سيناريو صياغة الدستور وحقوق
الجماهير
ريبوار أحمد
حين برز الى
الواجهة سيناريو الانتخابات
الخادع قلنا أن هذه هي مؤامرة
تجري ضد كافة جماهير العراق.
فأمريكا تريد الاستمرار
بمخططها في الاحتلال، فيما
يريد الإسلام والحركة القومية
كحركتين سياسيتين رجعيتين
ومساندتين للمخطط الأمريكي،
فرض سلطتهما وبديلهما على
الجماهير من خلال خدمة
السياسة الأمريكية والاستفادة
من الأوضاع المأساوية
الحالية. ولم تخدم الانتخابات
أي شيء آخر عدا هذا الهدف
الرجعي لأمريكا والقوى
القومية والدينية. فقد عمقت
أكثر من أوضاع غياب الأمن
والفوضى والاضطراب، وزادت من
وطأة أجواء الرجعية والحرمان
من الحقوق. في نفس الوقت قلنا
أن هذا السيناريو يطوق أعناق
جماهير كردستان بقيود الحرمان
من الحقوق، ويعيد كردستان الى
ظل الإلحاق الإجباري بالدولة
المركزية العراقية. وهذا ما
سيكون ثمن ضمان امتيازات
لأحزاب الحركة القومية
الكردية.
والآن وبعد
مرور أشهر عديدة على مهزلة
الانتخابات وتشكيل حكومة
الطالباني-الجعفري التي تألفت
من أحجار متداعية، تجسدت
توقعاتنا بشكل تام. فهذه
الحكومة لم تجلب لجماهير
العراق على الصعيد العام غير
الرجعية، ولم تجلب غير إشاعة
الفقر والاضطراب والفوضى
وانعدام الأمن. علاوة على كل
ذلك راحت تقمع الجماهير بشكل
وحشي، حيث يشكل قتل وإغراق
جماهير السماوة بالدماء
نموذجاً بارزاً لهذا القمع.
لقد برهنت هذه الحكومة في هذه
الفترة القصيرة حقيقة تناقضها
الشديد والأعمى مع كافة
الأماني والتطلعات التقدمية
والبديهية للجماهير.
وبقدر تعلق
الأمر بالحقوق الخاصة لجماهير
كردستان، فإنها تتعامل معها
بنفس المنطق البعثي المستخدم
لعشرات السنين. اليوم يبدو من
الواضح تماماً أن الجعجعة
بصدد الفيدرالية
والبند (58) من قانون إدارة
العراق ومنصب الرئاسة الممنوح
للطالباني وبقية الضمانات
الأخرى المقدمة للحركة
القومية الكردية ليس لها أية
أهمية. ويتضح اليوم أكثر من
أي وقت آخر أن هذه هي أسس
ومواضيع صراعات رجعية قومية
في سبيل أهداف الحركة القومية
الكردية وليس حقوق جماهير
كردستان. هذه هي الأهداف
القومية التي يتم تهديدها
دائماً من قبل الحلفاء
الإسلاميين والقوميين العرب
ويسحق كل مرة جزء منها وبشكل
معين. الدستور المقترح هو
دليل على هذه الحقيقة.
في الحقيقة إن
سيناريو صياغة الدستور الجديد
للعراق، هو مخطط آخر وخطوة
أخرى تم تنظيمه بعد مهزلة
الانتخابات في سبيل فرض حكم
قومي-إسلامي وتقسيم السلطة
بين قوى هذه الحركات.
فالمجتمع العراقي يتخبط في
قلب سيناريو مأساوي، وفُرضت
عليه أوضاع وقوانين الغاب،
والمعضلة الرئيسية لهذا
المجتمع هي الاحتلال والإرهاب
وانهيار أسس الحياة المدنية.
قبل معالجة هذه المعضلات
وبالقفز عليها، لن يتمكن هذا
المجتمع الخطو خطوة واحدة نحو
الاستقرار والطمأنينة ونحو
مستقبل أفضل. إن أية مخططات،
ومن ضمنها الانتخابات وقضية
الدستور، تسعى حرف أنظار
الناس عن المعضلة الأصلية
لهذا المجتمع، إنما تريد
الاستمرار بهذه الأوضاع
المأساوية. وبهذا ستساعد في
تحقيق الأهداف الرجعية لتلك
القوى التي تجد مصالحها في
تعميق وإدامة هذه الأوضاع.
بتصوري أن هذا هو الأساس
لاتخاذ موقف من هذه العملية
المنظمة باسم "صياغة الدستور
العراقي الجديد". إن القضية
والمعضلة الأصلية لعراق اليوم
ليست الدستور، بل إنهاء
الاحتلال والحرب وانعدام
الأمن وتأمين حق الجماهير في
القرار على نظام الحكم. ليس
لأمريكا وحلفائها وتبعها حق
القرار بهذا الخصوص، بل وإن
إخراجها هي وحلفائها وتابعيها
هو الشرط الرئيسي لإعادة حق
القرار على هذا الموضوع الى
الجماهير أيضاً. في نفس الوقت
فإن الأوضاع الحالية ليست
أوضاع صياغة والقرار على
دستور يؤمن حقوق وحريات
وأهداف الجماهير، بل هي أوضاع
تُفرض فيها قوانين الغاب على
المجتمع. لهذه الأسباب وقبل
الحديث عن الجوهر الفاشي
للدستور المقترح الغارق
بالرجعية الإسلامية
والشوفينية العربية والتعصب
القومي الكردي، ينبغي إحباط
وإفشال هذا السيناريو بمجمله
بوصفه مشروعاً ومخططاً تم
تنظيمه لغرض خداع الجماهير
وتضليلها وإبعادها عن القضية
والميدان الأصلي لنضالها وفرض
حكم إسلامي-قومي وفرض قوانين
الغاب.
حقوق جماهير
كردستان
تسعى الحركة
القومية الكردية أن تصور
الأمر لجماهير كردستان وكأن
الفدرالية والبند (58)
ومجموعة من المسائل
المتهرئة
الأخرى، تشكل مطالب وحقوق
جماهير كردستان وضمانة تحقيق
تلك الأهداف. وبهذا تريد جعل
جماهير كردستان ذخيرة
لصراعاتها الرجعية من أجل
أغراضها الخاصة. ولكن في
الواقع فإن هذه المسائل التي
تمسك بها الحركة القومية
الكردية بيدها، ليس لها أية
صلة بمصالح وأهداف جماهير
كردستان للخلاص من التمييز
القومي وتهديد الظلم القومي
والتطلع لحياة حرة ومثمرة. بل
إنها جميعها في سبيل حماية
سلطتها المفروضة الآن والحصول
على امتيازات أكثر،
بالاستفادة من الأوضاع
المأساوية الحالية في العراق.
الفدرالية
الفدرالية هي
مشروع من أجل أن يكون للاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي
الكردستاني حصة في الحكومة
المركزية وكذلك كي يكونا
حكاماً على جماهير كردستان
والاستمرار بالفساد الإداري
والسلب والنهب والرجعية
والقمع الذي ورطا المجتمع فيه
لأربعة عشر عاماً. الفدرالية
هي مشروع لتعميق الصراع
القومي في خدمة أهداف وأغراض
الحركة القومية الكردية. وكما
نرى اليوم فإن في كل خطوة
تخطو فيها القوى القومية
والدينية، يشتعل الصراع على
الفدرالية، وإذا وجدت
الفدرالية لها مكاناً في
دستور هذه القوى ستتحول نفسها
وتعريفها وحدود سلطتها الى
أساس للحرب والصراع كل يوم
وفي كل توازن قوى جديد.
ومن الجانب
الآخر تحولت الفدرالية
الرجعية للحركة القومية
الكردية الى مشروع لإغراق كل
المجتمع العراقي في الرجعية.
فالاتحاد الوطني والحزب
الديمقراطي الكردستاني يقفان
خلف أكثر البدائل السياسية
رجعية للعراق من أجل ضمان
فدراليتهما. وبالرغم من أنهما
يتظاهران في بعض الأحيان
بالعلمانية لذر الرماد في
عيون الجماهير، إلا أنها على
استعداد للوقوف خلف الدستور
الفاشي الإسلامي والقومي بشرط
أن الإقرار لهما بالفدرالية
بحصتهما من السلطة، هما على
استعداد للتحالف مع أكثر
القوى الإسلامية سواداً بشرط
ضمان تحقيق أغراضهما، هما على
استعداد لتوريط المجتمع بوباء
الإسلام وإغراقه في المآسي
بشرط تأمين حصتهما، وهما على
استعداد للوقوف خلف ابتلاء
نساء العراق بالمصائب التي
عانتها النساء في ظل سلطة
طالبان والجمهورية الإسلامية
بشرط تحقيق أهدافهما. إن هذه
القوى جعلت من القومية
والطائفة معياراً وأساساً
لحقوق المواطنين، كي تقوم كل
واحدة منها بفرض نفسها على
جماهير منطقة معينة. على هذا
الأساس فإن الحركة القومية
الكردية وكما جعلت نفسها
ناطقة باسم جماهير كردستان
وتطرح أغراضها تحت تسمية حقوق
جماهير كردستان كشرط للاتفاق
على الدستور، فإنها تعتبر
بنفس الشكل أن من حق القوى
الفاشية القومية والإسلامية
الأخرى في العراق تحت تسمية
عروبة وإسلام المجتمع العراقي
وتشيع وتسنن جماهيره توريط
هذه المجتمع بالقوانين
والتقاليد الإسلامية والقومية
العربية المتهرئة وجعل كل
منطقة ميداناً لسلطة جماعة
قومية ودينية. كل واحدة من
هذه القوى مستعدة لإطلاق
المديح لأكثر الأغراض الرجعية
للقوى الأخرى بثمن جعل
أغراضها الرجعية هي مقبولة،
وبهذا تجعل من جماهير العراق
وكردستان وحقوقها ضحية
متاجرتها مساوماتها الرجعية.
البند (58) من
قانون إدارة العراق
ثمة قضية أخرى
تعتبرها الحركة القومية
الكردية مكسباً كبيراً وتثير
الضجيج حولها هي البند (58)
من قانون إدارة العراق الذي
له نفس المضمون الرجعي
والقومي للفدرالية. ما يظهر
وكأن الأسف والنواح هو على
حقوق الجماهير الناطقة
بالكردية والمرحلين من كركوك،
ولكن جوهر المسالة هو التضحية
مرة أخرى هذه الجماهير في
سبيل حصة الحركة القومية
الكردية من السلطة. فالاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي
الكردستاني يريدان إشعال فتيل
حرب قومية مدمرة تتحول فيها
أفواج الجماهير الناطقة
بالكردية والعربية والتركية
الى ضحايا وقرابين بعكس
مصالحها الواقعية. الحركة
القومية الكردية في معالجتها
لمشكلة كركوك تحتكم الى نفس
المنطق البعثي. فالنظام
البعثي طرد الناطقين بالكردية
من هذه المدينة بالضغط
والإكراه والقمع وجلب الناس
الناطقين بالعربية بدلاً
عنهم. والآن تستفيد الحركة
القومية الكردية بنفس الشكل
من كل سبيل لتصيد الناطقين
بالعربية وحتى الترحيل
الإجباري للناطقين بالكردية
من المدن الأخرى وجلبهم الى
كركوك كي تمنح بهذا الشكل
طابعاً قومياً كردياً لمدينة
كركوك.
ولكن سياسة من
هذا النوع وعدا عن أنها
معادية للإنسانية وتريد إيقاد
نار حرب تصفية قومية، فإنها
في نفس الوقت لا تشكل فقط
تهديداً للناطقين بالعربية
والتركية من أهالي كركوك، بل
تشكل بنفس الدرجة خطراً
كبيراً للناطقين بالكردية من
أهالي كركوك وكافة مدن العراق
الأخرى. فلنتصور كيف ستكون
الأمور لو تمت بموجب أوامر
نوشيروان مصطفى أمين مهاجمة
الناطقين بالعربية من أهالي
كركوك، وفي الطرف المقابل
تبدأ الحركة القومية العربية
بنفس المنطق بتنظيم المليشيات
لإبادة الناطقين بالكردية،
بالنتيجة أية مجزرة ستقام
لسكان هذه المدينة؟! كم ألف
من الناطقين بالكردية
والتركية والعربية سيتحولون
الى حطب لهذه الحرب؟! أي
مواطن سيبقى متمتعاً بالأمن
والاستقرار؟ ولو افترضنا أن
يكون للحركة القومية الكردية
اليد الطولى في كركوك بسبب
ميليشيا الاتحاد الوطني
والحزب الديمقراطي، ماذا سيحل
بالناطقين بالكردية من أهالي
الحويجة وسامراء وبغداد و…والبصرة؟
وفي الحقيقة علامَ هذه الحرب؟
على أية حقوق ستكون؟ أ على أن
يكون الاتحاد الوطني والحزب
الديمقراطي وزعمائهما حكاماً
عليها ويقومون مثلما قاموا به
في مدن السليمانية وأربيل
بالسلب والنهب والتحول الى
فراعنة فيها؟!
المعضلات وسبل
الحل وحقوق الجماهير
لا سيناريو
الانتخابات، لا المساومات
والتحالف بين الإسلام الشيعي
والحركة القومية الكردية
وتشكيل الحكومة القومية
الإسلامية، ولا سيناريو فرض
دستور فاشي قومي وديني، لم
تكن ولن تكون لأي منها أية
صلة بحقوق جماهير العراق
وكردستان. هذا الدستور
المقترح والذي يبدو أن على
الجماهير المختوم على جباهها
بالهويات القومية والطائفية
أن تقوم بمراجعته وتجد حقوقها
فيه، هو دستور يكمن اختلافه
عن دستور البعث فقط في أنه
أكثر رجعية وفاشية من دستور
البعث. إن دستوراً غارقاً
بالإسلام والشوفينية والتعصب
القومي ليس جديراً بغير
إلقاءه في مزابل التاريخ.
وعلى الجماهير التحررية أن
تدخل الميدان لإحباط وإفشال
هذه الحلقة الثانية من هذه
المهزلة. عليها أن تلملم هذه
السيناريو وتصعيد نضالها في
سبيل حقوقها وأهدافها
الواقعية.
ان
الميدان الواقعي لنضال وكفاح
الجماهير التحررية هو عبارة
عن إلحاق الهزيمة بهذه
المساعي والمخططات المنظمة
لفرض سلطة ودستور فاشي قومي
وإسلامي، النضال لإخراج
القوات الأمريكية وقوات
الحلفاء، تقصير يد الإرهاب
الإسلامي والحركة القومية،
إيجاد ظروف حرة ومستقرة
تستطيع الجماهير فيها القرار
بحرية ووعي على نظام الحكم
القادم في العراق. وفي عملية
نضال من هذا النوع مجيء حكومة
غير قومية وغير دينية وعصرية
مستندة الى الإرادة والتدخل
المباشر للجماهير، بإمكانها
إنهاء السيناريو الأسود
الحالي وإعادة الحياة المدنية
والرفاه للمجتمع. هذا هو جوهر
برنامج عمل الحزب الشيوعي
العمالي العراقي ومنشور مؤتمر
حرية العراق مقابل الأوضاع
الحالية، على قوى الجماهير
الوقوف في الميدان والانتظام
والاتحاد حول هذا البرنامج
العملي.
وبقدر تعلق الأمر بحقوق
جماهير كردستان، لا الفدرالية
ولا البند (58) وبقاء
البيشمركة، بإمكانها أن تضمن
أية حقوق ومستقبل مشرق، بل إن
أية واحدة منها هي مصدر
المصائب والتضحية بحقوق
جماهير كردستان. مطلب
الجماهير ومصالحها بوضوح
وصراحة هي إقامة استفتاء حر
في المناطق المسكونة من قبل
الكرد، وبضمنها كركوك
والمناطق المعربة، كي تقرر
الجماهير إن كانت تريد البقاء
مع الدولة المركزية أو
الانفصال وتأسيس دولة مستقلة.
وبالطبع لو كان في العراق
حكومة علمانية غير قومية وغير
دينية لا تسأل عن الهوية
القومية والدينية للأفراد
وتنظر الى كافة السكان بعين
المساواة على أساس المواطنة،
حينذاك ليس هناك أية ضرورة
للانفصال، وكان بإمكان جماهير
كردستان البقاء بطمأنينة
وراحة بال الى جانب بقية
جماهير العراق. ولكن في هذه
الأوضاع حيث أُلقي بالعراق
داخل دوامة الاحتلال والصراع
وتحول الى عطية لعتمة الإسلام
السياسي، لم يتبقَ فيه أي
مجال لتحقيق حقوق ومطالب
جماهير كردستان. لا الفدرالية
ولا أي شرط آخر بإمكانه ضمان
حقوق جماهير كردستان بهذا
الشكل ضمن إطار العراق. لذا
فإن سبيل الحل هو الانفصال
وتأسيس دولة مستقلة.
وقضية كركوك
ينبغي معالجتها بشكل إنساني
وبسبيل حل سياسي ومسؤول. فقد
أمسك النظام البعثي بفاشيته
بافتقار الناطقين بالعربية
للمسكن لدفع سياسة التصفية
القومية الى الأمام. الثأر من
سياسة التعريب التي قام بها
النظام البعثي بالانتقام من
المواطنين الناطقين بالعربية،
هو تماماً مثل قيام النظام
البعثي بالثأر من حرب
البيشمركة بالانتقام من
المواطنين المدنيين وسكان
القرى بالمجازر وعمليات
الأنفال. وهذا ما سيفتح جرحاً
عميقاً وغير قابل للشفاء في
جسد كافة جماهير العراق. ولكن
مدينة كركوك حالها حال كافة
المدن الكبرى في العالم
المعاصر بإمكانها أن تكون
مدينة سكن وتعايش كافة أولئك
الناس الذين ينطقون بمختلف
اللغات. الإنسانية والمواطنة
هي أساس لحق السكن، وليس لغة
الحديث والطائفة والقوم
والعشيرة. أرض وأوكسجين وصخور
كركوك هي كثيرة لدرجة لو انها
وزعت على المواطنين
المتواجدين فيها الآن لفاضت
عن حاجتهم أضعافاً أضعافا،
ولو صرف جزء ضئيل من النفط
المسروق لإعادة الحياة الى
المدينة، لكان بإمكانه تأمين
الكهرباء وبناء المدارس
والمستشفيات وتأمين بقية
مستلزمات الحياة بشكل قادر
على إشباع حاجات كافة سكانها.
هذه هي معايير وأسس الحياة
وليس الهوية القومية. لهذا لا
ينبغي إخراج أي شخص بأية حجة
وسبب من هذه المدينة، لكل
المواطنين حق السكن الحر
وبالتساوي في أية مدينة ومكان
من البلد. وفيما يتعلق بمصير
كركوك فكما أعلنا سابقاً، إذا
ما انفصلت كردستان، حينذاك
ينبغي إقامة استفتاء عام
لكافة سكان المدينة حول إن
كانوا يريدون البقاء مع
الدولة المركزية أو مع دولة
كردستان المستقلة. وما يجب
جعله أساساً في هذا الاستفتاء
لقرار الجماهير، لا القومية
ولا الدين، بل أي من هاتين
الدولتين تؤمن حقوق وحريات
ورفاه وسعادة الجماهير، على
جماهير كركوك اختيارها.
الحركة
القومية الكردية وقضية
الإستفتاء
إقامة استفتاء
عام وحر لسؤال جماهير كردستان
عن رأيها، هو سبيل من هذه
المراحل طرح بشكل محدد عام
1995 من قبل حزبنا. وطوال هذه
السنوات العديدة حيث كانت
هناك دائماً فرصة لتطبيق هذا
الحل، وقفت الحركة القومية
الكردية عموماً والاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي
الكردستاني بشكل خاص بشدة ضد
سبيل الحل هذا ومساعينا من
أجله وشكلا مختلف العقبات
لنشاطنا وممارستنا.
ولكن اليوم
وبعد أن تحول هذا المطلب الى
مطلب جماهيري وصار حديث
الجماهير، سعت الحركة القومية
الكردية للإمساك به بشكل ما
كي تجعل منه من جهة ضغطاً على
القوى الإسلامية والقومية
العربية قي العراق لجعلها
تقبل بالفدرالية. أي تستخدمه
كعامل ضغط وتقول أن جماهير
كردستان تطالب بالاستفتاء
للانفصال، ولهذا أقبلوا
بفدراليتنا كي يمكن التصدي
للانفصال. بهذا المعنى فإن
الفدرالية هي مشروع ضد انفصال
وللتصدي له. ومن الجهة الأخرى
تستخدم الحركة القومية
الكردية مطلب الاستفتاء
لتحريك الجماهير وجعلها جيشاً
أسود لسياستها ومساوماتها.
ومتى ما جرى الحديث مع القوى
العراقية الأخرى عن المسائل
المتعلقة بتعريف وتحديد
حصتها، على سبيل المثال:
قانون إدارة العراق،
الانتخابات، والآن مهزلة
صياغة الدستور، راحت الحركة
القومية الكردية تحرك "حركة
الاستفتاء" التابعة لها لخداع
الجماهير وتحريكها، وبعد أيام
من ذلك تنجز مساوماتها في
بغداد وستنسى موضوع الاستفتاء
وحركته الى الوقت الذي تكون
بحاجة فيه إليه.
وفي الواقع
فإن الحركة القومية الكردية
ليس لها أي قناعة بالاستفتاء
وتقف ضده. والدليل على ذلك
جوهر وتاريخ الحركة القومية
الكردية، فهذه الحركة وبموجب
جوهرها كحركة رجعية ومتناقضة
مع المطالب والأهداف
الراديكالية والتقدمية
للجماهير، ولا تفسح المجال
للتدخل الحر والواعي
للجماهير. وليس هناك أي مكانة
لدور الجماهير وتدخلها في
قاموس هذه الحركة. فالمساومات
السرية والبعيدة عن أنظار
الجماهير، التفاوض وبيع حقوق
الجماهير بسرية، التعامل مع
الدول الرجعية والتبعية لها،
شكلت التقليد السياسي
والأسلوب الرئيسي لأحزاب هذه
الحركة طوال تاريخها. ذلك لأن
أغراض واستراتيجية وأهداف تلك
الأحزاب لا تنسجم مع تدخل
الجماهير والإصغاء لها. على
سبيل المثال هي الآن ضد
انفصال كردستان لأن
استراتيجيتها ارتبطت بسياسة
أمريكا، والمساومة والاتفاق
مع القوى الرجعية على الساحة
السياسية العراقية هي سبيل
وصولها الى أغراضها ومراميها،
وهذا لا ينسجم مع مطلب
الجماهير وإرادتها، وإذا ما
تم إجراء الاستفتاء اليوم ليس
هناك من شك أن الجماهير ستصوت
لصالح الانفصال وليس
الفدرالية والتحالف مع
السيستاني والحكيم والجعفري
وشيوخ العشائر القوميين
العرب. هذا هو الأساس الرئيسي
لمشكلة هذه الأحزاب مع
الاستفتاء وسؤال الجماهير عن
رأيها وتدخلها. لقد استطاعت
فقط في ذلك الوقت من فرض
سياستها على الجماهير
بالإكراه، وحينذاك تنظم
سيناريو الحصول على بصمات
الجماهير وتوقيعها وتسميه
"الانتخابات وتدخل الجماهير و…".
والآن فإن
الاتحاد الوطني الكردستاني
والحزب الديمقراطي ولفرض
مطالبهما في الدستور الفاشي
المقترح هما بحاجة لأن ينظما
مجدداً ضجة للاستفتاء ودفعا
مجدداً ب"حركة الاستفتاء" الى
الميدان من أجل هذا الغرض. في
حين بينت هذه الحركة عملياً
لأكثر من مرة أنها ليست سوى
وسيلة بيد الاتحاد الوطني
والحزب الديمقراطي، ليست سوى
قناع لهما ولتثبيت سياستهما
الهزيلة وجعل الجماهير
تتقبلها لا أكثر. ومن جانب
آخر يحاول الاتحاد الوطني
والحزب الديمقراطي خداع
الجماهير بأن الدستور المقترح
يقول أن بعد 8 سنوات من تجريب
الحياة الفدرالية مع الدولة
المركزية، حينذاك يتم إجراء
استفتاء للقرار على الاستمرار
بهذه التجربة أو الانفصال.
ولكن هذه الأحزاب وعدا عن
أنها في الجوهر ضد الاستفتاء،
ليس لديها أدنى شك في أن
حلفائها الإسلاميين والقوميين
لديهم القناعة بتثبيت أي من
حقوق جماهير كردستان. إن
ثمانية سنوات ليست من أجل
تجربة التعايش مع الدولة
المركزية مجدداً والتظاهر
بتجسيد تجربة رائعة بحيث تنسى
جماهير كردستان موضوع
الانفصال، بل من أجل أن تقوي
أسس سلطتها ومؤسساتها القمعية
خلال هذه السنوات الثمانية
لدرجة بحيث تعجز جماهير
كردستان من الحديث عن
الاستفتاء وعن حقوقها، من أجل
أنفلة جماهير كردستان وقصفها
بالأسلحة الكيماوية فيما لو
تحدثت عن هذه المسائل. لقد
اعترف مسعود البارزاني بلسانه
لو سنحت الفرصة لحلفائهم
سيقومون مجدداً بعمليات أنفال
ضد جماهير كردستان. ولهذا
وبقدر تعلق الأمر بجماهير
كردستان وقضية الاستفتاء
والحقوق الأخرى للجماهير، من
الواضح تماماً أن سيناريو فرض
الدستور هو مخطط خطر جداً ضد
جماهير. لا ينبغي على جماهير
السماح بتحقيق هذا المخطط، لا
ينبغي عليها تضييع الفرصة، لا
ينبغي عليها التوهم بخدع
الحركة القومية الكردية. مطلب
الجماهير وحق الجماهير وهدف
الجماهير هي واضحة وصريحة
ومحددة، عليها النزول الى
الساحة من أجل حياة ثرة وحرة
وبعيدة عن الظلم والتمييز
وتهديد القمع والأنفال وإفشال
وقبر هذا الدستور الفاشي
ومهزلة الاستفتاء للقرار على
الدستور والمطالبة بإقامة
استفتاء من أجل الانفصال.