الحكومة المؤقتة وقرار مجلس الأمن، فشل آخر للحركة القومية الكردية ومستقبل كردستان
حوار مع ريبوار أحمد
- سبيل الحل المناسب والعملي والفعال لكردستان هو الانفصال وتأسيس دولة مستقلة عصرية وتقدمية غير قومية وغير دينية قادرة على تأمين حياة مستقرة وسعيدة لكل سكانها بغض النظر عن الدين والقومية والجنس و...وبشكل متساوي.
- على جماهير كردستان فصل حساباتها من حسابات الأحزاب التي دفعتها للفشل والإحباط، والسير قدماً في سبيلها المختلف.
- إما أن تتجاوز جماهير كردستان الأحزاب القومية الكردية وتختار بديلاً جديداً، أو أن تظل تنتظر باستمرار المآسي الناتجة عن فشل وهزيمة تلك الأحزاب.
أكتوبر: كيف تقيمون قرار مجلس الأمن في دعم "الحكومة الانتقالية" ومسار الأحداث؟
ريبوار أحمد: لقد بينا، ببيان رسمي منا، موقفنا إزاء كل من الحكومة المؤقتة وقرار مجلس الأمن أيضاً. إن فرض حكومة صنيعة رجعية تعتبر القوم والعشيرة والإسلام رموزها ومقدساتها ويفتخر رئيسها بعباءته وعقاله، هو أمر مدان ومستنكر لأنه سحق وانتهك إرادة جماهير العراق وفرضها عليها بدون أي دور وتدخل من تلك الجماهير المليونية التي من المقرر أن تدير تلك الحكومة وتقرر حياتها ومصيرها. كذلك تلك الحكومة مدانة ومستنكرة لأن الغرض الأساسي من تشكيلها هو السعي العابث لإضفاء الشرعية على الاحتلال وبقاء القوات الأمريكية في العراق وإبقاء وإدامة هذه الأوضاع المأساوية وتنفيذ المخططات والسياسات الرجعية الأمريكية.
في نفس الوقت هذه الحكومة هي رجعية تماماً وتتناقض بشدة مع الأماني والتطلعات الإنسانية والتقدمية للجماهير، لذا يجب إفشالها وإحباط مساعيها حتى قبل أن تقف على أقدامها. لا يمكن في العالم المعاصر تسليم سلطة ومصير مجتمع يتألف من عشرين مليوناً ونيفاً الى مجموعة من شيوخ العشائر والطائفيين والقوميين التابعين لأمريكا الذين مازالوا يفكرون بعقلية عشائرية وتشكل العشيرة والمجالس وملابس العشائرية جُلّ فخرهم ومعيارهم للإنسان والمواطن وحقوقه لا يتجاوز شبراً المعايير والعقلية القومية والعشائرية. ومن الواضح بشكل كبير أن جماهير العراق ستحرم في ظل مثل هكذا سلطة من كافة تطلعاتها وأمانيها التقدمية وحرياتها، وسيشاع التمييز بين المواطنين على أساس وضع الحدود الزائفة والمصطنعة بينهم (القومية، الطائفة، العشيرة، الجنس، المنطقة)، وسيتم الإبقاء مجدداً، كما كان الأمر في عهد البعث، على السيوف الإسلامية والعشائرية فوق أعناق النساء، وتسحق الشبيبة بيد الرجعية، وسيسود في النهاية القمع والإعدام ويلقي بظلاله لفرض كل ذلك. فمنذ مدة أعلنت هذه البشارة على لسان أياد علاوي.
قرار مجلس الأمن هو إعلان دعم ومساندة كل هذه الرجعية والانتهاكات التي تمت ممارستها بحق جماهير العراق. وقد عبر هذا القرار مجدداً عن عدائه الشديد والصريح لأبسط المعايير والحقوق الإنسانية للمواطنين، المتمثلة في حقهم في القرار على نظام الحكم في مجتمعهم. وبيّن أيضاً عدم التزام أطراف المجلس ولو لذرة بوثائقهم، بيّن أن كل معاييرهم ازدواجية واعتباطية وأن الصراعات بين أطرافه لم تكن إلا على مصالحها المتناقضة والرجعية. لقد أزاح هذا القرار الستار عن جوهر تلك الصراعات التناقضات التي كانت للأطراف داخل مجلس الأمن مع أمريكا وبريطانيا في المراحل الماضية بصدد الملف العراقي، وظهر بوضوح أن صراعاتها لم تكن حول الحرب وتقتيل الجماهير وتدمير المجتمع العراقي ولم تكن لها أية صلة بمصالح تلك الجماهير. مجلس الأمن والأمم المتحدة نفسها هي كما كانت دائماً وسيلة بيد القوى العالمية العظمى لتحقيق مصالحها وأهدافها الرجعية. فقد وقفت بالتحديد خلف ثلاثة عشر عاماً من الحصار الاقتصادي وتجويع وقصف وتدمير المجتمع يومياً في العراق. والقرار الجديد هو حلقة أخرى في مسلسل الجرائم المرتكبة ضد جماهير العراق.
ولكن، بتصوري، لا سيناريو تشكيل الحكومة المؤقتة من قبل أمريكا ولا دعم ومساندة مجلس لتلك الحكومة ستغير شيئاً رئيسياً في الأوضاع الراهنة، فهذا من منظار جماهير العراق والعالم هو برنامج لإدامة الاحتلال الأمريكي والبقاء في العراق، وليس لهذه الحكومة أية قاعدة بين أوساط الجماهير ولا يعتبرها أي شخص حكومة لجماهير العراق، فمن غير شك أنها ستبقى فاشلة وعاجزة تجاه الإجابة على معضلات العراق الحالية، ولن تتقدم شبراً واحداً باتجاه إنهاء أجواء انعدام الأمن والصراع الإرهابي، وليس في برنامجها تأمين الرفاه والحرية والحقوق المدنية للجماهير، بل هي نسخة لتعميق السيناريو الأسود وأجواء انعدام الأمن وتنامي الصراعات القومية والطائفية وقد ظهرت علامات ذلك منذ اليوم الأول في ردود أفعال الجماعات الإسلامية والقوميين الأكراد الحلفاء. وهذه في نهاية المطاف هي لعبة سياسية ليس واضحاً ربما حتى لأصاحبها كم ستستمر، غير أن مما لاشك فيه أنها خطوة لفرض الرجعية والقمع على جماهير العراق وهي تكشف بوضوح نوايا وبرامج القوى التي تقف خلفها لجماهير العراق.
أكتوبر: في البداية كان رد فعل القوميين الأكراد تجاه هذا القرار هو التهديد والاحتجاج ثم ركعوا بسرعة له، كيف تحلل أساس رد فعلهم هذا؟
ريبوار أحمد: في الحقيقة لقد وجه القرار ضربة لكل تلك الآمال التي منوا النفس بها واستهزأ بهم في كل مكان. لقد كانت فرحتهم كبيرة بالوثيقة الرجعية "قانون إدارة العراق" الذي فسح مجالاً لبعض مطالبهم. وكانوا يأملون أن يتم تأييد ومساندة هذه الوثيقة ضمن إطار قرار مجلس الأمن وبهذا ستحظى مطالبهم بضمانات دولية على حد قولهم. غير أن القرار في صفحاته الخمسة عشر الطوال لم يشر بأية إشارة الى تلك الوثيقة وأهملها تماماً وبشكل مقصود.
لقد توقع القوميون الأكراد ذلك مسبقاً من أصدقائهم وأعزائهم وفي نفس الوقت أخذوا بنظر الاعتبار أن (السيستاني غير المقرب من أمريكا) هدد بأن لا يؤيد قرار مجلس الأمن ولا يساند (قانون إدارة العراق)، لذا أصيبوا بالارتباك وقالوا أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يضمن مطالبنا وإذا لم يؤيد أو على الأقل لم تتم الإشارة إليه، فإنهم سينسحبون من الحكومة الانتقالية ويقطعون صلتهم مع المركز وحتى أنهم هددوا بشكل غير مباشر وحدة العراق. ولكن لم يراود الشك أحداً، لا أمريكا ولا حلفائها القوميين والإسلاميين في العراق، ولا الأمم المتحدة ولا جماهير كردستان، في أن الأحزاب القومية الكردية أضعف وأكثر هزالاً من أن يصروا على هذا الموقف الى النهاية، وهكذا كان الأمر بالرغم من أنهم أتعبوا أنفسهم في البداية، إلا أنهم عادوا فيما بعد الى نفس القالب القديم، وعرف قادتهم كل موقفهم بـ( العتب على أصدقائهم)، وحتى أنهم لم يثبتوا على ذلك (العتب) لآخر لحظة من لحظات المهلة التي جرى الحديث عنها لإعلان موقفهم النهائي وركعوا وراحوا يبررون ويستعطفون وأعلنوا بعجلة تأييدهم للقرار. ومن أجل تبرير خضوعهم هذا ولاستغفال الجماهير وخداعها، وجدوا جملة في الصفحات الخمسة عشر من قرار مجلس الأمن تسمي العراق (جمهورية اتحادية)، وأصبحت هذه العبارة التي يمكن أن تفسر مئة تفسير وتفسير، دليل مساومتهم وقالوا أن القصد منها تأييد فدراليتنا، لذا نحن نقبل ونرضى بها.
وبالرغم من أن السيناريوهات حتى الآن بينت أن الوثائق الرسمية حتى تعجز وعجزت عن ضمان مطالب القوميين الأكراد مقابل مخططات ومساومات القوى المتحالفة معها، فقد تم سحق البيان الختامي لمؤتمر لندن و(قانون إدارة العراق) قبل أن يجف حبرها بأقدام موقّعيها. ولكن في هذه المرة لم يكونوا على استعداد حتى على ضمان تطبيق وثيقتهم الرسمية، وبدلاً من ذلك وعد الياور وعلاوي شفوياً على تحقيق مطالب الأحزاب القومية الكردية، وقد قدمت مثل هذه الوعود طوال سلطة النظام البعثي لهم ولمرات عديدة من قبل أحمد حسن البكر وصدام حسين. وكررت الأحزاب القومية الكردية مرة أخرى في هذه القضية عدم أهليتها وقصر نظرها، سجلت لنفسها فشلاً آخر، فقد كان واضحاً أن هذه الأحزاب كانت مستعدة لاستخدامها من قبل أمريكا وأصدقائها لتقديم خدماتها الجزيلة دون أي مقابل، فمتى ما احتاجت أمريكا وأصدقاء تلك الأحزاب ركضت الأحزاب القومية الكردية أمامها الى الحرب والرياء ورقصت على نغمات صفيرها، ومتى ما انتهى كل شيء ولم تبق حاجة لها أمسكت بها من أذنها وأجلستها على الأرض الصلبة. إن هذا هو أساس العلاقة والتحالف الذي تفخر به الأحزاب القومية الكردية.
وبالطبع كنا نقول دائماً أن ما تسميه الحركة القومية الكردية مطلب جماهير كردستان المعروف بالفدرالية، هو أطروحة رجعية للحصول على حصتها من السلطة السياسية، ولا تربطه أية صلة بالمطالب والتطلعات التحررية لجماهير كردستان، وليس هذا فقط بل أنه يقف بالضد منها. لذا فإن هذا هو فشل تلك الأحزاب في الوصول الى أهدافها وعلاقته بجماهير كردستان هو أن هذه الأحزاب تحمل الجماهير دائماً نتائج فشلها وهزائمها. ومن أجل التصدي لذلك على جماهير كردستان فصل حساباتها من حسابات الأحزاب التي دفعتها للفشل والإحباط، والسير قدماً في سبيلها المختلف. لقد قلنا سابقاً إما أن تتجاوز جماهير كردستان الأحزاب القومية الكردية وتختار بديلاً جديداً، أو أن تظل تنتظر باستمرار المآسي الناتجة عن فشل وهزيمة تلك الأحزاب.
أكتوبر: ما مدى العلاقة بين احتجاج الأحزاب القومية الكردية هذا وبين الأساس الذي تحدثتم عنه في شجب ورفض الحكومة المؤقتة وقرار مجلس الأمن؟
ريبوار أحمد: ليس هناك بتصوري أية علاقة. إن الأحزاب القومية الكردية شريكة لأمريكا والقوى القومية والإسلامية العراقية تماماً في الرأي والممارسة ومتحالفة معها في فرض البدائل الرجعية القومية والإسلامية على جماهير العراق، في سحق دور وتدخل الجماهير في القرار على نظام الحكم العراقي، في خدمة مخططات وأهداف أمريكا وإيجاد الحجج والمبررات لبقاء قواتها في العراق، وفي النهاية في خلق وإدامة هذا السيناريو الأسود، سيناريو الحرب وانعدام الأمن والمجاعة والكوارث المتنوعة. ومشكلتها هي فقط في حصتها من السلطة ضمن إطار هذه البدائل الرجعية. حتى أن حصولها على مطلبها هو ليس سوى حلقة أخرى في تعميق هذا السيناريو الأسود وسبباً في جر كردستان الى هذا داخل هذا السيناريو، الى داخل الصراعات القومية المستمرة، والى ظل سلطة متخلفة ورجعية عشائرية-قومية وإسلامية.
أكتوبر: ما سيكون تأثير الحكومة المؤقتة وقرار مجلس الأمن لدعم خطة أمريكا هذه على مصير كردستان وما هو سبيل الحل؟
ريبوار أحمد: في الحقيقة أن كل المسار الذي جرى خلال مدة عام مضى في العراق، وصولاً الى تشكيل الحكومة المؤقتة وقرار مجلس الأمن هذا، دفعت الأوضاع نحو عدم ترك أي مجال أمام جماهير كردستان أن تحقق حقوقها مطالبها ضمن إطار العراق والتمتع بحياة حرة وحقوق مواطنة متساوية. وبتصوري حتى لو تحققت أحلام الأحزاب القومية الكردية من قبيل إعطائها أحد المناصب الرئيسية في الحكومة المؤقتة وتأييد مجلس الأمن لـ(قانون إدارة العراق) والقبول بفدراليتها، لن يغير ذلك من حقيقة أن في ظل حكومة قومية وإسلامية، وفي الوقت الذي يترك الإسلام السياسي وزنه على السلطة، لن يبقى أي مجال لتحقيق مطالب جماهير كردستان. لذا ما دامت السلطة بيد تلك القوى، وحتى لو أعطت وعداً تحت ضغط أوضاع خاصة، لا يمكن الثقة ولو لمثقال ذرة بها. القوميون الأكراد يعرفون ذلك ولكنهم يتناسونها بقصر نظرهم ومن أجل مساوماتهم ويخدعون الجماهير بذلك.
إن مستقبلاً بعيداً عن التمييز والظلم والقمع لجماهير كردستان ضمن إطار العراق، وبالشكل الذي أعلناه، مرهون على الأقل بمجيء حكومة عصرية وعلمانية غير قومية في العراق تنظر بعين المساواة الى كل المواطنين، حكومة لا تهتم بأية هوية قومية ودينية وطائفية وجنسية وتضمن الحقوق المتساوية لكل المواطنين على أساس المواطنة. وكنموذج بسيط جداً يمكننا الحديث عن حكومة لا يكون في ظلها كفراً أن يصبح ناطقاً بالكردية رئيس جمهورية أو رئيس مجلس وزراء العراق، ويستطيع كل المواطنين بمعزل عن لغاتهم وهوياتهم القومية وأصولهم الترشيح لأي منصب بموجب برنامجهم السياسي وإدارة ذلك المنصب على أساس كسب ثقة الجماهير.
ومن المؤسف في ظل توازن القوى في حاضر العراق، وخصوصاً بسبب تدخل أمريكا وحلفائها المباشر، يضيق المجال يوماً بعد آخر أمام تحقيق مثل هذا البديل وتم جعل الحكومة القومية والدينية تهديداً كبيراً يواجه المجتمع العراقي. وهذا لا يترك فرصة لجماهير كردستان كي تحقق في مثل هكذا أوضاع مستقبلاً مشرقاً وحراً وبعيداً عن التمييز والاضطهاد والدرجة الثانية ضمن إطار العراق. بتصوري لا ينبغي فسح المجال أمام جر كردستان الى داخل السيناريو الأسود الذي يلقي بظلاله على العراق الآن، لا ينبغي أن تخضع لسلطة حكومة رجعية قومية وإسلامية تتشكل في العراق. على جماهير كردستان في مثل هذه الأوضاع اختيار سبيلها الخاص.
لقد تحدثنا بهذا الخصوص سابقاً في برنامج حزبنا العملي لـ(إنهاء السيناريو الأسود وإعادة تنظيم المدنية في العراق) وقلنا إذا لم تأت الى السلطة في العراق حكومة غير قومية وغير دينية، وإذا يتم جعل الإسلام والقومية هوية للدولة، وإذا استمر السيناريو الأسود، على جماهير كردستان اختيار سبيل الانفصال. وبتصوري فإن المتغيرات الجديدة تدفع بمسار الأوضاع بهذا الاتجاه. لذا وعلى أساس العوامل التي بحثناها فيما تقدم، أعتقد أن سبيل الحل المناسب والعملي والفعال لكردستان هو الانفصال وتأسيس دولة مستقلة عصرية وتقدمية غير قومية وغير دينية قادرة على تأمين حياة مستقرة وسعيدة لكل سكانها بغض النظر عن الدين والقومية والجنس و…وبشكل متساوي. فقط مثل هذه الخطوة بإمكانها أن تؤثر على المناخ السياسي العراقي وستنتهي لصالح التيار التحرري والمتمدن على صعيد العراق. لذا الغرض يجب فوراً القيام باستفتاء عام وحر في كردستان كي تختار جماهير كردستان سبيلها بحرية.