الشيوعية العمالية والقضايا الأساسية الراهنة في العراق
الجزء الرابع
ريبوار أحمد
خروج القوات الأمريكية
الحرب والاحتلال وبقاء القوات الأمريكية في العراق، هي منشأ واستمرار السيناريو الأسود الحالي. ولا يمكن إنهاء هذا السيناريو وإيجاد ظروف يعود في ظلها الأمن والرفاه والحرية الى الجماهير بدون خروج تلك القوات من العراق. وقد جربت جماهير العراق طوال 13 عاماً الماضية بأعمق الأشكال سياسات أمريكا المعادية للإنسانية ضدها، فالمجازر التي لا تحصى التي قامت بها أمريكا من خلال الحرب والقصف والحصار الاقتصادي ضد جماهير العراق، المجاعة والحرمان التي فرضتها أمريكا على جماهير العراق، والدمار وهدم البنية التحتية الاقتصادية والمدنية والخدمات الاجتماعية، كذلك التراجع الذي فرضته على المجتمع، وقد دفعت ثمنها جميعا من المآسي والكوارث والحرمان الشديد الذي عانته جماهير العراق. وآخر نتائج سياساتها هي هذا السيناريو الأسود الذي يحترق في أتونه هذا المجتمع. كل تلك أوجدت احتجاجاً واسعاً بين صفوف جماهير العراق ضد أمريكا.
ولم يستطع ضجيج "حرب تحرير العراق وإنهاء دكتاتورية صدام حسين"، بكل خدعه وتظليله محو مآسي هذه الثلاثة عشر عام من ذهن وذاكرة جماهير العراق، فاليوم تنظر هذه الجماهير الى أمريكا بوصفها القوة التي جلبت لهم تلك الكوارث والنكبات في الماضي والآن كقوة احتلت المجتمع العراقي بهجومها العسكري وسحقت كل إرادة لهذا المجتمع، ولم تكن عملياً نتائج هذه الحرب التي كان مقرراً أن تنقذ جماهير العراق من القمع والحرمان من الحقوق والدكتاتورية، غير إغراق المجتمع في مستنقع السيناريو الأسود وفسح المجال لظهور وتنامي مختلف الجماعات والقوى الرجعية التي سحقت بغطرستها وتهورها ووحشيتها أبسط حقوق وحريات الجماهير.
وقد جعل كل ذلك من مطلب خروج القوات الأمريكية مطلباً عريضاً للجماهير وشرطاً لانهاء هذا السيناريو الأسود. ولكن وبالتزامن مع هذا المطلب الجماهيري والى جانبه تطرح المخاوف من أن الأوضاع ستسوء أكثر فيما لو خرجت أمريكا من العراق الآن وستطلق أيادي الجماعات الإسلامية لتنقض على أرواح الجماهير. وليس هناك من شك أن الإسلام السياسي أصبح الآن خطراً جدياً على العراق والمنطقة ينبغي إحباطه. إلا أن نفس حرب أمريكا واحتلال العراق فتح الميدان أمام الإسلام السياسي، وبقاء القوات الأمريكية في العراق يصبح مصدر بقاء الأبواب مشرعة أمام استقواء الإسلام السياسي.
حرب أمريكا وبقاء قواتها، مصدر تقوية الإسلام السياسي
سياسات أمريكا المعادية للإنسانية وهجومها الوحشي وغير الشرعي الذي واجهته الاحتجاجات والسخط الجماهيري المليوني من قبل جماهير العالم، فسح المجال مجدداً لإنعاش وإحياء الإسلام السياسي الذي تعرض بعد الحادي عشر من أيلول لسخط ونفور البشرية المتمدنة العالمية وواجهت فشلاً كبيراً في حرب أفغانستان، ونزعه لقناع الوقوف بوجه غطرسة أمريكا وحروبها، والظهور بمظهر ممثل الاحتجاج الجماهيري وخصوصاً في العالم العربي. وهذا هو نفس التوقع الذي أعلناه في بداية التهديدات الأمريكية. ومسار ما يقارب العام الماضي برهن على صحة هذه الحقيقة. وبقدر تعلق الأمر بدور أمريكا في نفس الساحة السياسية العراقية، ليس هناك أوضح من أنها لم تتخذ دور معاداة مد الإسلام السياسي والتصدي له، وليس هذا فحسب بل إنها منحته أكبر وزن في المجلس والإدارة التي أنشأتها. وأصبح وجود القوات الأمريكية في العراق مصدر تقوية كل أجنحة الإسلام السياسي، وقد وقفت تلك الأجنحة مقابل أمريكا وفي جبهة "مقاومة المحتلين"، وجعلت من وجود القوات الأمريكية ذريعة لحشد القوى والاستعراض، وأولئك الذين كانوا يقفون ضمن إطار مخططات أمريكا حصلوا على أكبر الامتيازات منها.
لذا فإن أمريكا ومخططاتها هي عامل تقوية الإسلام السياسي وبقائها في العراق سيؤدي الى هذه النتائج. وما يبدو ظاهرياً أنه سبب عدم فسح أمريكا المجال أمام وقوع السلطة مباشرة بيد الإسلاميين وتفسير ذلك كنوع من التصدي لمد الإسلام السياسي، يكمن في أن جذوره الأصلية تعود في الحقيقة الى أن توازن القوى في المجتمع العراقي لم يكن يسمح بتسليم السلطة للإسلام السياسي, وقد تعاملت أمريكا مع الأمر بموجب توازن القوى هذا. وإلا فليس لامريكا أية مشكلة أصلية في جعل مجموعة من الجماعات الإسلامية والعشائرية المطيعة لها كما هو الأمر في أفغانستان كابوساً يخيم بظلاله على الجماهير. ولم يكن لها مشكلة مع فرض الأحكام الإسلامية وعبودية النساء وقمع المدنية وحرمان الجماهير من حقوقها، وقد أعلن عن هذا بأشكال مختلفة على ألسنة المسؤولين الأمريكيين بشكل مباشر. إن لأمريكا صراعاً فقط مع تلك التيارات الإسلامية التي تتمرد عليها ولا تخضع لسياساتها، وهذه التيارات قد استفادت في الحقيقة من الصراع مع أمريكا وأستقوت به وليس العكس.
إحباط دور الإسلام السياسي وإبطال مفعوله قد أصبحت قضية ملقاةعلى عاتق جماهير العراق وينبغي لهذه الجماهير أن تقوم بها مباشرة. ان الاعتماد على سياسات ومخططات أمريكا الرجعية لن يعفي الجماهير من مسؤولية هذه الحرب. وبالعكس فإن معسكر الحركة الاشتراكية والتحررية والعلمانية لجماهير العراق وبالدرجة التي يكون فيها قادراً على التحول الى قوة فاعلة ومؤثرة لإخراج القوات الأمريكية، بنفس الدرجة بإمكانه تغيير مجمل توازن القوى لصالحه وسحب البساط من تحت أقدام الإسلام السياسي. فخروج القوات الأمريكية هو محور رئيسي في صياغة مستقبل العراق، والقوة والجبهة التي ليس لها دور مؤثر في الإجابة على هذا المطلب وهذه الضرورة، لن يكون لها دور مؤثرة في صياغة مستقبل العراق، والعكس صحيح. ترك هذه القضية للإسلام السياسي، يعني الوقوف على هامش المسارات السياسية وترك مستقبل العراق السياسي للإسلام السياسي.
ولكن وبمعزل عن مكانة هذه القضية في صياغة مستقبل العراق، ليس هناك أكثر وضوحاً وبديهية من أن وجود القوات الأمريكية في العراق الآن أوجد أخطر مناخ إرهابي وانعدام للأمن، حطم أسس المجتمع والمدنية، ولم يترك مجالاً لحياة الناس. وبسبب كل هذه الدلائل ينبغي خروجها من العراق. غير أن خروج القوات الأمريكية ليس مطلباً وشعاراً جامداً وأحادي البعد، أو بمعنى آخر ليس بإمكانه أن يكون بحد ذاته هدفاً يوصل الجماهير الى أهدافها. فقد رفعت جماهير العراق مطلب خروج أمريكا من أجل الخبز والأمن والحرية والمستقبل الأفضل، وهذا يتطلب أن يتقدم هذا النضال الى الأمام متمحوراً حول استراتيجية واضحة وشاملة بإمكانها ضمان وتأمين أهداف الجماهير. فليس هناك من قوة وحركة تقوم برفض أوضاع ما وتترك مكانها خالياً بل تضع بديلها بدلاً عنها. والحركة التي يناضل الحزب الشيوعي العمالي لتنظيمها وقيادتها، هي حركة ينبغي عليها وبالتزامن مع إخراج القوات الأمريكية، أن تحبط دور الإسلام السياسي والقوى القومية والعشائرية وتنهي السيناريو الأسود وتحل محله بديلاً إنسانياً وعلمانياً وتقدمياً. وما يمكنه ضمان ذلك حركة جماهير العمال العريضة والنساء والشبيبة والجماهير التحررية والعلمانية، كحركة جماهيرية وقوية شاملة متمحورة حول برنامج عمل واضح بقيادة الحزب الشيوعي العمالي، بإمكانها وبالتزامن مع إخراج القوات الأمريكية، ضمان وتأمين الخبز والأمن والحرية في المجتمع عن طريق إقامة حكومة علمانية غير قومية وغير دينية، وتطرح سبيل حل مناسب لكافة معضلات المجتمع، وكذلك تحبط دور الإسلام السياسي والقوى الرجعية أيضاً.
ومن غير شك أن خروج القوات الأمريكية وإقامة سلطة علمانية غير قومية وغير دينية مستندة لمشاركة الجماهير وتدخلها المباشر، خصوصاً في الأوضاع المعقدة والمتشابكة الحالية، من الضروري لها أن تجري ضمن إطار خطة واضحة وعملية دقيقة. وهذا ما سيضمن مضي الأوضاع وأمن الجماهير نحو التحسن. والخطوط العامة لهذه الخطة والعملية تم بحثها في الجزء الثاني من سلسلة المقالات هذه، والتي هي باختصار عبارة عن تشكيل حكومة مؤقتة من ممثلي الجماهير، للإمساك بإدارة المجتمع العراقي بقصد تحقيق الخبز والأمن والحرية، وكذلك توفير أسس ومستلزمات انتخابات عامة للقرار ، غير القوات الأمريكية وحلفائها في الحرب ضد العراق، تقديم هذه المساعدة والتعاون. لأن بقاء القوات الأمريكية كما قلنا فيما سبق وبأية ذريعة كان لا يساعد في تحقيق الأمن والاستقرار بل أنه يؤدي هدم الأمن والاستقرار أكثر.
التتمة في العدد القادم