مقابلة صحيفة الزمان مع ريبوار أحمد
نظمت صحيفة الزمان مقابلة مع ريبوار احمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب قبل ايام ونشرت يوم 13-6-2004 نبذة منها وبتغييرات. لذا وبسبب أهمية الموضوع رأينا من الضروري نشر نص المقابلة.
الزمان: ما هي رؤياكم لمستقبل الوضع السياسي في العراق؟
ريبوار أحمد: يمر العراق بأوضاع عسيرة ومعقدة ووخيمة. ومستقبل هذا المجتمع يترنح أمام احتمالات متنوعة ويقف أمام مفترق طرق. غير أن صراع القوى والبدائل المختلفة هو ما يقرر، في خاتمة المطاف هذا المستقبل. وبتصوري فإن قوى جبهة يمين المجتمع قد بينت سواء ببدائلها ومشاريعها من قبيل (البيان الختامي لمؤتمر لندن، قرارات مجلس الحكم، قانون إدارة العراق…) أو بدورها وممارساتها خلال السنة الماضية على الأقل، بينت أن ما تسعى من أجله ليس له أي قرابة مع ذلك المستقبل الذي كانت تتطلع أليه جماهير العراق وتحلم به لسنوات طويلة، فما وضعته تلك القوى على جدول أعمالها ليس له أية علاقة من قريب أو بعيد بالحرية والرفاه والمساواة والحياة اللائقة بالإنسان المعاصر. وقد بينت أن سلطتها ليست سلطة الجماهير، وفي برامجها العملية ليس هناك أية مكانة للجماهير ودور الجماهير وإرادة الجماهير ومطالب ومصالح الجماهير. بل تجبر الجماهير على القبول ما يفرض عليها وبالضد من إرادتها. لذا لو تم تقرير مستقبل العراق وفق بدائل ومخططات جبهة يمين المجتمع، فإن كافة التغييرات ستكون باعتقادي شكلية وعديمة المعنى مقارنة بعهد البعث، حيث سيلقي القمع بظلاله، وسيتم الإبقاء على التمييز بين المواطنين وسيتم تقسيم المواطنين على أساس جنسي وقومي وطائفي وحتى عشائري ومنحهم مكانة ومنزلة متفاوتة ومختلفة مع بعضهم البعض. وستقولب الحكومة والقانون والدستور القومي والديني والعشائري والتقاليد المتخلفة حياة الجماهير، وسيتم إعادة بناء أجهزة القمع وتعود السجون والتعذيب والإعدامات، وستسمم الصراعات الرجعية القومية والدينية حياة الجماهير وتجعلها مريرة.
وإذا تقرر المستقبل وفق بديلنا وبديل اليسار، سيكون له من الأساس اختلافاً شاملاً وتاماً مع عهد البعث والعهد الحالي ومع مجمل التاريخ العراقي حتى الآن. حيث ستتأسس حكومة عصرية تحررية مستندة الى إرادة الجماهير تضمن وتؤمن الحرية والمساواة الحقوقية بين المواطنين والرفاه.
وعلى الرغم من أن جبهة اليمين تتمتع بالدعم والتعاون المباشر من أمريكا والغرب ودول المنطقة الرجعية وأن توازن القوى في صالحها، إلا أن هذه القضية بتصوري مازالت غير محسومة. فالمعضلة الكبرى التي تعانيها جبهة اليمين هي أنها تفتقر الى البديل الشامل القادر على تمثيل الطبقة البرجوازية على الصعيد العام، وكل قواها هي قوى ذات طابع محلي ومحدود بمنطقة معينة من مناطق العراق بسبب تمسكها بالقومية والدين والطائفة، وبناء توليفة وخلطة غير متجانسة من هذه القوى المتناقضة والمنقسمة في بديل عام وشامل هي مهمة فاشلة ولن تكون لها نتيجة. فالمستقبل المشرق مرهون فقط بانتصار بديل اليسار والشيوعية.
الزمان: كيف تنظرون الى تشكيل الحكومة العراقية الجديدة و تعيين الدكتور أياد علاوي لمنصب رئيس الوزراء و غازي الياور لرئيس الدولة؟
ريبوار أحمد: إنني أرى هذه الخطوة تماماً ضمن إطار التحليل الذي طرحته فيما تقدم حول جوهر وأسلوب جبهة اليمين. بتصوري أن قرارهم هذا هو الدليل الصارخ والواضح على عدائهم للحرية وإرادة الجماهير وحتى تلك الديمقراطية التي أفسدوا عقول الجماهير وأوهموها بها. مجلس غير شرعي وصنيع قوة احتلال غير مشروع، يقرر دون اتخاذ أي أسلوب وآلية لتدخل الجماهير وحتى لاستفتاء الجماهير وسؤالها عن رأيها، يقرر حول تعيين رئيس الوزراء. في الحقيقة أن هذه هي كل ديمقراطيتهم وإذا سارت الأمور وفق رغبتهم سيحدد نظام الحكم وكافة المناصب الأخرى بهذا الشكل وبأسلوب مشابه لهذا الأسلوب وستفرض على الجماهير. إن جُلَّ ما يفخرون به هؤلاء أنفسهم "التجربة الديمقراطية للأحزاب القومية الكردية" خلال ثلاثة عشر عاماً الماضية في كردستان، في الوقت الذي أخذت فيه الأحزابُ الكردية رأي الجماهيرَ مرة واحدة فقط خلال تلك المدة الزمنية الطويلة الى أمام صناديق الاقتراع، وحتى أن أكبر عمليات التزوير قد جرت،بشهادة كلا الطرفين، في تلك الانتخابات، وقد كشف كل طرف الأدلة التي بحوزته ضد الطرف الآخر. ومع ذلك لم تعمل وفق نتائج تصويت الجماهير بل قسمت السلطة مناصفة فيما بينها على أساس توازن القوى العسكرية. ومنذ ذلك الوقت راحت تجثم على أفئدة الجماهير وتتلاعب بها وبوارداتها وتفرض حكمها على الجماهير بقوة المليشيا. فالاستلهام من هذه التجربة لغرس الديمقراطية في العراق لن يثمر إلا ما نراه الآن.
بتصوري لقد تحرك مجلس الحكم والأمم المتحدة وأمريكا بالضد من إرادة أغلبية جماهير العراق، سواء بأسلوبهم أو باختيارهم. القضية الجوهرية هي ليست، باعتقادي، أن أياد علاوي أو الياور أو فلان من الناس تم اختياره لهذا المنصب، بل إن أسلوب وطريقة القرار وأسسها تكشف جوهر وماهية القوى التي تكمن خلفه وتكشف جوهر القرار نفسه. وبقدر تعلق الأمر بشخصية أياد علاوي، فإنه في الحقيقة معروف لدى جماهير العراق كشخصية ذات ماضي بعثي ومعروف كأحد المتعاونين مع النظام السابق في فترات معينة، وأول فتاواه من منبر مجلس الحكم بشرى إعادة العمل بحكم الإعدام. أنا لم أرَ، عدا هذه، أي مشروع وخطة ودور جدي حتى الآن من أياد علاوي ولا أتصور أنه يمثل أحداً في العراق عدا نفسه وعدا من حددوه لهذا المنصب من أجل أهدافهم ومصالحهم الخاصة. وحول الياور إن افتخاره بزي عشائري بحد ذاته لعمري دليل حول برامج وخطط عمله. إنني أتصور أن هذه الخطوة هزيلة ولا يمكنها الرد على قضية الحكم، ولا يمكن وضعها إلا في إطار خدمة أمريكا ومشاركتها في أهدافها ومصالحها. نحن نرفض ونستنكر هذه الخطوة وكل هذا المشروع والأسلوب لفرض نظام الحكم بوصفها سحق فاضح لإرادة جماهير العراق، فالقرار على هذه القضية هو حق جماهير العراق، وليس حق أمريكا وحلفائها وتبعها وعملائها وحتى ليس حق الأمم المتحدة.
الزمان: هل تتوقعون سلامة العملية الانتخابية؟
ريبوار أحمد: من الأفضل، في الرد على هذا السؤال، أن أتحدث عن المعايير والظروف التي يمكن أن تقدم العملية الانتخابية في ظلها بشكل نزيه. وإلا فليس هناك من شك أن أمريكا وقوى مجلس الحكم وجبهة اليمين بمجملها، ليس لديها ذرة اعتقاد في أن تحدد حكومة العراق المستقبلية من خلال التصويت الحر للجماهير. ليس هناك ذرة شك في أن برامجها المنفردة والمشتركة هي فرض بديلها على الجماهير بقوة السلاح. إن هؤلاء ليس فقط هذا هو الذي لن يتركوه للجماهير وتصويت الجماهير بل وأنهم لن يلتزموا حتى فيما بينهم بالتصويت والانتخابات. وأفضل دليل على ذلك تجربة كردستان التي يفتخرون بها بدلاً من اعتبارها تجربة مريرة ضد الديمقراطية.
لو كانت أمريكا وبريطانيا عملتا برأي جماهير أمريكا وبريطانيا ما كان عليهما إشعال نار الحرب، ولو كانتا قد عملتا برأي جماهير العراق لكان عليهما مغادرة العراق منذ زمن طويل قبل الآن. والقوى الإسلامية ليس لها أي اعتقاد من الأساس بالحرية وحرية تعبير الجماهير، فلو كانت الأمور بيدهم سيرسل من لا يمنح صوته للحكومة الإسلامية الى جهنم بتهمة الكفر، ومن منظارهم يعتبر الإنسان عبد تقرر له السماء ما يجب أن يفعله لا أن يفكر هو ويتحرك وفق ما يفكر به وبموجب رأيه الشخصي. أما القوى القومية الكردية كانت تؤيد لسنوات القضاء على بعضها البعض وقتل مخالفيها ومعارضيها. لحد الآن مازال النشاط الحزبي والمنظمات الجماهيرية والصحف السياسية ممنوعة في ظل سلطة الطالباني. ومن ضمن ذلك أنه وبعد أن أغلقت مقراتنا بقوة السلاح مازال يعتبر نشاط حزبنا ممنوعاً. منذ سنة وهو يماطل ويؤجل في منح إجازة النشاط لمنظمة جماهيرية مثل (منظمة حرية المرأة). ومنذ الوقت الذي كان يتمرن فيه الطالباني في بغداد على الديمقراطية، كان حملة الأقلام في حزبه يكتبون على صفحات جرائده بصراحة أن من لا يمتثل لإرادة الاتحاد الوطني الكردستاني، فإن لدى الاتحاد (مطرقة جاهزة وستجعل الآخرين عقلاء بقوة السلاح). لذا لا يمكن الانتظار من هؤلاء الالتزام بالانتخابات والتصويت. قوة السلاح هي المنطق الرئيسي لكل من أمريكا والقوى العراقية المشاركة معها في مخططاتها لفرض بديلها، وقد أنشأت قواتها المسلحة لهذا الأمر.
بتصوري حين يراد أن تسير العملية الانتخابية بشكل حر ونزيه، فإن ذلك يتم حين تمنح فترة كافية لكل الأطراف كي تمارس نشاطها الحر وغير المقيد والمشروط على صعيد عموم العراق، وحين تستفيد كل الأطراف بشكل متساوي من الإمكانيات اللازمة لإيصال صوتها ومشاريعها وبرامجها وبدائلها الى الجماهير، وتتعرف الجماهير عن كثب على البدائل المختلفة. ثم حين يتم الاقتراع والتصويت الجماهيري الحر، بإشراف جهة دولية محايدة، بعيداً عن أية ضغوط وعمليات تلاعب وتزوير. وبدون كل هذا لن يكون التصويت الحر سوى كلام فارغ وهزيل.
الزمان: ما هو تصوركم لما بعد الثلاثين من حزيران وهل ستوفق الحكومة المقبلة في شؤون البلاد وإنهاء الاحتلال؟
ريبوار أحمد: بتصوري ستستمر نفس الأوضاع الحالية مع بعض التغيير الشكلي تماماً بعد الثلاثين من حزيران. سيبقى فراغ الدولة وقضية الحكم على حالها. والحكومة المؤقتة المقرر تشكيلها لا يمكنها الرد على قضايا ومعضلات المجتمع الجدية والكبيرة، ليس لها أية ركيزة وسند جماهيري، ولا تعبر عن إرادة الجماهير بل هي وسيلة بيد أمريكا لتنفيذ المخططات الأمريكية. لا يمكنها الخروج على الأوامر الأمريكية وسلطتها سلطة كارتونية. إن الاحتلال، بتصوري، لن ينتهي وليس هذا فقط بل إن جانباً رئيسياً مما يقصده هذا الطرح والمخطط، إضفاء طابع شرعي على هذه القضية وعلى بقاء القوات الأمريكية في العراق بشكل آخر، حيث ستبقى القوات الأمريكية هذه المرة تحت ذريعة طلب "حكومة العراقيين" وليس بعيداً أن تتم زيادة عدد تلك القوات. ليس في مخطط أمريكا الخروج من العراق، إلا إذا أخرجت. وهذه هي مهمتنا ومهمة ووظيفة الجماهير التحررية لا مهمة عملاء أمريكا وذيولها. أنا لن أنتظر أي تغيير بعد الثلاثين من حزيران يؤدي الى تحسن الأوضاع أكثر، لا من الناحية الأمنية ولا من ناحية إعادة المدنية والنظام السياسي والاجتماعي وحياة الجماهير. بل إن الحكومة التي هم بصدد تأسيسها والقانون الذي صاغوه هو بمجمله بديل ومخطط لإبقاء المجتمع في مستنقع السيناريو الأسود الحالي.
الزمان: ما هو موقف الحزب من مجمل المسيرة السياسية في العراق؟
ريبوار أحمد: مثلما أشرت سابقاً نحن نعتبر المسار الذي تم خلقه في العراق سيناريوهاً أسود، بمعنى انتفاء وجود أي نظام ومعايير وإطار مدني للحياة الاجتماعية الاعتيادية والروتينية والرفاه والأمن والاستقرار والحقوق المدنية للجماهير. أي أن أوضاعاً خُلقت بإمكان أية جماعة في ظلها تسليح نفسها من خلال الارتباط بدولة رجعية ومنبع من منابع الإرهاب وفرض نفسها بقوة المليشيا على الجماهير وقولبة الحياة والنشاط والفعالية الاجتماعي حسب أهدافها وتقاليدها وسننها.
مجتمع مدني ومليوني فرض عليه قانون الغاب، فكل شخص أو طرف يمتلك قوة أكبر بإمكانه التهام الأضعف منه. لقد توقعنا حدوث هذا السيناريو الأسود، ومنذ اللحظة لأولى لبدء تهديدات أمريكا بالحرب ضد العراق، قلنا أن هذه الحرب إذا قامت ستخلق سيناريوهاً أسود، وهذه واحدة من الدلائل على ووقوفنا ضد الحرب.
إن خطتنا ومسعانا هو لإيقاف سيناريو الدمار وانهيار المدنية هذا، سيناريو الإرهاب والصراعات الرجعية بأسرع ما يمكن. والعمل على إعادة تنظيم المدنية وإعادة الحياة الاجتماعية الطبيعية. وهذا مرهون قبل كل شيء بخروج أمريكا وحلفائها من العراق وإقامة حكومة علمانية غير قومية تستند الى إرادة الجماهير قادرة على تمثيل مطالب وإرادة الجماهير. وكخطوة عاجلة، بهذا الصدد، يجب تأسيس حكومة مؤقتة من ممثلي الجماهير، على سبيل المثال يمكن تأمين هذا التمثيل منذ الآن من خلال عقد مؤتمر موسع يتشكل من ممثلي الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية والمؤسسات المدنية. وتقوم هذه الحكومة المؤقتة بجملة من الخطوات العاجلة لتأمين الرفاه والأمن والحرية، وتفسح المجال، في الوقت نفسه، كي تتمكن جماهير العراق من القرار بوعي وحرية على الحكومة المقبلة. وتتخذ الخطوات التالية لهذا الغرض:
إخراج أمريكا وحلفائها من العراق بوصفها العامل الرئيسي لانعدام الأمن الحالي. وتصون الحكومة المؤقتة بالتعاون مع قوة دولية من غير أمريكا وحلفائها في الحرب، أمن واستقرار البلاد.
توفير مستوى معيشة لائق بالإنسان لكل مواطن.
فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم.
المساواة التامة في الحقوق بين المرأة والرجل.
المساواة التامة بين كافة المواطنين بمعزل عن القومية والدين والمذهب والعنصر.
الاعتراف بحق جماهير كردستان في القرار على البقاء مع العراق أو الانفصال وتأسيس دولة مستقلة في استفتاء حر.
الحرية السياسية غير المقيدة وغير المشروطة، حرية المعتقد والتعبير والنقد والتنظيم والاحتجاج للجميع.