خطاب ريبوار أحمد في الكونفرانس الأول لكوادر الحزب الشيوعي العمالي الإيراني-الحكمتي

 

أيها الرفاق

اسمحوا لي في البداية بالتعبير عن أسفي العميق مجدداً لاضطرارنا اليوم لعقد كونفرانسنا هنا، التعبير عن أسفي بسبب الانشقاق الطارئ والمرير وغير المرغوب به الذي فرض، مع الأسف، على حزب منصور حكمت بالرغم من المحاولات والمساعي الدؤوبة، ومن ضمنها مساعينا كقيادة الحزب الشيوعي العمالي العراقي. وبتصوري من الضروري جداً أن نحلل بدقة أسباب هذا الانشقاق وأن نرى بوضوح نتائجه وتأثيراته على الحركة الشيوعية العمالية كي نتمكن ونعرف كيف أن نزيح هذا الثقل من عن كاهلنا وكيف نتجاوز الأمر.

لقد شكل هذا الانشقاق في الحقيقة ضربة كبيرة للشيوعية العمالية ولمشروع ونهج منصور حكمت، للأحزاب الثلاثة، الحزب الشيوعي العمالي الإيراني والعراقي والحكمتي، ولكل فرد منا بوصفنا ناشطي هذه الحركة. وبتصوري لم يكن هناك أي طرف منتصر، إلا إذا كان الأمر لطرف وضع أمام نفسه مشروعاً غير مشروع منصور حكمت. ومن المؤسف أن الضجة التي يثيرها رفاق الحزب الشيوعي العمالي الإيراني تحت شعار "الظفر والنصر على اليمين"، وكذلك الضجيج في أنهم سيتقون أكثر بهذا الانشقاق خصوصاً وأن هذا قد تم التعبير عنه على لسان قائد الحزب، ليس لها سوى معنيين اثنين فقط، أما تعني أنهم وضعوا لأنفسهم مشروعاً مختلفاً عن مشروع منصور حكمت أو يعني أنهم لا يدركون أية حدث جلل قد جرى. وهذا هو في نفس الوقت دليل آخر يشهد على أن مسؤولية هذا الانشقاق تقع على كاهلهم. والحقيقة هي أنهم كانوا ينظرون منذ البداية الى المشكلة بهذا الشكل وتعاملوا معها أيضاً بهذا الأسلوب لذلك وبأسف شديد وصلت الى هذه النتيجة غير المبتغاة.

علينا التدقيق في أسباب هذا الانشقاق كي نتمكن من تجاوزه وإعادة تقوية صفوفنا ورصها مجدداً. وبالعكس مما يقوله رفاق الحزب الشيوعي العمالي الإيراني، فإن السبب الأساسي والحاسم في هذا الانفصال لم يكن الخلاف السياسي ووجود وجهات نظر وتصورات مختلفة، فلو فسرنا تلك التصورات السياسية المختلفة وجعلناها سببا، ليس بإمكاننا تجاوزها بوصفنا حزباً سياسياً، ليس بإمكاننا البقاء كحزب سياسي، وعلينا التحول الى فرقة أيديولوجية ومذهبية. وكما يقول منصور حكمت في (اختلافاتنا) فإن وجود الاختلافات في الحزب السياسي ليست مبعث تعجب بل إن عدم وجودها هو ما يبعث على الاستغراب والتعجب ذلك أن ليس هناك من حزب واقعي ليس فيه اختلافات. وليس هناك من شك في أن الاختلافات السياسية حين تتحول الى اتجاهين اجتماعيين مختلفين وخطين سياسيين ليس بإمكانهما العمل معاً ضمن إطار حزب معين، ستصبح سبباً في الانفصال. إلا أن في هذه الحالة التي نحن بصددها لم يكن الأمر على هذه الشاكلة. فالعامان المنصرمان من نشاط الحزب يشهدان على ذلك. لذا لم يكن لهذا الانفصال أية ضرورة.

إن الحديث عن وجود جناح يميني ويساري لتوضيح أسباب هذا الانشقاق هو أمر هزيل وليس له أي أساس أو معنى أبداً، وهو دليل فهم سطحي وغير ماركسي لنفس اليمين واليسار قبل كل شيء آخر. أنه قمة الطابع الأيديولوجي الذي ما أن يظهر خلاف في وجهات النظر السياسية حتى يلجأ الى تصنيف الطرفين المختلفين الى يمين ويسار، وعلى هذا الأساس ما دامت أنا يسارياً وشيوعياً، إذن فإن الطرف المخالف هو يميني وبرجوازي. ويجب فصل صفوف هذين الطرفين عن بعضهما البعض، إذن ينبغي إخراج اليمين من الحزب، وسبيل ذلك هو العودة الى التصويت. لو تعاملنا مع أي اختلاف في وجهات النظر بهذا المنهج، لكان علينا منذ عهد منصور حكمت طرد مجموعة من اليمنيين كل يوم، لكان علينا إصدار حكم اليمينية مرات عديدة على الحزب الشيوعي العمالي العراقي، لأن سياسات وممارسة وأطروحات ومواقف هذا الحزب انتقدت مرات عديدة من قبل منصور حكمت، دون أن يصدر حكم اليمينية حتى ولو لمرة واحدة ضده.

ليس هناك شك في وجود اختلافات سياسية بين صفوف قيادة الحزب الشيوعي العمالي الإيراني، وليس هناك شك في أنها كانت اختلافات جدية وتدور حول قضايا رئيسية، ومنها بحث الحزب والسلطة السياسية، ولكن بتصوري الشخصي كانت تلك الاختلافات تدور ضمن إطار حركة اجتماعية واحدة لتحديد وتدقيق الخط السياسي العملي وبرنامج عمل الحزب. ومن الطبيعي أن تظهر استنتاجات متنوعة ومختلفة لأبحاث منصور حكمت، وكان فيها حتماً الصحيح وغير الصحيح، وكانت تتوصل الى برنامج عمل مختلف، إلا أنها مطروحة دائماً ضمن إطار تيار وحركة سياسية وطبقية واحدة وحتى أنها غير سلبية، بل إنها النتيجة الحتمية للتنامي والتطور ويمكنها أن تساعد فيها دقة وشفافية الخط السياسي للحزب. إنني الآن أيضاً لا أعتقد فيما لو طرحت هذه المواضيع داخل الحزب العراقي أو داخل الحزب الحكمتي أن لا تثير اختلافاً في وجهات النظر حولها.

ولكن ما كان سبباً في هذا الانشقاق هو كيفية التعامل مع الاختلافات السياسية، كيفية التعبير عن الاختلافات السياسية، كيفية النظر الى الحزب السياسي والحياة والعمل الحزبي وفي خاتمة المطاف الاختلاف على تقاليد تحزب الشيوعية العمالية. ومن المؤسف أن الرفاق لم يدركوا هذا الميدان المهم للشيوعية العمالية. ولكن هذا ما كان على قدر كبير من الأهمية لمنصور حكمت، فقد أسس هذه  التقاليد وبناها حجراً حجرا كي يعلمنا ما معنى التحزب والتقاليد الحزبية، وكيف أن الشيوعية العمالية بدونها لا تتحول الى قوة وليس بإمكانها أن تحدث أقل تغيير في المجتمع. لقد علمنا كيف علينا أن نعتبر الحزب والقرارات والهيئات والمراجع والأصول الحزبية مقدسة ومصيرية.

إن الوقوف بوجه الخلاف في وجهات النظر، اللجوء الى محاولة طرد المخالف، التصويت على وجهات نظر الأفراد، حسم الخلافات السياسية من خلال التصويت والاستفتاء، تفتيش عقائد الأفراد، إجبار الفرد على الكلام بعكس ما يعتقد به، طلب البراءة من التصورات ووجهات النظر، حل المراجع وسلسلة المراتب الحزبية، انتهاك المعايير والأسس الحزبية، القفز على الهيئات ذات الصلاحية، القرار خارج الأصول والمعايير الحزبية، المساعي التنظيمية بالضد من المعايير والأسس التنظيمية...هي تلك التقاليد والظواهر التي اعتبرت في الحياة الحزبية وفي تقاليد منصور حكمت كفراً وأخطاء كبيرة. فإذا وجدت كل تلك رواجاً لها إذن لن يبقى أي أثر للتحزب الشيوعي.ربما تبدو كل تلك للكثير من الأشخاص جوانب حقوقية، ولكن على العكس من ذلك فإن لها كلها معاني سياسية وتشكل جزءاً لا يتجزأ من التقاليد الحزبية لمنصور حكمت وإذا تم التخلي عنها سينهار الحزب وتندفع الشيوعية نحو الهامش ولن يبقى لها غير العمل المحفلي. رفاق الحزب الشيوعي العمالي الإيراني قاموا بكل ذلك وبشكل كبير ولهذا انشق الحزب.

هذا الانفصال لا يمكن تفسيره بارتداد وعدم إيمان أي من طرفي المشكلة بعالم أفضل والشيوعية العمالية بشكل عام. ولذا نحن حين اتخذنا موقفنا لم نبدأ بالبحث والتقصي في هذا الميدان. نحن كحزب شيوعي عمالي رأينا بوضوح في البحث والنقاشات أن الخط السياسي لمنصور حكمت ليس بمعنى أن تكون شيوعياً عمالياً أو لا على الصعيد العام ومن الناحية البرنامجية، بل بمعنى خط سياسي عملي يسعى باستمرار لدفع الحزب الى الأمام كحزب سياسي حي، حزب متدخل وله دوره وممارسته الخاصة، حزب جماهيري واجتماعي، حزب يخلق الفرص ومتحرك، حزب منظم للثورة ورمز ل(لا) الجماهير ضد الجمهورية الإسلامية، كحزب قائد سياسي وعملي للنضال الجماهيري، كحزب حافل بالنشاط والحركة ومفتوح العيون يخطط لكل شيء باستمرار، يتدخل في كل الميادين للتقدم والتطور والاستحكام، يستفيد من كل الأوضاع والفرص كي يقتدر ويتقوى...وهذا الخط كان يمثله الجناح الذي انفصل وأسس الحزب الحكمتي.

في نفس الوقت من الواضح جداً بالنسبة لنا أن الجناح المقابل هو يمثل من الناحية السياسية خطاً يسارياً تقليدياً وهامشياً، ولم يفتقر فقط لخطة للإمساك بالسلطة السياسية، بل وأزاح جانباً أيضاً بحث منصور حكمت حول الحزب والسلطة السياسية. ومن ناحية التقاليد الحزبية أيضاً تخلى عملياً عن التقاليد الحزبية للشيوعية العمالية، وأي يتخلى عن تلك التقاليد، هو حزب ليس هناك مجال فيه لاختلاف وجهات النظر، حزب يطرد المخالفين ويحسم الخلافات السياسية بواسطة التصويت. إن حزباً لا يكون فيه الحزب والمراجع والهيئات وسلسلة المراتب التنظيمية ذات اعتبار ومقدسة، حتى لو كان له ألف قناعة بعالم أفضل ويقسم ليلاً ونهاراً بالثورة والاشتراكية، لا يمكنه أن يصبح إطاراً لتحزب الشيوعية العمالية، لا يمكنه أن يصبح وسيلة وأداة الشيوعية العمالية لتنظيم وقيادة الثورة وإقامة الاشتراكية. وبهذا الصد كان الجناح الذي خرج من الحزب متمسكاً بشدة بأسس تحزب الشيوعية العمالية، متمسكاً بالتقاليد الحزبية، التي صارت محوراً في هذا الانفصال. كذلك وفي الوقت الذي فرض خط اليسار الهامشي انفصالاً إجبارياً على الحزب، كان خط الشيوعية العمالية قد قدم العديد من المبادرات والمشاريع والحلول من أجل الحل المبدئي والأصولي لهذه المشاكل والحفاظ على وحدة الحزب. وعلى أساس كل ذلك وبعد حدث انفصال خارج عن إرادتنا، قررنا أن نعلن دعمنا ومساندتنا للحزب الحكمتي.

وبعكس ما يطلقه الرفيق حميد تقوائي بوصف موقفنا بأنه متعجل وعامل تعميق الانشقاق في الشيوعية العمالية، فإن موقف حزبنا هذا كان موقفاً شجاعاً، كذلك ومنذ أن فرض جناح الرفيق حميد هذا الانشقاق وخلق تساؤلاً وغموضاً وتخبطاً ولامبالاة وتشاؤماً في صفوف الحركة الشيوعية العمالية، ساعد موقفنا هذا في إزالة كل ذلك وساعد في بعث الأمل وتنظيم صفوف حركتنا حول الخط الحكمتي.

ومن الطبيعي أن هذا لا يعني أن ندمر العلاقات المتينة والرفاقية مع الحزب الشيوعي العمالي الإيراني، وماداموا يسيرون على الخط السابق للحزب ويلتزمون بالمقررات التي تمت المصادقة عليها حتى الآن والعمل بها على الصعيد السياسي والاجتماعي، فإننا سننظر إليهم كرفاق لنا ويتخندقون في خندقنا النضالي. ولكن من الباعث على الأسف أن المواقف والخطوات التي قاموا بها في الفترات الأخيرة تتجه صوب غلق الأبواب وعد ترك أي مجال لهذه العلاقات، وأتمنى أن لا يدفعوا بالأمور الى هذا الحد.

إنني في الختام أرى الحديث عن نقطتين أمراً ضرورياً

أولاً/ بتصوري أن هذا الحدث المرير كان له في نفس الوقت دروسه، فقد بيّن قبل كل شيء أننا مازلنا بحاجة لإعادة تعريف الحزب والتحزب والتقاليد الحزبية والحزب السياسي ومنحها معانيها بشكل أكبر، وبيّن أن التصورات والتقاليد اليسارية الهامشية مازالت تترك أثراً كبيراً على حركتنا وتخلق العقبات الكأداء للممارسة والحياة الحزبية وتحويل الحزب الى حزب جماهيري وحزب اجتماعي. وبتصوري أن الشرط المهم كي نتمكن من تقوية صفوف وتحزب الشيوعية العمالية، هو أن علينا الإبقاء على التحزب والتقاليد الحزبية قوية راسخة. لقد تم توجيه السؤال لي في إحدى الندوات ما هي الضمانة في أننا لن نواجه انشقاقاً آخر، قلت ليس هناك ضمانة نهائية لذلك، فليس هناك أي حزب وحركة حية تأخذ قرص حبوب بحيث لا تصاب بالانشقاق، ولكن بقدر تعلق الأمر بهذه التجربة، فإن التصدي لتكرارها هو برأيي مرهون النقد العميق والشامل للأساليب والتقاليد والمناهج اليسارية وغير الحزبية التي عبرت بوضوح عن نفسها في هذه القضية، كذلك بناء وتقوية التقاليد الحزبية لمنصور حكمت وتحزب الشيوعية العمالية. وهذا هو باعتقادي الدرس الرئيسي الذي يجب الاستفادة منه من هذه التجربة المريرة.

ثانياً/ أيها الرفاق مثلما قلت سابقاً تعرض حزبنا وحركتنا الى ضربة، وعلينا القيام بعمل عظيم كي نعيد للشيوعية العمالية فرصة النمو والنصر. الواقع هو أن هذا الحدث أصاب جزءاً من حركتنا بالتشرذم والتشاؤم، ووضع أمامنا على صعيد المجتمع وبين صفوف الناس جملة من التساؤلات، وكذلك فسح المجال كي يصوب أعدائنا أسلحتهم نحونا للانقضاض علينا. التنصر والتفوق على كل هذه المعضلات هو أمر ممكن، بإمكاننا جمع قوانا التي تشرذمت مجدداً، بإمكاننا الرد على تساؤلات الناس، بإمكاننا إعادة ثقة الناس الكبيرة بحزب منصور حكمت وظهور الحزب كمنظم وقائد للثورة، وبإمكاننا سد الطريق أمام تصويب الأعداء علينا وإحباط هجومهم على الشيوعية. إلا أن كل ذلك بحاجة للحكمة وبحاجة للخطط والمشاريع وبحاجة أيضاً للقرارات والأعمال العظيمة.

وأتمنى أن يكون بإمكاننا التصدي للأجواء والتي تخلق المنافسة والعداء لبعض بيننا وبين رفاق الحزب الشيوعي العمالي الإيراني، فمصلحة كلانا في التعاون مع بعضنا البعض وليس في معادة بعضنا البعض. متمنياً أن تكون لنا علاقات متينة وعلاقات صداقة ووحدة نضال، وبتصوري أن علينا أن نكون نحن المبادرين في هذا الخصوص وان نضمن ذلك وأن لا نفسح المجال لأجواء الحقد والمنافسة. وهذا سيضيق المجال في نفس الوقت أمام تصويب أعداء الشيوعية لأسلحتهم.

كذلك ينبغي أن تكون لدينا خطتنا من أجل الظهور بسرعة كحزب سياسي متدخل ومؤثر في الساحة السياسية وأن نمسك بقيادة النضال الجماهيري والحركات الثورية، والظهور بدورنا في كل ميدان من ميادين النضال الشيوعي. في نفس الوقت علينا الارتقاء باستعدادنا بدرجات مضاعفة، وان نعد أنفسنا للقيام بعمل كبير بحيث يقفز بنا قفزة الى الأمام، فليس لدينا الوقت والمجال بالتقدم بمجلس عزاء طويل الأمد، علينا القيام بأعمال أكبر مما قمنا به لحد الآن. إنني أعتبر ما يقوله الرفاق في الحزب الشيوعي العمالي الإيراني في أنهم تقووا أكثر بهذا الانفصال وانتصروا أمراً هزيلاً، ولكن بتصوري يمكن في خاتمة المطاف أن نبيّن عملياً أن هذه الضربة التي لم تقصم ظهرنا ستقويه أكثر.

عاش منصور حكمت

عاشت الاشتراكية