يومان تاريخيان

تعرفي على منصور حكمت

 

ريبوار أحمد

تعرفت على منصور حكمت لأول مرة في بداية الثمانينات من خلال قراءة كراسه المعنون (دورنماى فلاكت واعتلاى نوين انقلاب-أبعاد المجاعة والنهوض المجدد للثورة). وكان يجري تناقل الترجمة الكردية لهذا الكراس المكتوبة بخط اليد على أوراق دفتر مدرسي بين أوساط اليسار يداً بيد. وكان فيه الكثير من الأفكار والتصورات والمقولات الجديدة بالنسبة لنا. بعد ذلك حصلت على كراس (سه منبع وسه جزء سوسياليسم خلقى ايران-مصادر الاشتراكية الشعبية الإيرانية الثلاثة وأجزائها المكونة الثلاثة) وشعرت حينها على حد معرفتي وإطلاعي أنه لا يمكن مقارنته بمستوى تلك المواضيع التي يتناولها اليسار العالمي في تلك الفترة. وتوجهت أنظاري بسرعة نحو نهج وخط منصور حكمت وبدأت بالتعرف عن كثب عليه. وكنت أتطلع لسنين أن التقي به وهذا ما حصل في الثامن من أيلول من عام 2000 في مدينة استوكهولم السويدية، حيث تعانقنا بحرارة. كنت قد فكرت سابقاً و خططت كي أتعامل و أتحدث معه بطريقة ما، ولكن بعد دقيقة أو دقيقتين كانت أول ردود أفعاله على درجة مذهلة من البساطة والإخلاص والتعامل الحميم بحيث ألغت كل ما خططت له سابقاً، حيث شعرت وكأنني أتحدث وأتعامل مع رفيق أعرفه منذ زمن طويل وقطعنا وقتاً طويلاً مع بعض.

حين قرأت أول كتاباته شعرت أن له اختلافاً كبيراً مع ما كنت أسمعه من اليسار المعاصر في ذلك الحين، وحين قرأت الكراس الثاني شعرت أن فيلسوفاً متوقد الفكر وكبير السن قد كتبه. ومن المؤسف أن تعرفي على منصور حكمت مر بعملية طويلة جداً، فلسنوات كنت فقط أقرأ كتاباته، ثم كنت استمع لصوته من خلال الأشرطة الصوتية، وبعد سنوات رأيت صوره التي لم تكن تشبه الصور التي رسمتها له في خيالي، ثم كنا نتحدث مع بعض من خلال التلفون، وفي خاتمة المطاف حين التقيت به مباشرة كان من المؤسف أنه يقضي آخر سنين عمره الأمر الذي لم أتصوره ابداً.

في هذه العملية كان لكل شيء منه تأثيره عليّ، ولا أعتقد أن هناك أي تشابه بين ما قبل التعرف على منصور حكمت وما بعده، سواء من ناحية التفكير والفكر السياسي وكذلك من ناحية التعامل والسلوك الاجتماعي، لقد غير فينا كل شيء من الجذور. ولكن ما كان له تأثير كبير مفاجئ عليّ هو رؤيته. لقد شعرت أن لكل شيء فيه مصدر للتعلم والمعرفة. إنني أتصور أن كل شخصية وبالرغم من أهمية أفعالها ودورها وكتاباتها وتقييم الآخرين لها، إلا أن رؤية أسلوب تعاملها وسلوكها هي في خاتمة المطاف معيار مهم جداً لمعرفتها. وأتصور أن أي شخص إذا كان قد قرأ كل كتابات وأبحاث منصور حكمت، ولكن إذا كان لم يرَ في النهاية عن كثب السلوك الراقي والمساواتي والإخلاص والبساطة والاحترام القليلة النظير لمنصور حكمت، فإن سيبقى غير قادر على إدراك الحكمة والخصائص الكبيرة والنادرة له بشكل ملموس. وقد قلت في العام الماضي في مراسيم الاحتفاء بمنصور حكمت في مدينة السليمانية، أن آخر جملة له ترن باستمرار في أسماعي، حيث أنني حين أردت أن أقول كم كان هذان اليومان لوجودنا مع بعض مهمين بالنسبة لي، بادرني هو بالقول: (ريبوار جان اين ديدار براى من خيلي مهم بود، خيلى استفاده كردم-عزيزي ريبوار لقد كان هذا اللقاء مهماً جدا بالنسبة لي، لقد استفدت الكثير منه). لقد تعلمت الكثير من الدروس من هذا اللقاء، لقد كان هذان اليومان تاريخيين في حياتي.