الى أين سيدفع بالعراق تقرير
بيكر-هاملتون؟
ريبوار أحمد
تقرير بيكر-هاملتون يشكل
انعاطفة كبيرة في السياسة
والاستراتيجية الأمريكية تجاه
العراق والمنطقة. فشل سياسات
أمريكا العدوانية وغطرستها في
العراق والمنطقة، وكذلك
التوازن الجديد للقوى داخل
السلطة الأمريكية، ضمن إطار
مقترحات هذا التقرير، هما
عاملان يفرضان هذه الانعطافة.
فقد اعترفت أمريكا في خاتمة
المطاف بفشلها في هذه الحرب
التي خاضتها في العراق. هذه
الحرب التي كان مقرراً لها أن
تمطر أمطار الحرية
والديمقراطية على العراق
والمنطقة، جلبت الى المجتمع
مثلما توقعنا مأساة وكارثة
أكبر من عهد السلطة القمعية
البعثية. في نفس الوقت وبدلاً
من أن تكون خطوة تدفع بأمريكا
الى الأمام في مسار تثبيت
النظام العالمي الجديد، انتهت
بفشل وتراجع كبير. إن هذا
يخلق أوضاعاً جديدة في العراق
والمنطقة. فقيام الحرب
الأمريكية ترك تأثيراً
مباشراً في مسار فرض التراجع
على التحررية والبشرية
المتمدنة، غير أن فشل أمريكا
في هذه الحرب لن تكون له
نتائج مباشرة بعكس هذا الأمر.
حصيلة هذه العملية حتى الآن
تقدمت بصالح تنامي الإرهاب
الإسلامي وتنامي تيار يميني
آخر داخل أمريكا. دور
وممارسات هذين التيارين رجعية
ومعادية للإنسانية ومتهورة
بنفس الدرجة التي عليها دور
وممارسات الحكومة الأمريكية
الحالية برئاسة جورج بوش. لذا
طالما ظل مستقبل العراق
والمنطقة يتم تقريره على يد
ودور هذه القوى سيكون
استمراراً لهذا المسار
وسيهدده مستقبل أكثر عتمة
وخطورة.
المقترحات الموجودة في هذا
التقرير تتجه بعد فشل أمريكا
الحالي وأتباعها وعملائها
المقربين منها جداً في العراق
صوب تغيير مسار أوضاع العراق
السياسية باتجاه منح
الامتيازات لمجوعة من
الجماعات الرجعية القومية
والإسلامية الأخرى، أو بمعنى
آخر إجراء تغيير في مكانة
القوى والحركات البرجوازية
ورسم وصياغة الأوضاع السياسية
في العراق على أساس توزان
ومعادلة جديدة. خصوصاً وأن من
المقرر منح الإسلام السياسي
والحركة القومية العربية ومن
ضمنها حزب البعث الفاشي مكانة
بارزة في هذه المعادلة
الجديدة. وهذا ما سيعمق أكثر
السيناريو الأسود الحالي
والحرب الداخلية الطائفية
وأوضاع غياب الأمن ومن
المتوقع أن تضاف له الحرب
القومية أيضاً.
هذا التغيرات الجديدة في نفس
الوقت تضع على الأقل في هذه
الفترة القصيرة (دلاقة) كبيرة
داخل العملية السياسية في
العراق. هذه ال(دةلاقة) تفسح
المجال أمام جبهة العامل
والحرية واليسار لتجد مكانها
في معادلة السياسة ومعادلة
السلطة الحالية ومستقبل
المجتمع. وهذا هو الأمل
الوحيد أمام هذا المجتمع
لإبعاده عن تلك التهديدات
الخطيرة الموضوعة أمامه. إن
أوضاع أمريكا في العراق هي في
منزلق تام، وعلى هذه الجبهة
أن تتخذ دورها في إخراج
أمريكا وحلفائها بأقصى ما
يمكن من السرعة وإنهاء مشكلة
الاحتلال. عليها أن تجسد
دوراً كبيراً في توفير الأمن
وحماية ممتلكات المواطنين في
قلب هذه الحرب والمجازر
الواسعة النطاق، وأن تتقدم في
برنامجها لتأمين أوضاع وظروف
تتدخل في ظلها الجماهير
الغفيرة بحرية ووعي في تقرير
نظام الحكم القادم في العراق.
مؤتمر حرية العراق بديل هذه
الجبهة في هذا السبيل. وتقوية
ودفع المؤتمر الى الأمام
وتحويله الى قوة مؤثرة
ومقتدرة، وتقوية قوة الأمان
وتأسيس مقرات الأحياء
والمحلات...هو وظيفة ومهمة
رئيسية ومصيرية لكل جبهة
العامل واليسار والتحررية في
قلب هذه الأوضاع.
مصير وسبل حل قضية كردستان
مع نشر هذا التقرير ظهر قلق
كبير بين صفوف جماهير كردستان
تجاه مصير المجتمع. مقترحات
هذه اللجنة المشتركة لكلا
الحزبين الحاكمين في أمريكا
تريد جر جماهير كردستان
ببساطة الى ظل سيطرة الإسلام
السياسي والحركة القومية
العربية وظلمهما. وخلال
السنوات القليلة هذه رسخت
القوى القومية الكردية بدعم
امريكا الاعتقاد بين صفوف
جماهير كردستان بأن حقوق
جماهير كردستان هي عبارة عن
ترسيخ الفدرالية وإعادة كركوك
الى ظل سلطة الاتحاد الوطني
والحزب الديمقراطي الكردستاني
وتأمين حصة هذين الحزبين من
واردات النفط وتطبيق الدستور
الفاشي القومي-الإسلامي
العراقي الحالي. والآن
بانقلاب الأوضاع ضد كل هذه
المشاريع الرجعية، تقف الحركة
القومية الكردية أمام أبواب
هزيمة أخرى. بالطبع أن
الهزائم المتتالية تشكل مجمل
تاريخ الحركة القومية الكردية
وأحزابها. ولكن بسبب سيطرة
هذه الحركة في المجتمع
الكردستاني ويدها الطولى
انتهت نتائج هزائم هذه الحركة
على الدوام بمآس وكوارث كبيرة
حلت بحياة الجماهير. وابرز
نماذج الهزائم هزائم 1975
و1988.
وقد كانت نشوة جلال الطالباني
في بداية هذه المرحلة الجديدة
التي بدأت بتهديدات الحربية
الأمريكية بحرب أمريكا
الرجعية بحيث كان يحلم بأن
يذهب لأن يحل محل أعضاء
البرلمان التركي للتصويت على
مجئ الجيش الأمريكي ولم يكن
يرى بسبب نشوته تلك أبعد من
خطوات قليلة. إلا أن مسعود
البارزاني الذي كان على الأقل
أهدأ ظاهرياً مقابل البهجة
والسرور بالنعم التي تحل بهم
بسبب الحرب الأمريكية، أعلن
في مؤتمر صحفي في الثامن من
آذار 2003 أي قبل أسبوعين من
بدء الحرب: (نتمنى أن لا نباع
هذه المرة أيضاً)، وفي حينه
أجاب محسن كريم في مقال له في
العدد 58 من صحيفة (أكتوبر)
الصادر في 15 آذار 2003 على
"أمنية" مسعود البارزاني تلك.
واليوم يبدو أن أماني مسعود
البارزاني تبخرت في الهواء.
غير أن السؤال هو الى متى
وبعد كم تجربة تظل معرفة قادة
الحركة القومية الكردية
مواهبهم في الرهانات السياسية
تدور في حلقة التمني؟ الى متى
يظلون يتمنون بسياساتهم
الهزيلة وتبعيتهم الى الدول
الرجعية في المنطقة والعالم؟
الى متى يظلون يجعلون جماهير
كردستان قرابين وضحايا عدم
معرفتهم وسياسات التبعية لدول
العالم والمنطقة ومخططاتها
الرجعية والمعادية للإنسانية؟
إنه من الصحيح أن هذا الوضع
الجديد وضع كردستان أمام
تهديد مأساة أخرى، وفي هذه
الأثناء فإن ما يبدو أنه
سيفشل سياسة واستراتيجية
تبعية الأحزاب القومية وربط
نفسها بالمخططات الأمريكية.
تلك الأحزاب وصلت الى السلطة
عام 1991 بحرب وسياسات أمريكا
العدوانية، واليوم عليها أن
تتحول الى ضحية للفشل
الأمريكي. ولكن ما يبعث على
القلق الكبير هو أن تلك
الأحزاب تسجل فشلها كما كان
الأمر عليه دائماً كفشل
للجماهير وتجعل الجماهير ضحية
فشلها وهزائمها. والسؤال
الرئيسي الآن هو كيف يمكن
التصدي لنتائج هذا الفشل
ومنعها من أن تحل بجماهير
كردستان؟
تعرف الأحزاب القومية الكردية
حقيقة أن أمريكا لا تساند
حقوق وحرية جماهير كردستان.
وتعرف حقيقة أن أمريكا لم
تعترف في أي وقت من الأوقات
بتلك الحقوق بل وقفت دائماً
بشكل مباشر أو غير مباشر خلف
حرمان الجماهير من تلك
الحقوق. الأحزاب القومية
الكردية تعرف حقيقة أن أمريكا
هذه المرة أيضاً كما جرى
الأمر في بداية السبعينات،
تريد في قلب أوضاع محدد أن
تتلاعب بالقضية الكردية
واستخدام هذه المسألة كبطاقة
في خدمة أغراضها وأهدافها.
ومع معرفة هذه الحقائق، فإن
الأحزاب القومية الكردية
وكمهنة دائمة لها تحولت الى
وسيلة بيد أمريكا لهذا
التلاعب بالقضية الكردية في
سبيل مصالح وامتيازات وقتية
منحت لها. هذه حقيقة واضحة
ومكشوفة. وإذا لم تكن تلك
الأحزاب قادرة على إدراك هذه
الحقيقة، فإننا وضحنا لعشرات
المرات هذه الحقيقة. وبشكل
أكثر تحديداً أعلن المؤتمر
الثاني لحزبنا هذه الرسالة
بشكل بارز لجماهير كردستان
حيث أكد إما أن على الجماهير
أن تفصل نفسها عن سياست
واستراتيجية الأحزاب القومية
الكردية أو أن عليها أن تنتظر
هزيمة أخرى. إنه منطق راسخ في
العالم في أن الحرية لا يمكن
أن تكون حصيلة الارتباط
بالسياسات الرجعية وخدمتها
وتقديم الخدمات الجزيلة
للاحتلال. وقد وصلت اليوم
استراتيجية الحركة القومية
الكردية هذه الى حافة الهزيمة
ومن المؤسف أن نتائجها
المأساوية على وشك أن تحل
بالجماهير مرة أخرى أيضاً.
إن سبيل أبعاد هذه المأساة عن
جماهير كردستان هو وعلى الرغم
من تأخره قليلاً في أن نترك
هذه الأحزاب تشرب هزيمتها
ونتائج سياستها الهزيلة، ولكن
على جماهير كردستان أن تفصل
نفسها بسرعة عن تلك السياسة
والاستراتيجية الفاشلة. فما
عاد هناك مجال للخديعة
بالمساومات والتهديدات
العديمة المعنى وسياسة هذه
الأحزاب. لندع الدستور الفاشي
الإسلامي-القومي العراقي
يتهرأ، ولندع الفدرالية
والمادة 140 من ذلك الدستور
وسلطة الحزب الديمقراطي
والاتحاد الوطني الكردستاني
على أبار النفط، كجزء من
برنامج رجعي قومي ومتناقض مع
الحرية، تسير في مسار فشلها.
سبيل تحرر وخلاص جماهير
كردستان هو الحضور الى
الميدان بصفوف مستقلة وعريضة
حول مطلب إقامة الاستفتاء
لانفصال كردستان وتأسيس دولة
مستقلة غير قومية وغير دينية.
بهذا الخصوص بقيت آخر الفرص
بيد الجماهير. إضاعة آخر هذه
الفرص هو خطأ كبير مقابل مصير
هذا المجتمع. لقد وضع منصور
حكمت قبل عشرة سنوات سبيل
الحل الواقعي هذا أمام جماهير
كردستان، والحزب الشيوعي
العمالي يناضل بدوره لعشر
لسنوات من أجل سبيل الحل هذا.
فلو طبق سبيل الحل هذا في
حينه، لكان مجتمع كردستان
الآن في مكان آخر ولكان
بعيداً عن المخاطر التي تقلق
الجماهير اليوم. يجب أن تصبح
التغيرات الجديدة ومخططات
أمريكا الجديدة في العراق
دافعاً لكل طرف، أي للحزب
الشيوعي العمالي وأيضاً
لجماهير كردستان التحررية على
حد سواء وكل قوة وطرف يشعر
بالمسؤولية مقابل مصير هذا
المجتمع، لإفشال ومقاومة كافة
سياسات أمريكا بقوة، لقطع
وعزل الحركة القومية الكردية
الخادمة لهذه السياسات
المعادية للإنسانية، وفي
خاتمة المطاف للشروع بتنظيم
حركة جماهيرية كبيرة بغرض
تطبيق سبيل الحل الواقعي
والفعال هذا.
12 كانون الأول 2006