خسرو سايه: رفيق ريبوار قبل
كل شيء نريد أن نعرف ما هو
تقييمك للمكانة الخاصة
للاجتماع الدوري الثامن عشر
للجنة المركزية؟
ريبوار أحمد:
المكانة الخاصة لهذا الاجتماع
الدوري للجنة المركزية يجب
تقييمها قبل كل شيء إرتباطاً
بالأوضاع التي يمر بها
المجتمع العراقي الآن. إنها
أوضاع على درجة بالغة من
الخطورة والتعقيد ألقت
بظلالها على هذا المجتمع،
واستمراراً بالمسار السياسي
الذي بدء بالحرب الأمريكية في
السنوات الثلاثة الماضية،
والمجتمع العراقي الآن وضع في
قلب نار حرب داخلية طائفية.
نيران هذه الحرب تطوف في كل
شارع وزقاق.
إذا ما استمر هذا المسار
السياسي الحالي، ستتعقد هذه
الأوضاع أكثر وتزداد ضراوة،
وعدا عن أن هذه الحرب
الطائفية ستتعمق أكثر وتزداد
مأساوية، ثمة مخاطر في أن
تتوقد وتلتهب
شرارة
حرب قومية أيضاً. خصوصاً وأن
هناك الكثير من الأخذ والرد
بخصوص المسألة المسماة المادة
58، وفي الحقيقة فإن مضمونها
لا هو يعبر عن أي من مطالب
الجماهير المرحلة الناطقة
بالكردية من جماهير كركوك ولا
هي خطوة لتطبيع أوضاع هذه
المدينة، بل إنها قنبلة
موقوتة لتفجير الحرب القومية.
حرب تكون ضحاياها الناس
الأبرياء والبؤساء من
الناطقين بالكردية وبالعربية
وبالتركية، في سبيل ضمان
الأغراض والأهداف الرجعية
للقوى والجماعات القومية
والقوميين وتقسيم السلطة فيما
بينهم.
الاجتماع الدوري الثامن عشر
للجنة المركزية ركز بشكل خاص
على هذه الأوضاع وأسبابها
وحلل الاحتمالات المرتقبة
وحدد على هذا الأساس وظائف
الحزب ومهامه لمواجهتها. جميع
قرارات وتوجهات الحزب
السياسية الرئيسية، ومن ضمنها
تلك التي تتعلق بالجانب
التنظيمي للحزب، هي مرتبطة
بهذه الأوضاع.وبتصوري هذا ما
يحدد الأهمية الخاصة ومكانة
هذا الاجتماع الدوري للجنة
المركزية.
خسرو سايه: رفيق ريبوار بعد
توضيحاتك هذه هل من الممكن أن
تبين للقراء أكثر مواضيع
الاجتماع الدوري وأبحاثه
رئيسية وتقديم عرض مختصر
بخصوصها؟
ريبوار أحمد:
أهم أبحاث الاجتماع الدوري هو
موضوع أوضاع العراق السياسية
الحالية ودور الحزب. وكان
موضوعاً عن ما الذي يجري الآن
في العراق وما هو دور الحزب؟
أو بمعنى آخر ما الذي يجري في
حاضر العراق وما هو الدور
الذي على الحزب القيام به
فيما يتعلق بهذه الأوضاع؟
وكما قلت فيما تقدم أكد
الاجتماع الدوري بهذا الخصوص
على أن ما يجري في العراق
الآن هو حرب داخلية وضعت
المجتمع وحياة المواطنين أمام
مخاطر كبيرة. مسار الأحداث
ودور وسياسة ومخططات أمريكا
والأطراف القومية والدينية،
تتجه نحو تعميق وتعقيد هذه
الأوضاع أكثر فأكثر. بالطبع
هم ينكرون أن هناك حرباً
داخلية، حتى أنهم وللتغطية
على دورهم العملي ونتائج
سياساتهم الرجعية، يتحدثون
بشكل خادع ويقولون لن تجري
حرب داخلية في العراق. هذا في
حين أن هذه الحرب تحصد يومياً
أفواج المواطنين الأبرياء
وحتى الغافلين عن أسباب
وأهداف هذه الحرب.
ومازالت الأطراف القومية
والدينية عاجزة عن الخداع
والى جانب هذه المأساة التي
شاركت تلك الأطراف مباشرة في
خلقها، فإنها تقول أن
الجماهير في ظل دور هذه
الأطراف ونتيجة للعملية
السياسية للسنوات الثلاثة
الماضية هي بصدد الوصول الى
حقوقها وتمارس تمارين
الديمقراطية. حملة الدعاية في
ذكرى مرور عام على وصول جلال
الطالباني الى رئاسة
الجمهورية كانت مثيرة جداً
للانتباه. ولكن من الجانب
الآخر أيضاً تناست الجماهير
مقابل تهديدات الحرب وانعدام
الأمن كل شيء وصار هاجسها
الكبير هو كيف تحافظ على
حياتها وبقائها المادي،
فالآلاف الذين يتسمون باسم
عمر والذين يتسمون باسم عثمان
لا يعرفون كيف يحافظون على
حياتهم من تهديد الموت
والخلاص منه بسبب أنهم يحملون
هذه الأسماء. ونفس هذا
التناقض الكبير بين الدعاية
الأمريكية والأطراف القومية
والدينية من جانب وقلق
الجماهير ورعبها من جهة
ثانية، يبين بأوضح الأشكال
اغتراب هذه الأطراف وسياساتها
وبرامجها عن أبسط حقوق ومطالب
الجماهير.
هذه الأوضاع الخطيرة جعلت من
المشكلة الأمنية المشكلة
الرئيسية لهذا المجتمع.
وأمريكا نفسها متورطة نتيجة
لسياساتها. وعلى الرغم من أن
الأطراف القومية والدينية هي
في فلك السياسات الأمريكية،
تتجه مشاكلها وتناقضاتها مع
بعضها البعض يوماً بعد آخر
نحو التعمق أكثر. إذ ان
سيناريو مهزلة الانتخابات
الأخيرة، أوصل الصراع فيما
بينها على تقسيم السلطة الى
أقصى مدياته. وبعد مرور حوالي
أربعة أشهر على تلك المهزلة
مازالت الأطراف المشاركة فيها
عاجزة عن تشكيل الحكومة. وفي
المدى القصير أيضاً لا هي
تستطيع تشكيل حكومة مشتركة
راسخة بالشكل التي تطلق عليها
تسمية (حكومة وحدة وطنية
عراقية)، ولا بوسع أي طرف
منها أخراج منافسيه من
الميدان وحسم السلطة لنفسه.
غير أن مخططات ومساعي كل طرف
منها تتخذ دوراً مباشراً
باتجاه تعميق الحرب الداخلية
وتشديد أجواء انعدام الأمن.
هذه هي السبيل والمخططات
الواقعية لهذه القوى لحسم
السلطة أو ضمان حصتها منها.
وأكد الاجتماع الدوري للجنة
المركزية على أن إنهاء هذه
الأوضاع في التحليل الأخير
صار مرهوناً بإخراج القوات
الأمريكية وتقصير يد القوى
القومية والدينية، وكذلك
إقامة حكومة مؤقتة تجعل
برنامجها الرئيسي المعالجة
الفورية لمشاكل المجتمع
الرئيسية وخلق أوضاع تسمح
للجماهير لتحديد نظام الحكم
المستقبلي بحرية ووعي. إن هذا
يكون ممكناً من خلال تنظيم
وبلورة حركة جماهيرية شاملة
حول بديل راديكالي. ولكن
بالتزامن مع هذا وحتى كنقطة
شروع في هذا العمل، يجب تنظيم
الجماهير اليوم بشكل مسلح
للدفاع عن أمنها بوصفه أكثر
المشاكل رئيسية الآن. وقد أكد
الاجتماع الدوري بهذا الخصوص
على أن مؤتمر حرية العراق هو
البديل والإطار الأنسب، سواء
لتنظيم هذه الحركة الجماهيرية
وكذلك لتنظيم الجماهير
المسلحة للدفاع عن أمنها.
وحدد الاجتماع الوظيفة
الرئيسية للحزب في هذه
المرحلة في تقوية وتطوير
وتحقيق هذا البديل.
عدا عن أوضاع العراق العامة،
كانت أوضاع كردستان الخاصة
وخطة الحزب العملية في قلب
هذه الأوضاع، موضوعاً من
مواضيع الاجتماع الدوري
الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق
بقاء المصير السياسي لكردستان
غامضاً، وكيفية التصدي
لانزلاق كردستان الى داخل
الحرب الداخلية، وقيادة
الاحتجاجات الجماهيرية
الواسعة النطاق والعريضة ضد
السلطة الفاسدة والمفروضة على
الجماهير للأحزاب القومية
و...حيث يمكن فيما بعد الحديث
بشكل خاص عن هذا الموضوع.
كذلك المسألة المهمة الأخرى
التي قرر عليها هذا الاجتماع
الدوري، هي تغيير صيغة
وترتيبات قيادة الحزب، وهذا
له صلة أيضاً مرة أخرى
بالأوضاع الحالية وميادين
نضال ونشاط الحزب المختلفة
ونفس أوضاع الحزب. صيغة
الليدر وبالرغم من تقييم
الاجتماع الدوري لها بوصفها
شكل أرقى وأنسب لترتيبات
قيادة حزب سياسي، إلا أنها
بسبب جملة من الأسباب الخاصة
ليست فعالة الآن لحزبنا، وإذا
استلزم الأمر سنتطرق فيما بعد
لهذا الموضوع. لهذا طرح
الموضوع وطرحت مشروع لتغيير
صيغة القيادة من قبلي في
الاجتماع الدوري السابق، ولم
يصادق الاجتماع الدوري السابق
للجنة المركزية على هذا الطرح
وطلب مني سحب المشروع. ولكن
بعد الاجتماع الدوري السابع
عشر كانت هناك فرصة لأن نناقش
هذه المسألة ونحلل مختلف
جوانبها، ولهذا حين طرح هذا
الموضوع في الاجتماع الدوري
الثامن عشر تم إقراره
والمصادقة عليه وتم القيام
بترتيبات جديدة لقيادة الحزب.
وبموجب هذه الصيغة انتخب
المكتب السياسي بوصفه الهيئة
القيادية السياسية والتنفيذية
للحزب من قبل الاجتماع الدوري
وانتخب سكرتير اللجنة
المركزية كممثل للاجتماع
الدوري وكمراقب على أعمال
المكتب السياسي. هذه الطرح
كان في حينه مطروحاً من قبل
منصور حكمت.
خسرو سايه: بقدر تعلق الأمر
بالأوضاع السياسية الحالية،
ثمة مكانة أكد عليها الحزب
لنفسه وضمن هذا الإطار لمؤتمر
حرية العراق في هذا الاجتماع
الدوري، ما هي المحاور
الرئيسة لها من ناحية
التوجهات السياسية؟
ريبوار أحمد:
منذ بداية طرح مشروع تأسيس
مؤتمر حرية العراق من قبل
حزبنا، تم التأكيد بوضوح على
أن المؤتمر هو وسيلة وبديل
الحزب لمواجهة أوضاع العراق
الحالية وانتشاله من
السيناريو الأسود وإعادة
تنظيم الحياة المدنية، ولكن
في هذا الاجتماع الدوري تم
تقييم فترة سنة من أعمال
ونشاطات المؤتمر والتعامل
العملي للحزب مع هذا المشروع.
وعلى أساس هذا التقييم تم
التأكيد على جملة من
التأكيدات المهمة حول كيف
ينظر الحزب الى هذا المشروع
وكيف نتعامل معه وكيف نمهد
السبيل لنموه وتناميه بوصفه
منظمة سياسية مستقلة
وجماهيرية وتحررية
وديمقراطية.
ومن ضمن ما تم التأكيد عليه
هو أن المؤتمر الوسيلة
الرئيسية والبديل الرئيسي
للحزب والحركة الشيوعية
والعمالية واليسارية
والعلمانية والتحررية للتدخل
السياسي في الأوضاع الحالية
وإنهاء هذا الوضع المأساوي.
وهذا يعني أن هذا المشروع هو
ليس مشروعاً آخر لهذه الحركة
والجبهة الى جانب المشاريع
الأخرى بحيث يتم منحه دور
روتيني والنظر إليه مثل أية
واحدة من المشاريع الأخرى. أو
بمعنى آخر ليس أسماً ومشروعاً
تمت إضافته الى قائمة مشاريع
هذه الحركة، بل هو المشروع
الأصلي والمحور الرئيسي
والوسيلة الناجعة بيد هذه
الحركة للتدخل في الأوضاع
السياسية وتغيير معادلة
السلطة بصالح اليسار
والشيوعية والتحررية. من غير
شك أن أية واحدة من مشاريعنا
الأخرى لها أهميتها وعملها في
ميادينها، ولكن الاجتماع
الدوري أكد أن في هذه المرحلة
يجب أن يتقدم التدخل السياسي
لهذه الحركة من خلال هذا
البديل وليس من خلال أي مشروع
وقناة أخرى. المؤتمر هو إطار
تتكرس فيه كل جهود وطاقات
حركتنا وجبهة المجتمع
التحررية للتدخل الفعال في
أوضاع العراق السياسية
الحالية وبهذا الخصوص يجب على
كل الحركة بكل طاقاتها
ومنظماتها وشخصياتها التركيز
الخاص والأصلي على المؤتمر.
وأن تكافح بكل طاقاتها لتقوية
وتجسيد دور المؤتمر.
في نفس الوقت ونظراً لأن
النتائج والآثار المأساوية
لهذه الأوضاع لا تمسك فقط
بخناق جماهير العمال
والكادحين وإنهاءها ليس فقط
في صالح هذه الجماهير، بل إن
قسماً عريضاً وفي الحقيقة
القسم الأعظم من سكان هذا
المجتمع متضرر بشدة من انهيار
أسس المدنية والأوضاع
الحالية. في أوضاع كهذه فإن
مؤتمر حرية العراق هو طرح
ومشروع يسار المجتمع ليس من
أجل نفسه فقط، بل لتنظيم كافة
تلك القوى والجماهير
والتيارات والأطراف المتضررة
من هذه الأوضاع والمطالبة
بإنهائها وإعادة تنظيم
المدنية في المجتمع. من خلال
هذا الطرح بوسع اليسار
والشيوعية قيادة حركة شاملة
وجماهيرية لإعادة المدنية
والأمن والاستقرار للمجتمع.
مؤتمر حرية العراق هو مشروع
يسار المجتمع، وفي نفس القوت
بوسع القوى والمنظمات
والأحزاب المختلفة المشاركة
والمساهمة والنشاط فيه وفق
الأسس المحددة. إلا أن
المؤتمر من الناحية
التنظيمية، منظمة مستقلة
تماماً، ومصدر القرار على كل
سياسة وتكتيك وخطوة عملية هو
فقط هيئاته القيادية. المؤتمر
عدا مبادئه وأصوله السياسية
والتنظيمية لا يلتزم بأية
مبادئ وأصول سياسية وتنظيمية
لأية قوة وطرف مشارك وناشط
فيه. كل طرف عضو وناشط في
المؤتمر يمكنه السعي لاقتراح
أية وجهة نظر وسياسة وتكتيك
يعتبرها صحيحة للمؤتمر
والوصول لإقرارها والمصادقة
عليها من خلال القنوات
المؤتمر الرسمية وذات
الصلاحية. على هذا الأساس فإن
المؤتمر كمنظمة مستقلة تحررية
وديمقراطية، وبمعزل عن مبادئ
وأصول الأطراف الأعضاء
والمشاركة فيه، له الحرية
والصلاحية الكاملة لأن يتخذ
ضمن إطار برنامجه وأصوله
ومبادئه أية سياسة وتكتيك
وإقامة علاقات تمهد السبيل
لنموه وتقدم سياسته ومخططاته.
ولكن بتصوري أن التوجه
السياسي الرئيسي جداً لهذا
الاجتماع الدوري هو الوقوف
الشديد والراسخ خلف قرار
المجلس المركزي لمؤتمر حرية
العراق في التسلح والتنظيم
المسلح للجماهير حول مراكز
الأحياء والمحلات، للدفاع عن
أمنها وحقوقها. ففي نهاية
الشهر الماضي توصل المجلس
المركزي في اجتماعه الى أن
الحرب الداخلية أوصلت انعدام
الى أمام كل بيت ومسكن. وتحول
توفير الأمن اليوم الى
المسألة الرئيسية ولها
الأولوية على كل شيء. وهذا
يتوفر فقط بالقوة المنظمة
والمسلحة للجماهير نفسها حول
بديل يستند على إرادة
الجماهير. أمن الجماهير يتم
ضمانه فقط بيد الجماهير
نفسها. في نفس الوقت فإن أي
تدخل سياسي في هذه الأوضاع لا
تقف خلفه قوة سلاح، لا يمكنه
أن يتخذ دوراً مؤثراً وحاسماً
على مصير المجتمع. وهنا تم
القرار على تأسيس (قوة
الأمان) بقيادة المؤتمر وحول
مراكز الأحياء والمحلات. ولم
يقف الاجتماع الدوري للجنة
المركزية فقط بشكل راسخ جداً
وحازم خلف هذا القرار، بل جعل
من إنجاز هذا المشروع أكثر
أولويات الحزب وقيادة الحزب
رئيسية. وجرى التأكيد بشكل
واضح أن من دون اللجوء لهذا
العمل ومن دون إنجاز هذا
المشروع، لن تكون هناك أية
إمكانية للتصدي للأوضاع
الحالية وتحويل المؤتمر الى
قوة سياسية مؤثرة ومحرِّرة
تعيد القوة والإرادة
للجماهير.
خسرو سايه: في موضوع تغيير
صيغة وترتيبات قيادة الحزب،
وكما قلتم قرر المؤتمر تغيير
صيغة الليدر الى صيغة القيادة
الجماعية. وقدمتم بهذا الخصوص
وثيقة الى الاجتماع الدوري
للجنة المركزية، وهنا السؤال
هو ما الغرض من هذا التغيير
في صيغة ترتيبات قيادة الحزب
وما هي الأسباب والعوامل التي
تقف خلف هذه المسالة؟
ريبوار أحمد:
إذا اختصرت قولي بجملة فإن كل
نوع من الترتيبات لأي حزب
سياسي، هو ببساطة يعني أنه
ينبع من ما هو الأسلوب الفعال
والأفضل لدفع الحزب السياسي
لسياساته وخططه الى الأمام.
بالنسبة لنا فإن رؤية وتحليل
ومن ثم اختيار صيغة وترتيبات
معينة تأتي من هذا المنظار.
بتصوري لو نظرت الى صيغة
الليدر بحد ذاتها فإنها أسلوب
أرقى وكامل وفعال لحزب سياسي
يريد أن يصبح حزباً جماهيرياً
ويتقوى ويكسب السلطة
السياسية. هذا الأسلوب والشكل
أكثر فاعلية لتجسيد وإبراز
قيادات وشخصيات حزب سياسي
وجعلها موضع أمل الجماهير.
بالطبع كان إقرار هذا الشكل
والأسلوب من قبل حزبنا تقدماً
في نفس الوقت في مسار القطيعة
مع تقاليد وتصورات اليسار
الهامشي. فخلال عشرات السنين
الماضية، خصوصاً نتيجة لهزيمة
ثورة أكتوبر، تم دفع اليسار
والشيوعية بقوة نحو هامش
المجتمع وإبعادها عن مركز
الصراعات السياسية
والاجتماعية. في البداية قامت
البرجوازية بوضع اليسار
والشيوعية في هذه المكانة
بالضغوط والإكراه والقمع
والكبت، ولكن فيما بعد تحول
هذا التهميش نفسه الى أرضية
وأساس ظهور وثبات مختلف
التقاليد والتصورات الفكرية
والسياسية داخل صفوف اليسار
نفسه، كي يبقى هو على الهامش
ويتقي أي ظهور وتدخل سياسي
مؤثر في ميدان الصراع على
السلطة السياسية ومصير
المجتمع. وقد وقف منصور حكمت
وناضل بشكل حازم وراسخ جداً
ضد هذه التقاليد والتصورات
اليسارية التقليدية، وسعى
لبلورة وبناء شيوعية نموذجية
اجتماعية ومتدخلة ومتطلعة
للسلطة وبناء حزب سياسي على
هذا الأساس. وقام في هذا
السبيل بجملة من الأعمال
العظيمة والتقدم المهم.
إنني أوردت هذا الموضوع كي
أقول أننا حين صادقنا على
صيغة الليدر لقيادة الحزب،
خطونا خطوة مهمة للقطيعة
والانفصال عن تقاليد وتصورات
اليسار التقليدي. ذلك اليسار
الذي لديه خوف مسبق من الظهور
وإبراز شخصياته، ذلك اليسار
العاجز عن طرح وإبراز أشخاص
بوصفهم قادته ومرشحيه لقيادة
المجتمع، ذلك اليسار يخاف تحت
ضغط الضجيج والدعاية المعادية
للشيوعية أن يلجأ الى تلك
الآليات الاجتماعية التي تجعل
من الأحزاب أحزاباً سياسية
اجتماعية وتطابقها مع
المجتمع. باختصار خطوتنا هذه
هي ضمن إطار بحث مهم لمنصور
حكمت باسم (الحزب والمجتمع).
حيث بتصوري أننا من ناحية
التقاليد والناحية الفكرية
سجلنا لتونا تقدماً ولن نعود
الى الوراء. حتى لو عدنا في
مرحلة مثل اليوم بسبب جملة من
الدلائل المحددة الأخرى الى
صيغة وترتيبات أخرى. هذه
الدلائل ليس لها أية صلة
بتصورات وتقاليد اليسار
التقليدي.
أنا حين طرحت في الاجتماع
الدوري السابق موضوع تغيير
هذا الشكل من أشكال القيادة،
كانت دلائلي هي أن هذا الشكل
الآن ليس فاعلاً وعملياً
بالنسبة لنا. فخلال السنوات
لثلاثة الماضية طرأ تغيير
كبير جداً في أوضاع المجتمع
والحزب والمكانة الاجتماعية
للحزب وبنيته السياسية
والتنظيمية وقيادته، لدرجة
أنه لا يمكن مقارنتها بأوضاع
أواخر عام 2002 حين صادقنا
وقررنا على صيغة الليدر.
تغييرات أوضاع المجتمع واضحة،
ولكن بمعزل عن هذا تحول الحزب
من حزب كردستاني عملياً الى
حزب واقعي عراقي له دور مختلف
تماماً في المجتمع، انتمت له
قوى جديدة وعريضة، تغيرت الى
درجة كبيرة جداً تركيبته
التنظيمية وتركيبة الكادر
والقيادة، كذلك انفتح أمامه
ميدان لنشاط كبير ومختلف
تماماً. بالتأكيد أن هذه
التغييرات بحد ذاتها ليس لها
أي تناقض مع صيغة الليدر
للقيادة، إلا أننا خلال هذه
السنوات الثلاثة الماضية ظهر
لنا عملياً أن قيادة الحزب
بحسب أوضاع الحزب الخاصة
والاختلاف الكبير بين الأوضاع
وميادين نشاط الحزب، هي أمر
صعب وشاق بهذا الأسلوب
والشكل.
ولأوضح هذا الأمر قليلاً، على
سبيل المثال لو ألقينا نظرة
على الميادين الثلاثة
الرئيسية لنشاط الحزب:
العراق، كردستان، والخارج،
خصوصاً الآن بحسب أوضاع
العراق وتحوله الى الميدان
الأصلي لصراع القوى
والمواجهات العالمية، اتخذ
ميدان الخارج لحزبنا أهمية
خاصة أكثر مقارنة بما قبل
ثلاثة أعوام، فقد تحول الخارج
الى أحد الميادين الأصلية
للنضال والصراع على مصير
المجتمع العراق وكسب السلطة
السياسية في العراق. ولكن
النشاط في هذه الميادين
الثلاثة يجعلنا نواجه ثلاثة
أوضاع مختلفة تماماً عن بعض،
وثلاثة خطط وأولويات مختلفة
تماماً عن بعض...حيث أن
قيادتها من قبل مركز قيادي
مستقر في العراق أمر صعب
وعسير. في حين أن هذا التمركز
للقيادة الذي سميناه نحن
(المكتب التنفيذي) هو ركن
رئيسي من تركيبة صيغة الليدر
ولا يعمل من دونه. نحن
اضطررننا بعد الاجتماع الدوري
السابع عشر للجنة المركزية
لتشكيل تركيبة تنفيذية، بدلاً
من (المكتب التنفيذي) بصورة
ثلاثة هيئات تنفيذية مختلفة
(الهيئة التنفيذية للعراق،
ولكردستان، وللخارج). ولكن
خلال الأشهر التسعة الماضية
تبين لنا أن الإشراف على
أعمال الحزب اليومية وقيادته
بهذا الشكل ليست عملية
وفاعلة. هذا هو فقط نموذج من
مشاكلنا لتطبيق صيغة الليدر
بشكل جيد. حيث أن هناك بعض
العوامل الأخرى التي تحدثت
عنها باختصار في المشروع الذي
طرحته أمام الاجتماع الدوري
والذي من المقرر نشره.
باختصار سبب هذا التغيير لم
يكن ولن يكون الندم أو مراجعة
نفس صيغة الليدر، نحن ربما
نعود مجدداً الى هذا الشكل
والأسلوب في فترة حيث تزول
العقبات أمام تطبيق هذه
الصيغة، بل أن السبب هو أنها
في هذه الأوضاع ليست عملية
ومناسبة لنا، ولم نتمكن من
تطبيقها بشكل جيد.
خسرو سايه: ولكن رفيق ريبوار،
كما أشرتم أنتم، بالنسبة لأي
حزب سياسي، فإن صيغة الليدر
شكل أرقى وأسلوب فاعل. إذن
أليست هذه العودة الى
"القيادة الجماعية" وتنحية
جانباً لصيغة الليدر، بمعنى
تراجع الحزب على صعيد
المجتمع؟
ريبوار أحمد:
بتصوري أن أي صيغة لقيادة
الحزب بحد ذاتها لا تشكل لا
تقدماً ولا تراجعاً على صعيد
المجتمع. ترتيبات القيادة هي
شكل تختاره قيادة الحزب
لكيفية دفع أعمالها الى
الأمام وقيادة نضال اجتماعي
من المقرر أن يقوم الحزب به.
تقدم الحزب أو تراجعه على
الصعيد الاجتماعي مرهون
بكيفية عمل القيادة بتلك
الصيغة والترتيبات على الصعيد
الاجتماعي.
من غير شك أن شكل ترتيبات
القيادة وصيغتها لها دور في
المجال الذي ستفسحه لتدخل
وتقدم الحزب، إلا أن الصيغة
والترتيبات بحد ذاتها لا تحسم
المسألة. ما قلته في السابق
في أننا بإقرارنا لصيغة
الليدر حققنا خطوة الى
الأمام، وكما توضح في كلامي،
فإن ما أقصده بتلك الخطوة هي
من ناحية التقاليد والتصورات،
ما اقصده خطوة للقطيعة
والانفصال عن تلك التقاليد
وتصورات اليسار التقليدي التي
أشرت إليها. ومن غير شك أن
تلك الخطوة للقطيعة عن تقاليد
ترتبط بماضينا نفسه، كانت
شرطاً لفسح المجال أمامنا كي
نتقدم على الصعيد الاجتماعي،
ولكنها لم تكن التقدم نفسه في
الميدان الاجتماعي، بل كانت
شرطاً مسبقاً له. وتغيير تلك
الصيغة والترتيبات الآن
مجدداً لا يعني بأي شكل
العودة الى تلك التقاليد
السابقة، فما عاد على صعيد
التقاليد والتصورات سلب تلك
المكاسب منا وقد ترسخت، وفي
الحقيقة على أساس هذا التقدم
من ناحية تقاليدنا وتصوراتنا
نحن اليوم بوسعنا النظر بشكل
واقعي ببساطة بدون أي تعصب
لأوضاعنا ومشكلاتنا بحيث نجري
تغييرات مناسبة على كافة
المستويات في صفوفنا.
وبالطبع أريد الاعتراف بحقيقة
أن من ناحية شكل وأسلوب صيغة
القيادة، فإن هذا التغيير،
بتصوري الشخصي، فيه تراجع،
ولكن كما قلت من ناحية شكل
وأسلوب صيغة القيادة وليس من
الناحية الاجتماعية. هذه
حقيقة ولكن إذا ما تحققت
بالشكل الذي ننتظره فإن هذا
الصيغة الجديدة التي وضعناها
للقيادة، بحيث يكون بوسعها أن
تصبح مصدر اندفاع في أعمالنا
ومشاريعنا في الميدان
الاجتماعي وفي اتجاه إبراز
التدخل السياسي للحزب، فإن
هذا التراجع الشكلي سيتم
تعويضه بشكل كبير جداً. وما
استشفه منذ البداية أن
الأبحاث والتوجهات السياسية
التي تزامنت مع موضوع تغيير
صيغة القيادة في جدول أعمال
الحزب، قد خلقت استعداداً
وحماساً وقراراً سياسياً داخل
صفوف القيادة على درجة بحيث
شكلت موضع أمل كبير ومصدر
سعادة بالغة بالنسبة لي في
أنها تضمن اندفاع الحزب الى
الأمام على الصعيد الاجتماعي.
خسرو سايه: كما ورد في البلاغ
الختامي للاجتماع الدوري
الثامن عشر للجنة المركزية أن
واحداً من جدول أعمال
الاجتماع هو عبارة عن بحث
أوضاع كردستان الحالية
ومساراتها...بهذا الخصوص ما
هي القراءة التي كانت لدى
الاجتماع الدوري لأوضاع
كردستان الحالية وما هو الأفق
الذي حدده لتغيير هذه الأوضاع
بصالح الجماهير؟ وما هي أهم
الخطوط العامة لتوجهات
وأولويات الحزب في هذه
المرحلة؟
ريبوار أحمد:
بخصوص أوضاع كردستان أكد
الاجتماع الدوري للجنة
المركزية على مسألتين
محوريتين: الأولى بقاء مصير
كردستان مجهولاً والنتائج
المتوقعة لتلك المساعي
والمخططات التي تقوم بها
الأحزاب القومية الكردية
للإلحاق الإجباري لكردستان
بالعراق. هذا وبمعزل عن كونه
سحقاً للإرادة الحرة لجماهير
كردستان وجرها الى أمام مخاطر
تكرار المآسي التي أصابت
الجماهير في الماضي، هناك في
نفس الوقت اليوم جملة من
المخاطر الأخرى التي تواجه
جماهير كردستان. بدءاً من
جرها للانزلاق في هذا
السيناريو الأسود والحرب
والقتل وانعدام الأمن الحالي
المقام الآن في العراق،
وصولاً الى وضع كردستان ضمن
إطار الإلحاق بعراق تمت
أفغنته خاضع للجماعات
الإسلامية المختلفة، وضعها
تحت تأثير السلطة والتقاليد
والقوانين الرجعية والإرهاب
الإسلامي. هذه تشكل مخاطر
كبيرة أمام حاضر ومستقبل
كردستان.
والثانية هي تصاعد الاحتجاجات
العريضة الجماهيرية والشاملة
ضد السلطة الفاسدة للأحزاب
القومية والمفروضة على
الجماهير.هذه الأمواج من
الاحتجاجات راحت تصبح خلال
السنة والسنتين الأخيرتين
أكثر راديكالية وأوسع وأشد.
لقد تجاوزت الأحزاب القومية
الكردية كل حدود السلب
والنهب، وهي تأكل واردات
كبيرة جداً وتغرق في ثراء
فاحش، ومن الجانب الأخر تعاني
الجماهير العريضة والغفيرة
بشكل تام بسبب الغلاء وغياب
الخدمات الأساسية لحياتها
اليومية. الآن ومع اعتراف
مسؤولي الأحزاب الحاكمة، ومن
ضمنهم نفس جلال الطالباني
ومسعود البارزاني، بصراحة
بهذا الفساد ولصوصية أحزابهم
وحكومتهم، يكررون من جانب
وعودهم التي صارت أسطوانة
مشروخة يومياً باجتثاثه، ومن
الجانب الآخر باستحضارهم
نموذج السلطة الفاسدة من قبيل
سلطتهم، يريدون أن هذا السلب
والنهب أمر اعتيادي وهو موجود
وسيوجد في كل مكان. ولكن
الفساد وصل الى درجة بحيث أنه
على وشك ضعضعة صفوفهم.
هذه السلطة المليشياتية
الفاسدة وبالتزامن مع سلب
ونهب واردات المجتمع
المختلفة، تشدد أكثر فأكثر من
تناقضها مع المطالب والإرادة
والتطلعات التقدمية للجماهير
من جميع الجوانب السياسية
والاجتماعية والثقافية
بإصرارها على الرجعية. ونتيجة
لهذا اتسعت اليوم أكثر من أي
وقت آخر الهوة والقطيعة بين
الجماهير وبين السلطة
المفروضة لهذه الأحزاب.
الأحزاب القومية وللسيطرة على
الاحتجاجات الجماهيرية ومطالب
الجماهير، لجأت بشكل صريح
وبارز للقمع والكبت السياسي
للاحتجاجات وخنق أي صوت محتج
ومعارض لها. فانفجار سخط
جماهير حلبجة والقمع الدموي
لمظاهرات الجماهير، هي أحدث
وأبرز نماذج هذه الممارسات
وردود الأفعال بين الجماهير
وبين سلطة الأحزاب القومية.
ما حدث في حلبجة سواء حضور
الجماهير الى الميدان وكذلك
لجوء السلطة الى قمع
الجماهير، من الممكن أن يحدث
بشكل أكبر وأوضح في كل مدينة
وقصبة في كردستان. ولكن من
الضروري أن يتضح لدينا أن هذه
الأحزاب ليست لديها قدرة
ومكانة راسخة بحيث تستطيع
السيطرة على هذه الاحتجاجات.
لهذا نتائج هذا الأمر ستحسم
على جانبين، فبالدرجة التي
تقلل فيها من ميدان حضور
الجماهير بوسعها أن تنتهي في
غير صالح تلك الأحزاب بنفس
الدرجة وحتى أكثر من ذلك
أيضاً.
ولكن المسالة المهمة جداً هي
أن هذه الاحتجاجات ومع أنها
غفيرة وجماهيرية، فإن الطابع
الراديكالي والتقدمي لها في
نفس الوقت هو صاحب اليد
الطولى. ويشكل مطلب تأمين
حياة جديرة بالإنسان المعاصر
محور أهدافها. هذه الاحتجاجات
التي يتخذ الشباب فيها دوراً
رئيسياً بنظرة متمدنة
وتقدمية، هي تعادي بشدة
القوانين والتقاليد الرجعية
الإسلامية والقومية،
وللعلمانية والتأكيد على فصل
الدين عن الدولة فيها جذور
قوية، وهي مناصرة للحريات
السياسية وحرية التعبير،
ومناصرة للمساواة الحقوقية
بين المرأة والرجل. بهذا
المعنى هي حركة في جوهرها
يسارية وراديكالية.
لقد تم بلورة التوجه السياسي
وأولويات الحزب فيما يتعلق
بهذين المسارين في المجتمع
الكردستاني من قبل الاجتماع
الدوري للجنة المركزية. على
الحزب ولتجسيد وإنجاز دوره
السياسي بغرض الإجابة على
معضلات مجتمع كردستان أن
يتطابق ويرتبط تماماً بهذين
المسارين. أي تنظيم نضال شامل
وعام حول حسم مصير كردستان
وإبعادها من تلك المخاطر التي
تتهددها ضمن إطار عراق أغرق
في سيناريو الحرب والإرهاب
والرجعية، وكذلك تنظيم وقيادة
الاحتجاجات الجماهيرية ضد
السلطة الفاسدة والمفروضة
والفوقية للأحزاب القومية،
حول برنامج عمل راديكالي
ويساري وعلماني، وتقديم أفق
وخط سياسي راديكالي لها،
والسعي لتأمين قيادة ميدانية
حكيمة وحازمة وثاقبة الرؤية
لها.