك.
ولكن المسألة
المأساوية هنا هي أن هذه
الأحجار المتداعية تقف على
بركان خطير، متى ما انفجر
سيغرق هذا المجتمع بحمامات
الدم، وسيعرض هؤلاء المواطنين
الذين كانوا لسنوات طويلة
أصدقاء وجيران وحلفاء بعضهم
البعض لقتل بعضهم على يد
البعض الآخر. وسيتم جعل
حياتهم مأساة على التراب الذي
ليس فيه حتى ملجأ لأولئك
الناس، وجعلهم يمزقون بطون
بعضهم البعض ويقتل أطفالهم
بعضهم البعض باسم مصالح القوم
والطائفة والعشيرة. هذه الحرب
بدأت منذ الآن، فقد وجدت جثث
المئات من الأشخاص الغارقة
بالدماء في المدائن والقائم
وأحياء بغداد وكركوك والموصل
والحويجة حيث لا يعرف أحد،
لم تم قتلهم وأية خدمة
سيقدمها لمصالح أي قسم من
المواطنين؟ هذه بدايات تهديد
خطير على المجتمع. تشكيل
حكومة الطالباني-الجعفري حلقة
أخرى من تعميق هذا السيناريو
الأسود، بالضبط مثلما توقعنا
نحن ذلك.
وعلى أساس ما
كل تم الحديث عنه، هذه
الحكومة هي جزء من كافة تلك
المؤسسات والمخططات
والمؤامرات التي قامت بها
أمريكا فيما يتعلق باحتلال
العراق وبغرض السيطرة عليه،
ولهذا ينبغي بالتزامن مع
إخراج القوات الأمريكية
وإلغاء كافة مؤسسات وقرارات
ومواثيق فترة الاحتلال، ينبغي
في نفس الوقت حل هذه الحكومة.
ينبغي القرار على نظام الحكم
العراقي المقبل في مناخ
وأجواء مناسبة بشكل حر وواعي
من قبل الجماهير.
خسرو سايه:
إعادة قسم رئيس الوزراء
والوزراء، استقالة وزير حقوق
الإنسان، وصولاً الى نفس تأخر
تشكيل هذه الحكومة وبقاء
العديد من المناصب شاغرة، كل
هذه تشير الى الاختلافات
والتناقضات الداخلية لهذه
الحكومة، برأيكم ما هي هذه
الاختلافات والتناقضات التي
تقف هذه الحكومة عليها وتهدد
بانهيارها؟ وهل بإمكان هذه
الحكومة بهذه الحال الإجابة
على الأمن واستقرار المجتمع
كما وعد الجعفري أثناء قسمه
كرئيس للوزراء؟
ريبوار أحمد:
هؤلاء هم يكتسبون تعريف
ومكانة كل واحد منهم مقابل
الآخرين وفي الصراع مع
الآخرين كممثلي مجموعة من
الأقوام والعشائر والطوائف،
وأي امتياز ومكسب لطرف منهم
يكون على حساب تقليل مكاسب
وامتيازات الأطراف الأخرى.
ولهذا لهؤلاء مشاكل وصراعات
عميقة على كل شيء عدا مصالح
وحقوق الجماهير. مشكلتهم على
الحصة من السلطة، على أجهزة
وهيئات السلطة، على الوردات
البلاد المنهوبة، على حدود
سلطة كل منهم…
جميعها هي حلقات هذا
السيناريو الذي بدء لأكثر من
عامين، وبضمنه "الانتخابات"
وهذه الحكومة، هي ميادين صراع
هذه القوى على تعريف دورها
وحصتها من السلطة. فهي لها
مشكلة على أسم الدولة
العراقية، وجوهر المشكلة
والصراع هو أن كل طرف يريد
تعريف اسمها بحيث يثبت حصته
وسهمه، على سبيل المثال إطلاق
أو عدم إطلاق آلاف الصفات من
قبيل ديمقراطية وتعددية
وبرلمانية و…
على الدولة، حيث يبدو على
الظاهر أن هذه عوامل مهمة
جداً في تعريف الدولة، وليس
هناك طرف لديه مشكلة حولها
ويبدو ببساطة أنهم متفقون
عليها، لأنه ليس هناك أي معنى
عملي لها لا في منح الجماهير
دور ولا لقلة أو كثرة حصة أي
طرف من السلطة، ولكن لدى تلك
الأطراف مشكلة كبرى حول عبارة
"الفدرالية" لأنها أسم رمزي
لمنح القوميين الأكراد حصتهم
من السلطة. لن تكون لديها
مشكلة على القانون والدستور
حول
كيفية تحديد أي من الحقوق
السياسية والاجتماعية
والاقتصادية للمواطنين، ولكن
لديها مشكلة كبرى على تلك
الفقرات التي تشكل أسس مكانة
وموقع أي منها في السلطة.
فالإسلاميون يصرون بشدة على
أن يكون الإسلام أساس ومصدر
الدستور والقوانين، والأطراف
الأخرى
تعبر عن نوع من الاعتراض
بخصوص هذا الأمر ليس من منظار
العلمانية والتصدي لتفتيت
إرادة وحقوق المواطنين، بل من
منظار التصدي لسيطرة
الإسلاميين وهيمنتهم أو
الحصول على امتيازات منهم.
على أية حال،
القضية الرئيسية هي أن السلطة
في العراق لم تحسم بعد،
ومازالت
حلقات الصراع على السلطة
مستمرة، كل حلقة ليس المقصود
منها التسمية التي تطلق
عليها، فلا قانون إدارة
العراق هو للإدارة المؤقتة
للعراق، ولا "الانتخابات" من
أجل الانتخابات، لا الحكومة
من اجل الحكم ولا موضوع صياغة
الدستور هو لصياغة الدستور…بل
كل تلك هي حلقات متتالية
لصراعات ومشاكل على تعريف دور
ومكانة القوى. بتصوري أن
الصراع الطائفي والنزاع
القومي الذي أذكت ناره هذه
القوى وتديره من فوق لن ينثر
غبار الحكومة حتى السماء بل
وكما قلت يشكل خطراً كبيراً
على المجتمع أيضاً. كذلك
ومثلما قلت فإن هذه لحكومة لم
تستند على أي تشكيلة وتوازن
قوى واقعي
بين هذه القوى، بل تشكلت على
أساس معادلة وتوزن قوى تبلورت
بوجود القوات الأمريكية في
العراق، وأية تغيير في هذا
التوازن، لن يقضي فقط على
آثار هذه الحكومة، بل وسيجعل
أطرافها تتصيد بعضها البعض
الأخر.
وموضوع القسم
والدعايات والوعود في تأمين
الأمن والاستقرار هي أسخف من
السخف نفسه. فمن يمنح أهميه
لقسم ووعود هؤلاء كي يأخذهم
على محمل الجد. وفي اليوم
الذي كانت كوارث الانفجارات
قد اجتاحت فيه بغداد أكثر من
أي يوم آخر وأضطر فيه كافة
قادة حكومة الطالباني
والجعفري للاختفاء والتنقل
بسيارات الأجرة، أعلنوا في
قنوات الإعلام :"الحكومة
تطارد الإرهابيين حتى آخر
مواضعهم"، إن هذه أكثر سخرية
وهزالاً من أن يهتم
به ابسط انسان
بهذا القسم والوعود. ومثلما
هم يقولون الآن في اجتماعات
برلمانهم أن هذا الوضع
المأساوي "مكسب كبير ورحمة من
الله وثمرة دماء الشهداء"،
سيقول الجعفري في الغد عن هذه
الأوضاع التي تلقى رؤوس
المواطنين المقطوعة عن الجثث
في شوارع المدن أنها آمنة
ومستقرة. إنهم عاجزون عن
توفير الأمن لأنفسهم
ولاجتماعاتهم، فمتى يستطيعون
تأمين أمن الناس والمجتمع،
التي هي ليست في برنامجهم
أصلاً؟ قسمهم وإعادتهم للقسم
تعكس شيئاً واحداً هو هذه
الحقيقة وهي أنهم والى جانب
اتفاقاتهم وصراعاتهم هم بصدد
المكيدة لبعضهم البعض، ومتى
ما حضوا بالفرصة سيقتطعون
جزءاً من الوعود التي قطعوها
لبعضهم البعض.
خسرو سايه: إن
جانباً آخر من الأوضاع العراق
الحالية هو الإرهاب والهجمات
الإرهابية من قبل جماعات
الإسلام السياسي. خصوصاً وأنه
مد أياديه خلال الفترات
الأخيرة الى كردستان أيضاً.
بتصوركم ما هي أسباب اشتداد
هذه المساعي الإرهابية وكيف
تقيمونها مع سياسة حركة
الإسلام السياسي في هذه
المرحلة في العراق؟
ريبوار أحمد:
يشكل الإرهاب تقليداً
وأسلوباً رئيسياً للإسلام
السياسي في صراعه مع خصومه،
لفرض أهدافه، لتغيير ميزان
القوى لصالحه ولدفع صراعه حول
السلطة السياسية الى الأمام.
بالأخذ بنظر الاعتبار هذا فإن
القضية واضحة وبسيطة جداً،
مقابل ما تقوله أمريكا حول
تقدمها في "الحرب ضد الإرهاب"
وكذلك مقابل ما تقوله الجبهة
المؤيدة لأمريكا في العراق
حول تقدمها في إعادة بناء
الدولة ومؤسساتها وأجهزتها،
والحديث حول تقدمها في النصر
والنجاح في ضرب الإرهابيين
والقسم باقتلاعهم، يقوم
الإرهاب الإسلامي في الطرف
المقابل بالضبط في تلك
الأوقات بتشديد وتصعيد
هجماته، من أجل أن يرد على
دعايات تلك الجبهة وكذلك كي
يحبط مشاريعها وخطواتها. هذه
هي سياسة يتخذها الإرهاب
الإسلامي الآن، أي مقاومة
خطوات ومشاريع ودعايات أمريكا
والمتعاونين معها من خلال
تكثيف وتصعيد الأعمال
الإرهابية. ومن المهم
للإرهابيين بهذا الخصوص
لأسباب عديدة أن تصل أيديهم
الى كردستان.
غير أن هناك
عدد من العوامل التي كان لها
دور في تمهيد الأرضية لتنامي
الإرهاب الإسلامي. وقبل كل
شيء كان لتشكيل حكومة
الطالباني-الجعفري دوراً بهذا
الخصوص. فكما قلنا سابقاً أن
هذه الحكومة تقف على بركان.
وجماهير العراق تعرف هذه
الحقيقة وهي أن جلال
الطالباني وصل الى هذا المنصب
ليس بوصفه مواطناً عراقياً
ونتيجة عملية ديمقراطية كما
يدعون، بل كممثل للحركة
القومية الكردية نتيجة احتلال
العراق وخدماتهم الجزيلة
لسياسات أمريكا، وبمعنى آخر
نتيجة البؤس والاستفراد
المفروض على جماهير العراق،
هذا وفي الوقت الذي يتناقض
بشدة مع مطالب ورغبات وأماني
جماهير العراق، يوفر الأرضية
في نفس الوقت للحركة القومية
العربية لحشد القوى ضده.
وينظر بنفس الشكل لمنصب
الجعفري كممثل للشيعة ويوفر
الأرضية للإسلام السني لحشد
القوى ضده. كذلك القضية
الأخرى هي أن الإرهابيين
الإسلاميين يتلقون دعماً
واسعاً من قبل نفس أجهزة
ومؤسسات الطالباني والجعفري.
الأطراف التي داخل هذه
الحكومة تتسابق على حصة أكبر
داخل أجهزة الشرطة والجيش
والمؤسسات الأخرى في جر
البعثيين واستخدامهم، أولئك
البعثيين الذين كان مقرراً
اقتلاع جذورهم واجتثاثهم،
يجرى الصراع الآن على إعادتهم
وجذبهم. على سبيل المثال إن
الاتحاد الوطني الكردستاني
ليس على استعداد لدفع مئة
دولار لعامل أو موظف متقاعد
له من الخدمة ثلاثين عاماً،
ولكنه يقدم آلاف الدولارات
لأشخاص بمنصب وزراء متقاعدين
خدموا البعث لأربعين عاماً
ولم يكن لهم عمل غير هذا. أما
قوات الشرطة تتحدث عنها
الجماهير وتقول أنها تعمل
لفترتين فترة للحكومة وفترة
للزرقاوي وجماعته، وقسم بارز
من الأعمال الإرهابية التي
حدثت تمت بالتعاون والمشاركة
المباشرة للشرطة، ومأساة
أربيل الأخيرة هو
دليل واضح على ذلك. بالنتيجة
فإن تنامي التعصب القومي
والطائفية وفرت المجال الأكبر
لنمو وتصاعد وتيرة الإرهاب
الإسلامي.
خسرو سايه: إن
قسماً من المحللين والسياسيين
الغربيين يشيعون أن الهجمات
الإرهابية هي مسعى تكتيكي
ومرحلي لحركة الإسلام السياسي
في العراق حتى تصبح قوى
الجناح "السني المذهب" التي
تخلفت عن الانتخابات داخل
السلطة وستتخلى عن أعمالها
الإرهابية بمجرد منحها
امتيازات في الحكومة الحالية
ولجنة صياغة وإعداد الدستور.
ما هو رأيكم بهذا الخصوص؟
ريبوار أحمد:
إذا عولجت هذه المسألة بهذه
البساطة فإن أمريكا نفسها ليس
لديها مشكلة مع أن يمنح
الجناح الإسلامي السني المذهب
حصته في السلطة العراقية، ولو
كان هذا الجناح متموضعاً ضمن
إطار سياسة أمريكا فإن الباب
مشرع له دائماً من قبل أمريكا
والقوى العراقية المتحالفة
معها. غير أن أبعاد صراعها
أوسع من ذلك، فالقضية الأصلية
ليست على حصة سلطة الإسلام
السياسي البنلادني ضمن إطار
العراق، بل على صعيد كل
المنطقة. ولكن ومن أجل
الاستفادة من الحرب واحتلال
العراق جعل من العراق ميداناً
ساخناً ورئيسياً لحربه هذه.
وهذا القسم من المحللين
والسياسيين الغربيين كان منذ
بداية هذه الحرب الإرهابية
يحتكم الى دائماً الى النوع
من التفسيرات والتحليلات
السطحية والاعتباطية، ولكن
كان مسار الأحداث الواقعي
يبين دائماً سخافة تحليلاته
وهزالها. بمعنى آخر يمكنني
القول أن ذلك هو دعاية وليس
تحليلات.
إن الوقائع
والأحداث وكذلك اعترافات
المسؤولين الأمريكيين الكبار
تبين أن هذا الصراع هو بصدد
أن يتخذ أبعاد أوسع ويتخذ
طابعاً أكثر مأساوية أيضاً.
الإرهاب هو الأسلوب والتقليد
الرئيسي لدى الإسلام السياسي
ولن ينفصل عنه ولن يتخلى عنه
في أي وقت من الأوقات، وإرهاب
أمريكا أيضاً مهد له السبيل.
لقد استطاع الإرهاب الإسلامي
هذه المرة تجديد نفسه مقابل
حرب وإرهاب أمريكا وحشد قوى
وقدرات أكبر لنفسه. وبتصوري
لا يمكن تقصير يد الإرهاب
الإسلامي من دون إخراج القوات
الأمريكية. وكلتا
هاتين المهمتين هما من وظائف
جبهة الحرية والعلمانية وجبهة
اليسار والبشرية المتمدنة
وليس أية قوة أخرى. والقول أن
من الممكن التصدي للإهاب
الإسلامي من خلال منح
امتيازات للإسلام السني، هو
أمر سخيف وفارغ تماماً،
وبالعكس سيستخدم هذه
الامتيازات للمساعدة في تصعيد
وتيرة الأعمال الإرهابية. لا
يمكن التصدي لهذا الإرهاب من
خلال المساومة مع الإسلام
السياسي، وهذه حقيقة ليست
بحاجة للكثير من الحكمة
لمعرفتها.
خسرو سايه:
كما أشرت سابقاً فقد وصلت يد
الإرهاب الى مدن كردستان،
وخصوصاً الحادث الدموي ليوم 5
أيار في مدينة أربيل الذي
أصبح موضع سخط ورفض المجتمع،
هذا الحادث بالمقارنة مع
أوضاع كردستان المستقرة ليس
بدون أسباب سياسية ويعكس حالة
أكثر خصوصية من الأساليب
الإرهابية. هل برأيكم يعتبر
هذا الحادث بشكل خاص والتوجه
نحو الهجمات الإرهابية نتيجة
لموقف وسياسات الأحزاب
القومية الكردية؟ كيف تقرؤون
أنتم هذا الحادث؟
ريبوار أحمد:
في الحقيقة إنني لا أرى هذا
الحدث في هذه الأوضاع التي
خلقت في العراق حدثاً عجيباً
وغير منتظر. إنه ليس أول عمل
إرهابي ومأساوي يحدث في
كردستان خلال هذين العامين.
والأدلة على ذلك كثيرة. حزبنا
وأنا شخصياً كنا قد نبهنا قبل
بدء
الحرب الأمريكية وقلنا أن
الحزبين القوميين الكرديين
الحاكمين هما على وشك إدخال
كردستان في حرب إرهابية
وتحويلها الى ساحة حرب وصراع.
ولكن الحزبين ولفرط نشوتهما
لم يصغيا لهذا التنبيه ورميا
نفسهما داخل الحرب من أجل
أهدافهما الرجعية وبهذا الشكل
دفعا المجتمع الكردستاني الى
داخل هذه الفوضى والاضطراب.
لقد كان الحزبان القوميان
الكرديان الداعم المباشر
والمتعاون مع الحرب
الأمريكية، وشاركا بكل
طاقاتهما في تدمير المجتمع
العراقي وهدم أسس الحياة
المدنية لجماهير العراق. وقد
شاركا في كل خطوة ومشروع من
خطوات ومشاريع أمريكا
المتتالية، واستلام جلال
الطالباني لمنصب رئيس
الجمهورية العراقية في آخر
ستار من سيناريوهات العراق
الذي تحول الى مادة تحرك
سياسي كبير للحركة القومية
الكردية، دفع بالإهاب
الإسلامي لتصعيد أعماله في
كردستان.
بالتأكيد سعى
الإرهابيون دائماً من أجل
ذلك، ولكن بسبب الاتساع
والتنظيم والاستعداد الأكثر
للأجهزة الأمنية والقوى
المسلحة للحزبين الحاكمين
بالمقارنة مع بقية مناطق
العراق الأخرى، وكذلك بسبب
ضعف نفوذ الإسلام السياسي
خصوصاً الخط البنلادني في
كردستان وسخط الجماهير الشديد
عليه، لم يحقق الإرهابيون
نجاحاً يذكر في مساعيهم، ولكن
وحتى ولو بمعيار الإعلام
الرسمي للحزبين الحاكمين حول
إحباط مساعي ومحاولات الإرهاب
الإسلامي واعتقال القائمين
به، فإنه لم يكن قليلاً حتى
الآن. بتصوري هم ولأسباب
عديدة يتخندقون لتصعيد
أعمالهم الإرهابية في
كردستان، وكان على الدوام
يضاف الى ذلك دافع وعامل
مساعد جديد كما ذكرت فيما
تقدم. غير أن نقطة ضعفهم في
كردستان هو انعدام نفوذهم
وسخط الجماهير الكبير عليهم،
في نفس الوقت فإن نقطة الضعف
الرئيسية في مقاومتهم وإحباط
تحركاتهم عدم بروز الإرادة
المستقلة للجماهير وعدم ميل
الجماهير للتعاون مع الأجهزة
الأمنية الموجودة، لأن تلك
الأجهزة وبالتزامن مع ضربها
للإرهاب تقوم بقمع الجماهير
وتبقي على سلطة مليشيا السلب
والنهب العائدة لهذين الحزبين
مفروضة على الجماهير.
فالجماهير لا تنظر لهذه
الأجهزة كجزء منها ولا تنظر
إليها كوسيلة بيدها ولهذا لا
تميل للتعاون معها.
خسرو سايه: ما
هي سبل حل الحزب الشيوعي
العمالي العراقي بشكل عام
للتصدي للإرهاب والإهاب
الإسلامي في كردستان وفي
العراق أيضاً وماذا على
الجماهير أن تقوم به كي تزيل
هذا الخطر عن حياتها؟
ريبوار أحمد:
بتصورنا أن القضاء على
الإرهاب هو مشروع يتزامن مع
تقصير أيدي كلا قطبي الإرهاب،
أي أمريكا من جهة والإسلام
السياسي من الجهة الأخرى. حرب
جبهة الحرية والعلمانية مع
الإرهاب هي حرب ذات طرفين
وعلى جبهتين وعليها أن التقدم
في كلا الميدانين، وبتجاهل
هذه الحقيقة لا يمكن تحقيق
النصر في أي واحد من هذين
الميدانين. لأن كل واحد منهما
يتذرع في وجوده بوجود الطرف
الآخر، سياسة كل واحد منهما
وأعماله الإرهابية هي تبرير
لسياسة الطرف الآخر وأعماله
الإرهابية. وحتى إذا افترضنا
أن طرفاً واحداً من هذين
القطبين سينهزم سيصبح المجتمع
أسير القطب الآخر.
في نفس الوقت
سبيل القضاء على الإرهاب ليس
عسكرياً فقط، بل سبيل حل
سياسي-عسكري. بدون توجيه
ضربات للأسس والأرضية
السياسية للإرهاب الإسلامي لا
يمكن هزمه بقوة السلاح فقط.
وعدم تقدم أمريكا والقوى
التابعة لها في العراق بهذا
الخصوص حتى الآن ليس لأن
قواها وإمكانياتها العسكرية
قليلة وضعيفة، بل لأن سياستها
ومشاريعها لا تهدف لإحباط
الإرهاب الإسلامي. إنها
بسياساتها تقوي الإرهاب
الإسلامي وترسخ أقدامه في
الساحة وتضربه بقوتها
العسكرية، ولهذا لا تصل الى
أية نتيجة. إن سبيل حلنا
وسياستنا للقضاء على الإرهاب
وبقدر تعلق الأمر بالعراق هي
تنظيم حركة جماهيرية واسعة
وشاملة حول قيادة مؤتمر حرية
العراق ومنشوره لإخراج القوات
الأمريكية والقضاء كافة
المؤسسات والقوانين والقرارات
الناتجة عن هذا الاحتلال، في
نفس الوقت تقصير يد الإسلام
السياسي وإعادة تنظيم الحياة
المدنية. من أجل هذا نحن في
سعي ليس فقط من أجل تنظيم
النضال الجماهيري لجماهير
العراق بل وكذلك تنظيم جبهة
عالمية، جبهة البشرية
المتمدنة. وبقدر تعلق الأمر
بكردستان فإن سبيل الحال
الفعال الآن هو إبعادها عن
هذه الدوامة والمأزق المأساوي
الذي حل بالعراق، إبعادها عن
الأحقاد والصراعات القومية
والدموية التي تكمن الى جانب
هذه الأوضاع، وإبعادها عن
الإلحاق الإجباري بالمركز
الذي حقق فيه الإسلام السياسي
يداً طولى وغرق في السيناريو
الأسود، وهذا مرهون الآن
بالانفصال وتأسيس دولة مستقلة
غير قومية وغير دينية، ومرتبط
في التحليل الأخير بتجاوز
الحركة القومية الكردية
وبرنامجها العملي التي تسعى
بشدة لجر كردستان الى داخل
هذا السيناريو الأسود من أجل
حصتها في السلطة. مؤتمر
الاستفتاء لاستقلال كردستان
مشروع حزبنا لتنظيم حركة
جماهيرية كبيرة في هذا
السبيل.
خسرو سايه:
جانب آخر من أوضاع العراق
الحالية هو أوضاع كردستان
بشكل عام والمشاكل بين
الاتحاد الوطني الكردستاني
والحزب الديمقراطي
الكردستاني، خصوصاً بعد
استلام الطالباني لمنصب رئيس
الجمهورية وبروز قضية منح
رئاسة الإقليم لمسعود
البارزاني..كيف ترون هذا
النزاع والمشاكل بين الاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي
وعلاقتها بالمعادلات السياسية
والتناقضات التي أشرتم لها
فيما يتعلق بالحكومة العراقية
الحالية؟ هل سيقبل الاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي
بتوحيد السلطات المحلية في
أجواء تشكيل الحكومة
المركزية؟
ريبوار أحمد:
في البداية عليَّ القول أن
قضية مجتمع كردستان ليست
القطيعة بين السلطات المحلية
لهذين الحزبين، بل نفس وجود
هذه السلطة المحلية ونفس سلطة
هذين الحزبين هي المعضلة
الرئيسية لمجتمع كردستان.
أنهما شكلوا حكومة واحدة معاً
في فترة معينة، ولكن المحن
التي جلباها معاً للجماهير
ليست بأقل من فترات انهيار
سلطتهما المشتركة. برنامج
هذين الحزبين هو نفس ما
يقومان به الآن كل واحد منهما
على حدة، وإذا اختلطا ببعضهما
البعض لن يكون ما يقومان به
بأفضل مما يقوم به كل واحد
منهما على حدة الآن. لقد بينا
خلال 14 عاماً الماضية أن
لهما تناقض شديد مع إرادة
وتدخل الجماهير في الحكم
وإدارة البلاد، لهما تناقض
شديد مع الحرية والعلمانية
والحقوق المدنية للجماهير،
لهما تناقض شديد مع
حرية النساء وحقوقهن، لهما
تناقض شديد مع مطالب وتطلعات
الشبيبة، ولهما تناقض شديد مع
مطلب جماهير كردستان في
مستقبل حر ومشرق وسعيد. لقد
جلبا جيوش الدول الى كردستان،
جرا أيدي الإرهابيين وقدما
السلاح لهم، سلبا ونهبا
واردات المجتمع وسجلاها باسم
زعمائهما، طبقا قوانين البعث،
وصار قادتهما عملاء الأجهزة
الجاسوسية البعثية..ولهذا فإن
توحيد هاتين الإدارتين بهذا
البرنامج والممارسات التي
يقومان بها لن يداوي
آلام الجماهير.
ولكن للرد على
سؤالكم حول هل سيقبل الحزبان
بتوحيد إدارتيهما بالأخذ بنظر
الاعتبار تشكيل هذه الحكومة
العراقية الحافلة بالتناقضات؟
بتصوري أن نفس الصراع والنزاع
والتناقض المتأصل بين الاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي ليس
بأقل من الصراع والتناقض داخل
هذه الحكومة المعلنة في
المركز. من غير شك ليس محالاً
أن يتفق هذان الحزبان في
أوضاع خاصة ولمرحلة مؤقتة على
شيء من هذا القبيل، ولكن ليس
معالجة وتجاوز الصراع
والتناقضات بينهما. هذا
الصراع والتناقضات تاريخية
وعميقة ولا تعالج، غير أن
التوافق على مشروع خاص لفترة
قصيرة من قبيل ما حدث في
سيناريو الانتخابات، ليس
أمراً مستحيلاً. خصوصاً أن
عامل الضغط الأمريكي عليهما
قائم ومتى ما علما أن
مصلحتهما المشتركة وليس مصلحة
الجماهير تستدعي ذلك وتصبح
مسألة إجبارية، فليس من
البعيد أن يتفقا على موضوع من
هذا القبيل. ولكنني أعتبره
مستحيلاً أن يكون اتفاقاً من
النوع القادر على الثبات وأن
يكون أكثر من اتفاق وقتي،
كذلك في حالة من هذا النوع
فإن صراعاتهما وتناقضاتهما
ستبقى مستمرة وعلى حالها في
كل ميدان وإزاء كل قضية
وسيكون هناك كل يوم احتمال
كما هو الحال دائماً أن يلغيا
الاتفاق بينهما بمجرد بروز
قضية جديدة لتحل بينهما فترة
من الصراع. بهذا التوضيح
فإنني أعتقد أن توحيد هاتين
الإدارتين بشكل تام يواجه
العديد من المعضلات العميقة
والعقبات الكبيرة وهو أمر صعب
تماماً. الاحتمال الأكبر هو
أن يكونا قادرين على الاتفاق
على عملية ذات أمد طويل وعلى
بعض الخطوات العاجلة المحددة
ويتجاوزا هذه المرحلة بها
ليعرفا كما هو الأمر دائماً
أين سيلقي بهما مسار
التغيرات. وحتى أن
اجتماعاتهما وحوارهما بهذا
الخصوص لم تصل الى نتيجة حتى
الآن. فقد مرت حوالي أربعة
أشهر على "انتخاباتهما
الديمقراطية"، ولم يستطيعا
حتى الآن أن يعقدا اجتماعاً
بالبرلمان، وبتصوري أن هذا
سيكون درساً كبيراً للجماهير
التي على تجربة ومعرفة بهذين
الحزبين وخدعت هذه المرة
أيضاً بدعايتهما ووعودهما
ومنحت أصواتها لهما.
خسرو سايه:
كيف ترون بشكل عام أوضاع
كردستان وقضية تقسيم السلطة
بين الاتحاد الوطني والحزب
الديمقراطي وحل القضية
الكردية، ألا يفقد مطلب
انفصال كردستان ضرورته؟
ريبوار أحمد:
إنني أعتقد أن هذه الأوضاع
والامتيازات التي منحت للحركة
القومية الكردية والحلقات
الأخرى تعمق الصراع والتناقض
بين هذين الحزبين وليس العكس،
فترشيح الطالباني من قبل
البارزاني لمنصب رئيس
الجمهورية وبقدر كونه لضمان
حصة الحركة القومية الكردية
مقابل الإسلام الشيعي والحركة
القومية العربية، يمكنني
القول أنه كان وبقدر أكبر من
أجل السيطرة على كردستان من
قبل الحزب الديمقراطي
والبارزاني. لقد منح ذلك
الامتياز للطالباني كي يأخذ
منه في المقابل امتياز تفرده
يده الطولى في كردستان. أن
أكبر الصراعات تكمن خلف
تفاصيل هذه المسالة. لا جلال
الطالباني نفسه ولا أي إنسان
بسيط بإمكانه تصديق أن
البارزاني من أجل ما يقول عنه
"مصلحة الكرد" كان على
استعداد للإيثار ووضع منصب
رئيس الجمهورية في أحضان
الطالباني، فالصراعات والأخذ
والرد في الفترة الأخيرة بعد
أن أصبح الطالباني رئيس
الجمهورية وفشل الحوارات
بينهما هي أوضح دليل على صحة
هذه الحقيقة. ولهذا إذا
افترضنا أن سلطة كردستان
ستبقى لفترة أطول بيد هذين
الحزبين، فإن هذا الصراع هو
ما سيحسم شكل تقسيمها. الأدلة
تبين حتى الآن أن منصب رئيس
الجمهورية قدم ميدان تحرك
سياسي كبير للاتحاد الوطني
والطالباني،ولكن ينتهي الأمر
هنا، فمن الآن فصاعداً إذا لم
يتحول هذا المنصب الى بلاء
للطالباني فلا يبدو أن فيه
خيراً له، غير أن ضريبة هذا
التحرك السياسي ربما يصبح
سبباً في أن تكون كفة الحزب
الديمقراطي والبارزاني ضمن
إطار كردستان أرجح وأكثر
سيطرة على الاتحاد الوطني
والطالباني. وفي الحقيقة فإن
كردستان فقط هي الميدان
الواقعي لهذين الحزبين وهذا
ما له أهميه على المدى
البعيد. القضية المهمة اليوم
هي أن على جماهير كردستان
الاستفادة من تناقض ومأزق
هاتين السلطتين المتناقضتين
في كافة مطالبها وأهدافها،
وتنظيم حركتها لفرض مطالبها
وانتشال كردستان من قبضة هذين
الحزبين وبناء مستقبل مشرق
لهذا المجتمع.
وفيما يتعلق
بحل القضية الكردية، فإن هذين
الحزبين بتصوري يحصلان على
دور فقط في تعميق هذه القضية
وإبعادها عن سبيل الحل
المناسب. هذه القضية متما ما
تعمقت أكثر كان لها مكاسب
أكثر لهما، سياسة وممارسات
هذين الحزبين كان لها دور
كبير بهذا الخصوص. وقد وضحت
هذا في مقابلة مع صحيفة
"كمونيست-الشيوعي" الصادرة
بالفارسية التي نشرت أيضاً في
صحيفة "أكتوبر"، ولهذا لا أجد
من الضروري تكرار ذلك مرة
أخرى.
ولكن فيما
يتعلق بضرورة مطلب انفصال
كردستان بتصوري أنها مازالت
قائمة وليس هذا فقط بل أنه
صار أكثر ضرورة. دور ومكانة
الحركة القومية الكردية في
الحكومة العراقية الحديثة
التشكيل لا يشكل ضمانة لحل
هذه القضية، وليس هذا فقط بل
إنها وضعت المجتمع الكردستاني
أمام خطر أكبر، فالقضية أشمل
من موضوع الإلحاق الإجباري
لكردستان بدولة رجعية قومية
إسلامية ستقمع متى ما سنحت
لها الفرصة جماهير كردستان،
بل إن الخطر الأكبر هو أن
مجمل المسار الذي قطع حتى
الآن وضع المجتمع أمام خطر
انفجار بركان الصراع القومي
والطائفي.أأكبر
تصوروا ما سيكون عليه رد فعل
الحركة القومية العربية من
فاشية فيما لو حضت بأقل فرصة
إذ ترى الحركة القومية
الكردية وصلت الى هذه المكانة
على حساب عزيمتها المكسورة
وعلى يد أمريكا؟! تأملوا فتوى
الحركة القومية الكردية لطرد
الناطقين بالعربية من أهالي
كركوك الذي سكنوا المدينة ضمن
إطار سياسة التعريب وإصرار
تلك الحركة على فرض الهوية
القومية الكردية على المدينة،
وفي الطرف المقابل تسليح
الجماعات والعشائر العربية
والتركمانية لنفسها لمقاومة
تلك الحركة، وتصوروا أي حمام
دم سينتج عن ذلك؟!هذا وعدا عن
أنه تبين للجماهير أن حتى
رئاسة الطالباني للجمهورية هي
ظاهرة مؤقتة وأكثر شكلية من
أن تكون قادرة حتى على ضمان
ما تطلق عليه الحركة القومية
الكردية بتصورها "حقوق
الكرد". انفصال كردستان هو
مطلب تتجلى ضرورته الآن أكثر
من أي وقت آخر وينبغي السعي
والعمل من أجله أكثر من أي
وقت آخر، في نفس الوقت فإن
الأرضية والظروف هي مناسبة
جداً لتحقيق هذا المطلب وقد
حللت أدلة ذلك في تلك
المقابلة مع صحيفة "كمونيست".
خسرو سايه:
زيارة كونداليزا رايس الى
العراق ولقائها الأول بمسعود
البارزاني أعتبر من قبل الحزب
الديمقراطي الكردستاني منح
أهمية كبيرة لمسعود البارزاني
كشخصية سياسية عراقية الآن
ومن جانب آخر يقيمه المحللون
السياسيون ويعتبرونه إنقاذاً
حيث على ما يبدو كان يعبر عن
قلق وسخط مسعود البارزاني
واحتجاج حزبه على الأوضاع بعد
منح منصب رئيس الجمهورية
لجلال الطالباني وتشكيل حكومة
الجعفري..ما هو رأيكم حول هذه
الأقاويل وكيف تقرؤون هذه
الزيارة بشكل عام؟
ريبوار أحمد:
القضية واضحة وبسيطة، زارت
كونداليزا رايس مسعود
البارزاني فيما يتعلق
بالمشاكل بين الاتحاد الوطني
والحزب الديمقراطي
الكردستاني، فقد وصل الحوار
بينهما الى طريق مسدود وكان
كل شيء على وشك التداعي
وواحدة من ركائز السياسية
الأمريكية في العراق التي هي
الحركة القومية الكردية تواجه
معضلة كبرى. فأنقذت وزيرة
الخارجية الأمريكية الموقف من
أجل تتخذ دور أمريكا في حل
هذه المعضلة. وواقع القضية هو
بالرغم من أن ترشيح الطالباني
كان ترشيحاً مشتركاً من قبل
الاتحاد والديمقراطي، إلا أن
الحركة الاستعراضية التي قام
بها الاتحاد أزعجت الديمقراطي
وآلمته، ولهذا بدأ الديمقراطي
بعد ذلك بتشديد شروطه ومطالبه
على الاتحاد. وهذا ما عمق
المشاكل وزادها. في الحقيقة
زارت وزيرة الخارجية
الأمريكية البارزاني لإرضائه
والتقريب بينهما ولهذا الغرض
كانت على استعداد لمنحه
امتياز مثل هذه الزيارة
واللقاء به وليس أي شيء آخر.
ومن غير شك أن إعلام
الديمقراطي سعى للاستفادة من
هذا واعتباره منح أهمية أكبر
للبارزاني وإبراز دور شخصيته
مقابل إبراز دور الطالباني
كرئيس جمهورية.
خسرو سايه: في
جانب من حديث رايس أشارت الى
موضوع الدستور العراقي وقالت
أن أحد الأهداف من زيارتها أن
يضع العراقيون دستوراً لتجسيد
الديمقراطية العراقية يجيب
على حاجات كل أقسام
العراق..ما هو الغرض من هذا
النوع من التصريحات التي
أطلقتها رايس، هل يمهد هذا
الأمر السبيل أمام دخول
الأطراف العلمانية كطرف في
وضع الدستور وصياغته؟
ريبوار أحمد:
إنني أعتبر هذا الحديث دعاية
فارغة وهزيلة يطلقها دائماً
هذا النوع من السياسيين
ويجعلونها غطاءاً وعنواناً
فارغاً وعديم المضمون لهذه
الزيارات التي تتعقب وتخفي
أهدافاً أكثر خصوصية. بتصوري
أن موضوع ومشروع صياغة
الدستور العراقي في الأوضاع
الحالية لن يكون فيه أي مكان
لأي طرف علماني ولدور وتدخل
الجماهير ويشكل ستاراً أخر
لتعميق السيناريوهات
المأساوية الحالية في العراق.
هذا الدستور الذي يصاغ برعاية
أمريكا وعلى يد القوى القومية
والدينية العراقية ليس سوى
بلورة الممارسات والأفعال
التي جرت حتى الآن وتكرار
القوانين والقرارات والمشاريع
التي وضعت حتى الآن لإضفاء
الهوية القومية والدينية على
المجتمع العراقي وتصنيف
المواطنين، وليس سوى تعميق
الهوة والأحقاد والصراعات
القومية والطائفية وحرمان
الموطنين من الحقوق.
إن هذه هي
قضية مهمة جداً ولا ينبغي على
جماهير العراق أن تنظر إليها
كعملية يبدو أنها "مشروع
لتجسيد الديمقراطية وصياغة
دستور يجيب على حاجات كافة
أقسام العراق"..إن هذا كلام
فارغ وعديم المضمون ويكررونه
باستمرار. مشروع "صياغة
الدستور" هو منذ الآن وبالشكل
الذي نظم حتى الآن ليس مشروع
الجماهير للرد على حاجاتها
ومتطلباتها، بل مشروع أمريكا
والقوى القومية والدينية لسلب
الإرادة من الجماهير وشلها،
لفرض البدائل الرجعية، ولفرض
الأحكام القومية والإسلامية
في إطار الدستور على
الجماهير، ويزيد هذا المشروع
من مخاطر انفجار الصراعات
والمذابح القومية والدينية
ويعمق أبعادها المأساوية. لا
ينبغي على الجماهير التوهم
بذلك، لا ينبغي عليها
الانخداع وتحويل مطالبها
وتطلعاتها الى عرائض تعرضها
على الملالي وزعماء الأقوام
وشيوخ العشائر كي يقوموا
بتوليفها لها، لا ينبغي عليها
أن تنتظر أي مطلب من مطالبها
منهم، ولا ينبغي أن تعترف
رسمياً بهم بوصفهم ممثلي
الجماهير في صياغة دستور
لإدارة المجتمع. إن هؤلاء هم
نتاج حرب مدمرة واحتلال
وتدمير أسس الحياة المدنية.
ينبغي القضاء على كافة
مؤسساتهم وأجهزتهم المتداعية
مع المحتلين والإرهابيين وأن
تحدد الإرادة المباشرة
للجماهير السلطة ونظام الحكم
ودستور العراق التحرري
والعلماني المرتقب.
بتصوري
بالاستفادة من سيناريو الهزيل
للانتخابات
الذي لم
يكن
له أية نتيجة غير التعقيد
الأكثر لأوضاع العراق الحالية
وزيادة المخاطر التي تهدد
حياة الجماهير ومصير المجتمع،
لا ينبغي فسح المجال أمام
تحول مشروع ما يسمى بصياغة
الدستور الى سيناريو خديعة
أخرى، لا ينبغي فسح المجال
أمام أمريكا والقوى القومية
والدينية للقيام بخديعة أخرى
للجماهير، لا ينبغي لهذا
الطرح أن يحرف الجماهير عن
الطريق ويغير ميدان نضالها
الواقعي. سبيل وصول الجماهير
الى مطالبها وتحقيق أهدافها،
ليس سبيل عقد الأمل على هذا
الدستور الذي من المقرر أن
تصوغه هذه القوى، وليس التوهم
بأن هذه القوى ستفتح البواب
لكافة الطبقات والشرائح
والأقوام والعشائر والطوائف
كي تشارك في صياغة الدستور.
أن هذا لا يشكل في أي شكل من
الأشكال ميدان النضال الواقعي
للجماهير التحررية من أجل
ضمان حقوقها، بل بالعكس، على
الجماهير أن تقف ضد مشروع
تعميق المآسي هذا، وأن تفضح
مشروعية هذه القوى، وبدلاً من
انتظار تلك القوى لبلورة
مطالب الجماهير في دستور
معين، ينبغي على الجماهير أن
تذكي النار في ميدان نضالها
وصراعها الواقعي، فميدان
النضال والصراع الواقعي
للجماهير هو تنمية حركتها
المستقلة حول بديلها وأهدافها
ومطالبها الرئيسية، وحول طي
صفحة هذه القوى وضمن إطار
مؤتمر حرية العراق في سبيل
ضمان الأمن والرفاه والحرية.
الخطوط العامة لبرنامج هذه
الحركة عبارة عن إخراج أمريكا
وتقصير يد القوى القومية
والإسلامية، إلغاء كافة
الأجهزة والمؤسسات والقوانين
والقرارات التي جاءت كنتيجة
للحرب والاحتلال، حق الجماهير
في القرار الحر والوعي على
نظام الحكم القادم في العراق،
فصل الدين عن الدولة،
المساواة التامة في الحقوق
بين المرأة والرجل، مساواة
المواطنين في الحقوق بغض
النظر عن الهوية القومية
والدينية و..، حق جماهير
كردستان في إقامة استفتاء
للقرار على الانفصال وتشكيل
دولة مستقلة..هذا هو ميدان
النضال الواقعي للجماهير
التحررية مقابل مخططات تلك
القوى في فرض دستور قومي
وديني رجعي وفرض سلطتها على
المجتمع.
في نفس الوقت
هناك بتصوري قضية مهمة جداً
فيما يتعلق بموضوع صياغة
الدستور، إذا ما برزت في أي
عهد وأية أوضاع، وهي وضع بيان
الحقوق الشاملة للإنسان
كأساس، فهذا البيان المقر
والمعلن من قبل المؤتمر
الثالث للحزب الشيوعي العمالي
العراقي، وبيّن
انه
فوق
اي
دستور وقانون التي تشكل
حقوقاً بديهية لكل إنسان في
العالم، وليس هناك لأي دستور
وقانون وأي مجتمع الحق بأية
ذريعة كانت ومنها الأوضاع
والظروف والثقافة والتركيبة
و..في سحق وانتهاك أي فقرة من
فقرات تلك الحقوق. وكل دستور
وقوانين تتناقض مع هذه الحقوق
محكومة بالإلغاء بصورة قوانين
ودستور معادي للإنسان.
وبتصوري ليس فقط فيما يتعلق
بموضوع صياغة الدستور بل مجمل
هذه الأوضاع الشاقة والمعقدة
في العراق، التي انتهكت فيها
أبسط الحقوق الإنسانية وصيغت
فيها أكثر المعايير والقيود
(المحلية) تخلفاً لتعريف حقوق
الإنسان، هذا البيان وثيقة
كبيرة بيد جماهير العراق،
تقدم رؤية متساوية وراقية
وعالمية لحقوق الإنسان. ينبغي
التمسك بهذه الوثيقة في
النضال وأن تكون فوق كل قانون
ودستور وأن تكون أساس تلك
القوانين والدستور التي يجب
صياغتها للمجتمع.