الشيوعية العمالية والقضايا الأساسية الراهنة في العراق

ريبوار أحمد

 

يمر المجتمع العراقي بأوضاع سياسية حساسة وحافلة بالمتغيرات، وهو يتموضع في خضم سيناريو أسود، وقد أصبح تحديد حاضر ومستقبل هذا المجتمع، دور ومكانة القوى السياسية، مخاطر الصراعات القومية والطائفية، انعدام الأمن والمجاعة،  ترتيبات السلطة السياسية، الدستور وقوانين البلاد...أصبحت هذه القضايا الأساسية والرئيسية للصراع بين القوى والبدائل السياسية، وللحزب الشيوعي العمالي بديله ولائحته العملية الخاصة بكل مسألة من هذه المسائل. وسنسعى في هذا البحث الحديث بعدة أجزاء عن أهم قضايا وجوانب هذه الأوضاع وبديل الشيوعية العمالية.

 

-1-

مخاطر الصراع القومي والطائفي تهديد ينبغي إحباطه

مثلما كنا نتوقع منذ بداية تهديدات أمريكا بالحرب ضد العراق، وضعت حرب وسياسات أمريكا هذه المجتمع العراقي بشكل واقعي في متاهات سيناريو أسود. ولتسعة أشهر يتجه هذا المجتمع في قلب هذا السيناريو نحو الخراب وانهيار كل ملامح المدنية، وانهارت المعايير والقيم السياسية وفرضت الغطرسة والتهور والقتل كأساليب سائدة، وانتفى الأمن والطمأنينة والاستقرار، وتحولت الصراعات القومية والعشائرية باستمرار الى خطر مرعب يلوح فوق رؤوس الجماهير وفي أحيان كثيرة حصد ضحاياه من المواطنين المدنيين. والآن أصبح هذا السيناريو على وشك المضي صوب مرحلة جديدة، وفي خضم هذه المرحلة الجديدة تتصاعد علناً وعلى صعيد واسع الدعوات للتهديد بالقتل والإبادة.

إن طرح موضوع إعادة السلطة للعراقيين من قبل أمريكا، وبمعزل عن مضامينه وكم من الصائب إطلاق تسمية "إنهاء الاحتلال وتسليم السلطة للعراقيين" عليه، يمثل اعترافاً صريحاً من أمريكا بالفشل السياسي الذي واجهته في العراق. وهذا ما أضاف مسائل وقضايا جديدة لهذه الأوضاع. فمنذ بداية الهجوم لأمريكي على العراق ومن بعد ذلك إسقاط النظام البعثي، لم ترضخ أمريكا لبحث قضية سحب قواتها من العراق في فترة قصيرة، وكانت في ذلك الوقت منتشية بانتصارها العسكري، وكانت على أمل جر نصرها هذا نحو الميدان السياسي أيضا وبهذا الشكل تسجل خطوة تقدم أخرى. إلا أن هذه الأمنية الأمريكية لم تتحقق، فمازالت تواجه الفشل والإحباط في الميدان السياسي ووقع انتصارها العسكري رويداً رويدا تحت طائلة السؤال أيضاً. وحتى أن اعتقال صدام لم يُزِل علامة الاستفهام من أمام أمريكا.

 

أمريكا في مواجهة الاحتجاجات الشاملة لجماهير العراق

وبعكس ما تطرحه التصورات والتحليلات الشائعة، فان الفشل السياسي الأمريكي ليس في الأساس مقابل بقايا البعث والإسلاميين، وأياً كانت الأبعاد التي اتخذتها ردود أفعالهم الإرهابية، فإنها ليست بعامل حاسم  في هذه القضية. ففي ظل أوضاع تصوب الأنظار فيها على طمأنينة الجماهير على الأقل، كان ممكناً دفع هذا القطب بسرعة نحو الهزيمة والفشل، لا أن يفسح المجال كما هو الحال الآن لتناميه. فبعد انهيار النظام البعثي والاحتلال العسكري للمجتمع العراقي وعيش الجماهير تحت رحمة جيش أمريكا وحلفائها، وجدت أمريكا نفسها بسرعة أمام الاحتجاج العام لجماهير العراق وعدم القبول بسلطتها وإدارتها. وكان هذا عاملاً مؤثراً في أن تعجز أمريكا عن حسم الملف العراقي من الناحية السياسية وفق مخططاتها. وفي خاتمة المطاف واجهت معضلة عصية على الحل تحولت بهذا الشكل الى فشل سياسي.

وقد عبرت وتعبر جماهير العراق بأشكال مختلفة عن رفضها العيش في ظل الجيش والإدارة الأمريكية، وتبين لها عملياً بعد مآسي الحرب وكوارثها أن الوعود الأمريكية لها باسم الديمقراطية والحرية وتحقيق حقوق الإنسان، لم تكن سوى السيناريوهات السوداء للإرهاب وانعدام الأمن والصراعات القومية والطائفية والبطالة والمجاعة وغطرسة الجيش الأمريكي والجماعات القومية والإسلامية. وقد ضيقت هذه السيناريوهات السوداء الخناق على الجموع المليونية للجماهير فتصاعدت ونمت الاحتجاجات الجماهيرية حتى لنفس قوى السيناريو الأسود السياسية وفي مسعى منها لإثراء نفسها من السخط والاحتجاج الجماهيري العام وركوب موجة هذه الاحتجاجات إزاء عدم رضوخ أمريكا لمطالب تلك القوى.

وجاءت إثارة موضوع تسليم السلطة للعراقيين من قبل أمريكا نتيجة المأزق الذي واجهته، فهي تسعى بهذا الشكل لتهدئة الأوضاع والتخفيف من حدتها كي تجد الفرصة لإدامة سياستها وسيناريوهاتها بشكل آخر. وترى جبهة يمين المجتمع العراقي وعلى وجه الخصوص القوى القومية والإسلامية المنضوية تحت اللواء الأمريكي، تلك القوى التي هي جزء من هذا السيناريو الأسود، ترى في هذا الطرح الأمريكي امتيازاً لها. ولذا هي تستقبله وتثير الضجيج حوله، كما أن كل واحدة منها تضع شروطها لضمان الحصول سهم أكبر. فالقوميون الأكراد يرون في هذا التغيير وهذا التعقيد في أوضاع العراق وعجز سياسات أمريكا فرصة للإصرار على الفدرالية المشمولة بكركوك. والجماعات الإسلامية يرون في هذا فرصة لأسلمة العراق وزيادة وطأة الإسلام وتأثيره على الدستور والسلطة العراقية المستقبلية وبهذا الشكل ترسخ موطئ أقدامها. والحركة القومية الشوفينية العربية التي لا يوجد ممثل قوي لها الآن، تجد نفسها في موضع الدفاع مقابل ضغط الطرفين السابقين. والأطراف الذليلة والانتهازية من مثل الحزب الشيوعي يرى في الصراعات بين تلك القوى على حصصها المتناقضة فرصة لممارسة مهنته العريقة والدائمة في اتخاذ دور الوساطة بين القوى المتصارعة الرجعية والوقوف في الوسط، وهذا ما يظهر بوضوح في مقترحه حول الدستور العراق المرتقب. فهو إزاء الفدرالية أكثر قومية من القوميين الكرد، وازاء تعريف العراق كدولة عربية أكثر تعصباً من القوميين العرب، وإزاء إلباس الدستور والقوانين والسلطة لباس الإسلام، أكثر تشدداً من ملالي النجف وكربلاء، ولكنه ليس له أي دور وحتى أنه لا يدرك أن كل هذه التناقضات لا يمكن وضعها في قالب معين.

الآن وبمعزل عما تريده أمريكا في نواياها وكيف تنظم المرحلة الجديدة من السيناريو الأسود، ونتيجة لسياساتها والأوضاع التي أوجدتها، تكشف بدايات هذا الوضع أن الصراع بين القوى المتنفذة والمتطلعة للحصول على حصصها المتضادة مع بعضها البعض، يضع هذا المجتمع أمام مخاطر الغرق في الصراعات القومية والطائفية. فالجماعات الإسلامية تهدد بسيوفها لفرض نفسها على السلطة وفرض الشريعة الإسلامية على القوانين والدستور، وهي منذ الآن وكلما صار مناسباً لها فرضت حكم السيف، وتملأ باستمرار مشاجبها الإرهابية من منابع الإرهاب الإسلامي التي تدعي أمريكا الحرب للقضاء عليها. والقوميون الأكراد يدعون صراحة تحت تسمية "العصيان المدني" لتنظيم المذابح القومية، ويريدو جعل العراق نموذجاً يوغسلافياً، وتبين خلال الأشهر التسعة الماضية المعنى الواقعي لـ"العصيان المدني" في مدينة كركوك، وهذا لا يعني سوى أن يبيد عالمان بعضهما البعض على أساس الهوية القومية ولغة الحديث كي يكون هذا سبيلاً لحصول القوميين الأكراد على حصتهم. والحركة القومية العربية تريد بفرض الهوية القومية العربية على الدولة أن تكون صاحب الدار فيما تعرّف السكان الناطقين باللغات الأخرى كضيوف ومواطنين من الدرجة الثانية وبهذا تترك المجتمع في متاهة المعضلة القومية.

إن الجميع يحاول ويناور لاستعراض قوته وعضلاته كي يجد مكاناً لنواياه ومقاصده الرجعية في اللائحة التي أعلنت أمريكا أنها ستبدأ بتطبيقها في حزيران المقبل في العراق. وبالطبع فان ما تقوم به أمريكا هو الاستمرار بنفس السيناريو الذي مضت فيه لحد الآن، وليس هناك أكثر تظليلاً وخداعاً من تظليل الجماهير بلائحة أمريكا كسبيل لتحسين أوضاع العراق ورفاه الجماهير وطمأنينتها. وفي الحقيقة فان هذه المرحلة أكثر حساسية وحتى أكثر خطورة من المراحل التي تم تجاوزها، فمخاطر جر صراعات الأقوام والطوائف الى كل شارع وزقاق، هي مخاطر وتهديدات واقعية، فالقوى التي تقف خلف هذا السيناريو لن تلتفت لأية معايير سياسية وإنسانية من أجل حصصها ونصيبها، وقد قام أشباهها في البوسنة والهرسك بتمزيق بطون النساء الحوامل بالحراب وحز رؤوس الأطفال الرضع من أجل هذا النوع من الأهداف والمقاصد. هذه الوحشية هي سبيل حافل بالمكاسب لها وتعمق لمجرى سباحتها.

 

لائحتنا العملية ووظيفة الجبهة التحررية

ان هذه الأوضاع تطرح أمام الجبهة التحررية وجبهة التمدن في المجتمع مهمة إنسانية وتحررية حساسة ومصيرية هي أن تواجه الجبهة التحررية، وكل تلك القوى المتطلعة لتحقيق الطمأنينة والإنسانية للمجتمع، كل المناهضين لجر المجتمع الى داخل هذا السيناريو المرير والمظلم والخطير، كل تلك القوى الملتزمة بالمعايير المدنية والأصول السياسية، كل القوى التي ترى نفسها قوى السيناريو الأبيض، تواجه هذا الخطر بإحساس بالمسؤولية، وان إدانة وفضح وشجب العصبيات القومية والعشائرية والقبلية، والإصرار على الالتزام بالمعايير المدنية والأصول السياسية والهوية الإنسانية، وإعلان الالتزام بالحقوق السياسية والمدنية للجماهير، هو أكثر ضرورة اليوم من أي وقت آخر، وأن إعلان بيان الحقوق المدنية من قبل كل مناصري الإنسانية في المجتمع من أجل التصدي لهذا الخطر والهجمة على تلك الحقوق وإيجاد صف واسع ومحكم للوقوف ضد المخاطر التي تهددها، هو أكثر ضرورة اليوم من أي وقت آخر.

وقد بين الحزب الشيوعي العمالي عملياً حتى الآن أنه يقف بأقصى درجات الإحساس بالمسؤولية ضد هذه التهديدات ويناضل لإنهاء هذا السيناريو المرير. فوقوفه ضد الحرب، إعلانه بيان الحريات السياسية، تصديه للنعرات القومية والطائفية والعشائرية، طرحه سبيل حل إنساني لقضية كركوك والنشاط الفعال في هذا السبيل، ووقوفه ضد الإرهاب والهجمة على النساء المدنيات من قبل الجماعات الإسلامية...هي نماذج قليلة لهذا الأمر. والآن يفعّل كل طاقاته بنشاط أكبر ضد تلك المخاطر المحدقة، ويمثل في قلب هذا السيناريو الأسود الإنسانية والمدنية. انه البشارة بالأمن والاستقرار والرفاه والأمل وإرادة الجماهير، ويقف على الصعيد العام ضد العصبيات القومية والعشائرية والقبلية وغطرسة وتهور قواها، وكلما سنح له المجال ينقذ بقدرته ودعم الجماهير إدارة شؤون السكان مباشرة من أيدي تلك القوى، فهو ينظم المدنية، يوفر الأمن، ويبعده من تهور وغطرسة قوى السيناريو الأسود، وينظم حياة الجماهير المدنية بأساليب وقوانين انسانية وعلمانية ومساواتية ويؤمن تلك الحقوق التي أعلنها في برنامجه. انه يجلب أنظار الرأي العام والتحرري العالمي للدفاع عن الجماهير وحقوقها. ويناضل في هذا السبيل ويقف في الميدان كقوة فاعلة وسياسية مقتدرة ونشطة ومسلحة.

في نفس الوقت يسعى بكل قوته من أجل التزام الأحزاب السياسية والأطراف بالمعايير المدنية والأصول السياسية. وواجب الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية والجماهيرية التحررية دعم هذه المساعي والوقوف الى جانب هذا الصف وأخذ دورها في إنهاء هذا السيناريو. وهذا يستلزم قبل كل شيء إعلان التزامها بهذا الأمر.

عدا ذلك وعلاوة على أن على الصف والجبهة المدنية والتحررية أن لا تتوهم بأن برامج ولوائح أمريكا ستؤدي الى تحسين أوضاع المجتمع، علاوة على أن عليها أن لا تتوهم في أن إنهاء هذا السيناريو غير ممكن في خاتمة المطاف بدون خروج أمريكا من المنطقة، علاوة على كل ذلك ينبغي عليها الحضور في كل ميدان ووقت يتم البحث فيه والسعي لترتيب سلطة ومستقبل المجتمع، وتفعيل كل الطاقات وبذل المساعي لفرض المعايير الإنسانية والتحررية في الدستور والقوانين والسلطة. والآن إذ تحولت هذه القضية الى قضية ساخنة في الساحة السياسية العراقية وصارت محور صراع القوى السياسية، فان عرض المبادئ الأساسية للدستور والدولة ونظام الحكم من منظار الشيوعية والحركة التحررية، وكذلك جعلها راية للنضال الجماهيري ونضال القوى المناصرة للحرية والتمدن، يشكل ضرورة مصيرية. وسوف نسعى في الأجزاء الأخرى من هذا البحث الى التطرق لهذه القضايا.

 

- 2-

الدولة ونظام الحكم

 فراغ الدولة

يمر العراق بمرحلة أصبحت فيها قضية تأسيس الدولة وترتيبات السلطة السياسية قضية محورية للرد والإجابة على القضايا والمعضلات الرئيسية. وفراغ الدولة في هذا المجتمع فراغ كبير وركيزة رئيسية في خلق واستمرار السيناريو الأسود. فقد انهارت دولة البعث نتيجة الحرب الأمريكية، ولكن لم يحل محلها أية دولة أو نظام. فانعدام الدولة وبمعزل عن ماهيته، برجوازياً كان أو عمالياً، رجعياً كان أو تقدمياً، بالسيناريو الذي حدث في العراق، يجر المجتمع الى داخل السيناريو الأسود.  ومن غير شك أن هذا ليس قاعدة عامة لكل الظروف وفي كل الأحوال، فإذا ما أسقطت الدولة عن طريق الثورة على سبيل المثال، وحتى قبل أن تتأسس الدولة البديلة محلها، فان نفس الأوضاع والإرادة الثورية للجماهير تبلور نظاماً معيناً يستطيع تنظيم أمن وحقوق وجوانب حياة الجماهير ويصونها. إلا أن ما جرى في العراق كان شيئاً آخر. فلم يكن للجماهير أي دور وتدخل وإرادة، بل لقد سحقت إرادة الجماهير. ما جرى في العراق هو انهيار الجيد والسئ، وسيناريو تهديم كل شيء في نفس الوقت، أي سقط كل من النظام ومؤسساته وأجهزته وسقط أيضاً كل شكل من أشكال النظام والمدنية، والدولة الحاكمة أسقطت دون أن يحل محلها أي نظام وأية دولة. وهذا ما هدم أسس وركائز المجتمع وخلق السيناريو الأسود. لذا فإن هذه القضية كما ورد في قرار الحزب الشيوعي العمالي حول قضية الدولة، بحاجة لرد عاجل وإنهاء هذا السيناريو الأسود مرهون بالإجابة على قضية الدولة.

 

 أطروحات وبدائل البرجوازية لقضية الدولة

الإجابة على هذه القضية وإقامة الدولة ونظام الحكم المستقبلي له جوانب متعددة. إلا أن القضية الأساسية هي كيف تحدد حقوق الجماهير وأسلوب إدارة البلد، ما هو الدستور والقوانين التي تشرعها للبلد، أي نظام حكم تطبقه، والى أي حد تؤمن وتضمن دور وتدخل الجماهير فيه. وعلى أساس هذه المسائل يتم تقييم ماهية أية دولة. وفي الخطوة الأولى فان هذه المسائل مرهونة بشكل وآلية تحديد الدولة. فكل أطروحة وعملية لا تفسح المجال لمساهمة وتدخل الجماهير المباشر في القرار حول الدولة ونظام الحكم الجديد، لا يكون فقط متناقضاً مع أماني وتطلعات الجماهير بل ويزيد أيضاً ومن منظار معاداة تلك الأماني والتطلعات في عدم القدرة على الرد على هذه القضايا التي ذكرت.

وقد تطابقت وجهات نظر أمريكا وقوى جبهة اليمين على فرض الدولة التي تريدها على الجماهير بشكل بيروقراطي وبالقفز على إرادة وتدخل الجماهير. وبمعزل عن أية معضلات وخلافات بينها تتطابق وجهات نظرها أيضاً على أن دولة العراق المرتقبة ستكون لها، مثلما كان الأمر عليه في عهد البعث، هوية قومية، وبالشكل الذي أعلنه (هوشيار زيباري) وزير خارجية "مجلس الحكم" تكون دولة قومية عربية، كذلك هي وبتعابير متنوعة متفقة في الجوهر على أن يكون لدولة العراق المرتقبة هوية دينية، أي أنها تريد تعريف العراق كمجتمع إسلامي وتعريف دولته كدولة إسلامية وجعل الشريعة الإسلامية أساس دستورها وقوانينها. وهذه المحاور الرئيسية يمكنها أن توضح الخطوط العامة والجوهر المشترك لبرنامج القوى البرجوازية الرجعي من أجل الإجابة على قضية الدولة. وتبين أن الدولة من منظارها مؤسسة لفرض سلطتها ومصالحها على المجتمع والسكان وليس لتأمين وضمان حقوق وحريات الجماهير أية مكانة في سياسات تلك القوى ومخططاتها.

إن هذه القوى تريد التستر على هذا الجوهر والماهية الرجعية ببعض الأساليب الشكلية، فالبعض من تلك القوى على سبيل المثال وبدلاً من الحديث صراحة عن تعريف الدولة العراقية كدولة إسلامية، تتحدث عن المكانة الخاصة للإسلام في الدولة ودستور وقوانين البلد واحترام المقدسات الإسلامية، حيث لا يعني ذلك في الجوهر غير دمج الإسلام مع الدولة والدستور والقوانين وفرض الإسلام على الجماهير. أو بالتزامن مع تعريف الدولة العراقية كدولة قومية عربية، وبإضافة عبارة "تعيش القوميات الكردية والعربية والتركمانية والكلدوآشورية بمساواة في ظلها"، تريد الاعتراف بحقوق المواطنين من غير الناطقين بالعربية، إلا أنها في الحقيقة وبعكس هذه الادعاءات الشكلية، لا تخفف من وطأة ذلك التعريف القومي الشوفيني للدولة بل تعمقها. فالتأكيد على الهوية القومية العربية للدولة من جانب والهوية القومية المختلفة للمواطنين من الجانب الآخر، يعني الاعتراف بمكانة "الدرجة الثانية" للمواطنين من غير الناطقين بالعربية. وهذا يتناقض تماماً مع مبدأ النظر بمساواة تامة لكل المواطنين على أساس المواطنة. كذلك حول شكل تأسيس الدولة المؤقتة في العراق المطروح الآن من قبل أمريكا، وللتغطية على عدم فسح المجال لتدخل ودور الجماهير في هذا الطرح، تتحدث عن تأسيس مجلس أوسع من "مجلس الحكم" وتريد بعبارة "توسيع" إضفاء طابع ديموقراطي على ما تطرحه والإدعاء بأنها تسعى بهذا الشكل الى ضمان تمثيل الجماهير في طرحها. ولكن في الحقيقة لو أنها وسعته أضعاف أضعاف ما تتحدث عنه، لما غير هذا من جوهر القضية. فمجلس الحكم الذي أسسته أمريكا على سبيل المثال، وبالهيكل والعناصر المكونة والمعايير التي اتخذت في تأسيسه لو اصبح افتراضاً مكون من ألف شخص بدل خمسة وعشرين، فلن يغير من حقيقة أنه مجلس رجعي قومي وإسلامي وعشائري ويقف تماماً في الخندق المواجه للإرادة والأماني والتطلعات التحررية لجماهير العراق. لذا فإن هذا بحد ذاته لن يجعله أبداً مجالاً لتدخل ومشاركة الجماهير في تحديد الدولة ونظام الحكم. إن مجلساً ليس للجماهير دور وتدخل لا في وضعه ولا في إزالته، حتى لو كان عدد أعضائه مائة أو ألف، فلن يغير من حقيقة كونه مفروض على الجماهير ولا يمثلها أبداً.

وتجاه الأوضاع الراهنة والأسلوب الذي أتخذ لتحديد الدولة، وبالتزامن مع فكرة أن على الجماهير التحررية والقوى الاشتراكية والعلمانية السعي والضغط لفسح المجال أمام تدخل الجماهير، فان أحد الميادين المهمة في النضال والصراع على هذه القضية، هو التأكيد على جوهر الدستور والقوانين والإطار الذي يحدد حقوق وحريات الجماهير. وفي خاتمة المطاف فإن هذا هو معيار وأساس تقييم أية دولة ستتأسس. وسنوضح هذه القضية أكثر في تفاصيل هذا البحث.

 

 الانتخابات

موضوع الانتخابات هو أحد القضايا الحساسة التي تطرح بأشكال مختلفة وفي ظل أطروحات متنوعة. وبمعزل عن موضوع الانتخابات لإقامة حكومة انتقالية في الطرح الذي بلورت صيغته أمريكا لتأسيس حكومة العراق المقبلة، من المقرر في النهاية تنظيم انتخابات عامة نهاية العام المقبل. كذلك تروج كل الأطراف للانتخابات كمبدأ، إلا أن جزءاً من الإسلام السياسي وبالدرجة التي يرى في هذه الأوضاع المزرية والمأساوية أوضاعاً مناسبة له، أصبح حاملاً لراية الانتخابات. غير أن إصراره على مسألة إجراء الانتخابات بأسرع ما يمكن، مسألة مثيرة للانتباه وتخفي في طيّاتها خداعاً وتضليلاً كبيرين. فهؤلاء الملالي والقوى الإسلامية التي لا تؤمن أساساً بحق التفكير والاختيار للإنسان وتعتقد بأن ما مقدر للإنسان من السماء عليه القبول به بدون "كيف ولماذا"، أصبحت الآن داعية للديمقراطية وتطالب بالانتخابات.

أن أساس سياسة هذه القوى يعود الى ذلك التحليل الذي تتصور وفقه أنها قادرة على فرض بديلها ضمن إطار الأوضاع الراهنة وفي قلب هذا السيناريو الأسود. وينبع مصدر استعجالها من أنها تعرف أن جماهير العراق لم تحصل طوال 35 عام في ظل القمع الدموي للنظام البعثي على فرصة فتح عيونها تجاه أمانيها وتطلعاتها وتجاه القوى السياسية، لأن المجال لم يفسح سواء خلال تلك الأعوام الخمسة والثلاثين أو حتى الآن للحركات الاشتراكية والراديكالية والعلمانية للوصول الى الناس وإيصال برنامجها وصوتها لهم، كذلك تدرك تلك القوى الآن حقيقة أن أمريكا تعاني معضلات وفشل في الساحة السياسية العراقية، لذا تعتبر ذلك فرصة كي تحسم قضية السلطة السياسية ودستور وقوانين البلاد على أساس حرمان الجماهير من حقوقها وفي ظل أوضاع السيناريو الأسود وفرض بديلها وسلطتها في قلب هذه الأوضاع المظلمة والمأساوية التي تسود عليها قوانين الغاب قبل أن تتفتح عيون العمال والنساء والشبيبة والجماهير التحررية. وما يختفي خلف ضجيج الجماعات الإسلامية لإجراء الانتخابات بسرعة، هو فقط السعي للاستفادة من أوضاع السيناريو الأسود والظلام وسيادة قوانين الغاب، وهذه فرصة لها كي تستفيد من غفلة الجماهير، وأيضاً كي تضمن لنفسها بقوة الحراب تواقيع القسم الأعظم من سكان الجنوب والى حد ما سكان وسط العراق أيضاً حيث لديها نفوذ عليهم.

وبالطبع فأن الانتخابات، وبمعزل عن النوايا والمخططات الرجعية للجماعات الإسلامية، هي أسلوب وطريقة جيدة وحق بديهي للجماهي.  إلا أن الانتخابات بدون وجود أوضاع حرة ومنفتحة ومستقرة تماماً تستطيع كافة القوى السياسية ممارسة نشاطها في ظلها وتتمتع بإمكانيات متساوية لعرض أطروحاتها ولوائحها وبرامجها العملية وبدائلها أمام الجماهير وتستطيع الجماهير في ظلها التعرف على البدائل والبرامج العملية والأطروحات المختلفة وأيضاً تختار بديلها بحرية تامة، وبدون توفير ظروف تصان فيها الحرية السياسية غير المقيدة وغير المشروطة والحقوق السياسية والمدنية البديهية للجماهير، وكذلك بدون مراقب ومشرف مستقل يصون الانتخابات من التزوير ويحافظ على نزاهتها، لن تكون غير خداع وسخرية هزيلة. وفي ظل الأوضاع الراهنة التي تغرق فيها التيارات الإسلامية معارضيها في حمامات الدم وتصدر فتاوي قتل من لا يؤمن بالدين وذوي الأديان الأخرى وترث فدائيي صدام في قتلهم للنساء...وفي الوقت الذي يتم التهديد بغلق مقر منظمة جماهيرية مثل منظمة حرية المرأة في ظل سلطة ميلشيا الطالباني وتمنع الشيوعية...لا يمكن ادعاء الحرية والنشاط السياسي الحر وحرية التصويت والانتخاب.

 

 أزمة الحكومة البرجوازية

إلا أن جانباً مهماً آخر لهذه القضية هو أن أمريكا والقطب اليميني لا يملكان النفوذ المعنوي والإطار السياسي والإيديولوجي لحسم قضية الدولة على الصعيد العام، وهذا هو أساس الفشل، لحد الآن، على مستوى هذه القضية. بمعنى آخر؛ ان البرجوازية العراقية تعاني أزمة حكومية. لذلك فإن أطروحاتها وبدائلها هي استمرار للسيناريو الأسود. وقد كان انعدام وجود بديل ليحل محل النظام البعثي مشكلة أمريكا منذ بداية هذه المرحلة الجديدة، وظل مسعاها خائباً في جمع مجموعة من التيارات والقوى والجماعات المختلفة والمتناقضة وبلورة بديل منها. وكل طرح يتبلور مستقبلاً على أساس التوليف الإرادوي لهذه التيارات المتناقضة سيكون مصيره الفشل. إن المشكلة الأساسية للبرجوازية العراقية تكمن في ان ليس لها قوة جدية تمثلها على الصعيد العام. فهذه القوى الحالية سواء التي تقف الى جانب أمريكا أو التي في صراع معها، لا هي تمتلك قدرة سياسية وعملية تؤهلها لحسم قضية السلطة السياسية على الصعيد العام، كما فعل حزب البعث سابقاً في حسمه لتمثيل الحركة القومية العربية وإشاعة القمع الدموي على سبيل  المثال، ولا هي ذات هوية تؤهلها لأن تكون ركيزة وأساساً سياسياً وأيديولوجياً لهذه القضية على الصعيد العام. ولو نظرت الى أية واحدة من هذه القوى ستجد أنها لا تستطيع سوى الحصول على ميدان محلي على صعيد منطقة من مناطق العراق، بسبب الهوية القومية أو الطائفية التي تحملها، سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الأيديولوجية، وبهذا تصبح اضطرارا ظاهرة غريبة وعديمة الأساس في المناطق الأخرى.

 

 بديل الشيوعية العمالية للدولة