الشيوعية العمالية والقضايا الأساسية الراهنة في العراق
ريبوار أحمد
الجزء الثالث
الدولة اللاقومية اللادينية والعلمانية
لكي تجيب الدولة التي ستحكم العراق على تطلعات وأهداف جماهير العراق، وتؤمن حقوق وحياة المواطنين وفق دستور وقوانين مساواتية وتقدمية، ينبغي لها أن تكون حكومة غير قومية، أي أن لا يكون لها أية هوية قومية، وأن لا تعترف بأية هوية قومية للمواطنين وحقوقهم، وأن لا تصنف المواطنين على أساس الهوية القومية واللغة التي ينطقون بها، وأن لا تكون لغة الحديث والهوية القومية دليلاً على أن يكون لمواطن ما او مواطنة حقوقاً ومكانة أقل أو أكثر من غيره.
كما يجب أن تكون تلك الدولة دولة غير دينية وعلمانية، ويجب ان لا يخلط الدين بشؤون الدولة ونظام التربية والتعليم، و يجب أن لا يكون الدين مصدر دستور وقوانين البلاد، فالدين والعقائد الدينية هي شأن خاص بالأفراد وليس له علاقة بالدولة. وكل شخص له الحرية في أن يكون له دين ما أو لا يكون له أي دين. يجب أن لا تعترف الدولة بأي دين رسمي للبلاد، بناءاً على ذلك لا يكون للعقائد الدينية أي دور في مكانة المواطنين، فجميع السكان وبغض النظر عن عقائدهم الدينية، وبمعزل عن أي دين يدينون به أو لا يدينون به، متساوون تماماً في الحقوق في كافة الميادين والمجالات.
فالدولة العلمانية تصوغ دستور وقوانين البلاد كلياً وبشكل مباشر على أسس إنسانية ووفق مبدأ النظر بعين المساواة لمكانة وحقوق المواطنين. إن تناقض تلك القوانين وذلك الدستور مع الأحكام الدينية لا يضع علامة استفهام أمامها، وليس هذا فقط، بل أنه يشكل أيضاً تأكيدٌ على ضرورتها الإنسانية. فمن منظار مثل هذه الدولة ينبغي أن تكون الإنسانية والمواطنة هي المبدأ والمعيار، وبناءاً على ذلك ينبغي ضمان ما هو لازم لتأمين حقوق وحريات وسعادة الإنسان.
ضرورة لا قومية الدولة
إن تعريف الدولة العراقية كدولة قومية عربية هو أحد التقاليد والركائز الأساسية للنظام الفاشي البعثي. فقد نظمت أبشع الممارسات الفاشية والتصفيات القومية وأكثرها وحشية ضد سكان العراق "غير العرب". وقد تم النظر الى العراق من هذا المنظار كملك للحركة القومية العربية وتم التعامل مع بقية السكان الناطقين باللغات الأخرى كضيوف ومواطنين من الدرجة الثانية. وحرموا من حقوقهم السياسية والمدنية والثقافية الأساسية، وهذا كان أساس التعريب والترحيل والتصفيات القومية تجاه الناطقين بالكردية والتركمانية الخ. ونفذت هذه السياسة بالمجازر الجماعية والقصف الكيمياوي وكوارث الأنفال. فمجرد وضع تعريف قومي عربي للدولة، بمعزل عن أية سوابق ولواحق تضاف أو لا تضاف إليه، يعني إعادة نفس الفاشية والشوفينية القومية العربية التي مارسها النظام البعثي. وهذه قضية تم تكرارها من قبل "مجلس الحكم". إن القوميين الأكراد والذين يواسونهم في ظل الأوضاع الحالية، يريدون التغطية على ذلك بهذه اللاحقة، حيث بالتزامن مع التعريف القومي العربي للدولة العراقية، يقال "العراق بلد متعدد القوميات ويعيش في ظله الكرد والعرب والتركمان والآشوريين والكلدان معاً بالمساواة والتعايش والطمأنينة". ولا تعجز هذه اللاحقة عن طمس حقيقة أن "العرب" سيصبحون وفق هذا التعريف أرباب البيت ومواطني الدرجة الأولى بينما يصبح "غير العرب" ضيوفاً ومواطنين من الدرجة الثانية فحسب، بل إنها تعد المكمل والمتمم لها. فنفس هذه اللاحقة كانت جزءاً من رؤية البعث ودستوره وقوانينه ولهذا السبب نظمت أبشع أشكال الفاشية وأشدها ضد "غير العرب" الذين كانوا يعيشون حسب هذا التعريف على "حساب العرب".
ونفس تعريف الدولة العراقية كدولة عربية، ينفي من الأساس الإدعاء بـ"الحقوق المتساوية للقوميات التي تعيش في ظلها" وبهذا يصبح الحديث عن "العيش معاً بمساواة وطمأنينة ووئام" شيئاً فارغاً ومخادعاً. لأن الدولة إذا كانت "دولة عربية"، لا يمكن القول أنها دولة الجميع، ولا يمكن أن يكون رب البيت والضيف متساويي الحقوق. وإذا كانت الدولة "دولة كل سكانها" لا يمكن ولا ينبغي القول بانها "دولة عربية"، وبخلاف ذلك لن يترك أي مجال لحقوق المواطنين المتساوية، و لا يمكن ان يكون انعدام الحقوق المتساوية في إطار دولة معينة معنىً مرادفاً "للمساواة والطمأنينة والوئام". ان هذا ليس سوى كلام مظلل وخادع للتستر على انعدام المساواة الواقعية.
إن تصنيف سكان العراق على أساس الهوية القومية يعود الى أن مصلحة كلا الحركتين القوميتين الكردية والعربية ترغب في صياغة هوية قومية مختلفة للسكان. والحديث عن الهوية القومية المختلفة الذي يفسر ظاهرياً كإثبات لـ"واقع وحصة وحق قوميات العراق المختلفة"، هو في جوهره ركيزة لهيمنة كلا الحركتين القوميتين على الساحة وتقسيم السلطة بينهما. فالحركة القومية العربية تفرض بهذا تفاخرها القومي كصاحبة دولة ووطن والحركة القومية الكردية تستعرض نفسها كممثل للسكان الناطقين بالكردية من أجل الحصول على حصتها كي تجعل من ذلك أساساً للوصول الى أهدافها ومقاصدها. ونتائج ذلك وعدا عن خلق جبهتين بين السكان وإشعال فتيل الصراعات الرجعية بينهم، ستؤدي الى التمييز وانعدام المساواة الحقوقية للمواطنين والإبقاء على الصراع القومي وفرض المكانة الدنيا على المواطنين من غير الناطقين بالعربية.
وحسب ما جرى الحديث عنه، إذا كان مقرراً للدولة التي ستحكم العراق النظر بعين المساواة للمواطنين، إذا كان مقرراً اجتثاث الشوفينية القومية العربية في العراق بعد سقوط النظام الفاشي البعثي وسد الطريق أمام تكرار تلك المآسي الإنسانية التي خلقتها في الماضي الحركة القومية العربية، وإذا كان مقرراً لدولة العراق المرتقبة أن تؤمن المساواة والطمأنينة والوئام لجماهير العراق، فإنه لا ينبغي لتلك الدولة ان تحمل أية هوية قومية، ولا ينبغي صياغة هوية قومية للمواطنين والإشارة للهوية القومية في أية وثيقة رسمية. ينبغي تعريف الدولة العراقية كدولة عصرية غير قومية وذات هوية إنسانية، حيث تكون دولة لكل سكانها من دون الالتفات الى الهوية القومية ولغة الحديث، وجميع السكان لهم حقوق متساوية تماماً كمواطنين وبشر، وجميعهم أحرار في الاستفادة من لغتهم الأم في كل الميادين.
ضرورة لا دينية الدولة
إن ركيزة أخرى من ركائز النظام البعثي كانت في تعريفه للعراق كمجتمع ودولة إسلامية. مع ذلك يجري بعد سقوط ذلك النظام التأكيد على نفس هذا الأساس من قبل تلك القوى التي تدعي أن لديها عداء متأصل مع ذلك النظام وتدعي أنها تريد اجتثاث البعثية. فبإعلان النظام البعثي الإسلام كدين رسمي للدولة وجعله أساساً لصياغة الدستور والقوانين فانه يكون قد مورست أشد أشكال القمع والرجعية والتمييز وحشية في المجتمع العراقي. فبموجب الشريعة الإسلامية لا يمنح الحق لأي شخص في أن يكون بلا دين، فكان على الجميع إما أن يكونوا مسلمين أو أن يختاروا ديناً آخر لهم. وكان على أتباع الديانات الأخرى الخضوع لسيطرة الإسلام وهيمنته وتفاخره بذاته. وبالاستناد الى الشريعة الإسلامية فرض أكثر قوانين الأحوال الشخصية عداءاً للإنسانية وتعامل مع النساء وفق هذا القانون كعبيد خاضعة للرجال، وحرمهن من أبسط حقوقهن الإنسانية، ومارس أشد أشكال العنف وحشية ضدهن وحز أعناقهن بالسيوف.
وعلى نفس هذا الأساس أيضاً خلط الدين بالتربية والمناهج التعليمية، وجعل الدروس الدينية إجبارية في المدارس من خلال تنظيم "الحملة الإيمانية"، ومارس ضغوطه لفرض دين الإسلام وأسلمة البلاد. وهاجم الحقوق الفردية والمدنية وأجبر الجميع على الالتزام بتقاليد وشرائع الدين الإسلامي. ومارس ضغطه على النساء لارتداء الحجاب وأعطى لنفسه الحق وفق أحكام الدين الإسلامي في التدخل في أكثر قضايا وشؤون المواطنين شخصية وخصوصية. وبهذا فرض تراجعاً واضحاً على المجتمع.
إن منح مكانة خاصة للدين الإسلامي في أية دولة ودستور وقوانين، والتي يتم التأكيد عليها من قبل قوى جبهة يمين المجتمع الآن، لن يكون لها أي معنى سوى فرض هذا الدين وأحكامه ضمن إطار دستور وقوانين البلاد على مجمل المجتمع. فمنح أي امتياز لأي دين في الدولة ودستور البلاد يعني وضع أتباع الديانات الأخرى والناس غير المتدينين تحت ضغط هذا الدين ومنحهم بذلك مكانة من الدرجة الثانية في دستور وقوانين البلاد.
المكانة الخاصة لدين الإسلام في الدولة والدستور، تعني خلطه بالقانون والتربية والتعليم، تعني جر جوانب الحياة اليومية للجماهير الى سيطرة وهيمنة الأحكام الإسلامية. فكل الأديان والإسلام بشكل خاص لها تناقض شديد مع حرية الإنسان، فالإسلام يعرف الإنسان من الأساس كعبد عليه الالتزام دون تردد بالأحكام المقررة سلفاً خارج إرادته، والهابطة إليه من السماء. وهو ينظر الى المرأة كإنسان من الدرجة الثانية مقارنةً بالرجل، وبهذا يجعلها عبدة العبيد. وقد أعلنت أحكام الإسلام فتواها بوضوح مقابل أتباع الديانات الأخرى وغير المتدينين، فإما أن يكونوا مسلمين، أو أن يعطوا الجزية أو أن تستباح دمائهم بتهمة الكفر. فإذا كان هناك شخص جعل الإسلام هويته منذ يوم ولادته بمعزل عن إرادته، واختار في يوم من الأيام سبيلاً آخر ستستباح دمائه بتهمة "الردة". ولذا لا يمكن بسبب الدلائل التي تم ذكرها أن يكون له مكانة في الدولة والدستور والقوانين العصرية والمساواتية، وأية مكانة تمنح له، تعني التضييق على الحريات بكل أشكالها وقمعها بموجبه، وفرض التمييز الجنسي والديني، وفرض أحكام السيف والعنف والعبودية...إن دولةً تعتبر الحرية والإنسانية ومساواة السكان أساساً ومبدأً لا يمكنها خلط هذه الأحكام بدستورها وقوانينها بأية درجة من الدرجات.
يجب فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، ويجب صياغة دستور وقوانين البلاد على أسس انسانية بعيداً عن تأثيرات أي دين. يجب أن يكون الدين شأناً خاصاً بالأفراد، ولكل شخص الحق في أن يكون له أي دين أو لا يكون، من دون أن يكون لذلك تأثير على حقوقه ودوره في المجتمع. وهذا سبيل كي لا يضطهد شخص بسبب تدينه وتبعيته لدين معين وكي لا يمنح أي شخص مكانة أكثر تميزاً بسبب دينه. وطلب إعطاء امتياز للدين الإسلامي أو تعريف الدولة كدولة إسلامية، هو طلب من أجل ممارسة الظلم والاضطهاد بحق المواطنين غير المسلمين وفرض أحكام الإسلام بالقوة على المجتمع وكافة السكان. ومن أجل التصدي لذلك يجب تعريف الدولة العراقية المستقبلية كدولة علمانية غير دينية.
الفيدرالية
لقد أصبح موضوع جعل العراق فيدرالية، بمعاني وأشكال وأغراض مختلفة، واحداً من المواضيع والقضايا الساخنة الآن بين أوساط المحافل والقوى القومية والإسلامية والعشائرية. وكل طرف يفسره ويستنتج منه بطريقته الخاصة التي تجيب على أهدافه الخاصة. ليس للفيدرالية كمقولة سابقة في المجتمع العراقي، يمكن القول لم ولن تكون لها أية أرضية وركائز. بقدر تعلق الأمر بجزء كردستان، فإن هذه المقولة طرحت من قبل الحزبيين القوميين الكرديين في 10-12 سنة الماضية. ولكن لو أخذنا بمعزل عن ذلك معنى الفدرالية في أعم وأشمل حالاتها، فإنها نوع من اللامركزية ومنح صلاحيات محلية لسلطة المنطقة ضمن إطار البلد، وهذا له تاريخ أقدم في كردستان، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية حيث ظهر بأطر وتعبيرات مختلفة في مطالب الإقطاع ورؤساء العشائر والبرجوازية العشائرية الكردية للمشاركة في السلطة السياسية مع الدولة المركزية. في فترات معينة سمي بالحكم الذاتي وفي أوضاع ما بعد حرب الخليج الثانية وانتفاضة آذار وتأسيس برلمان الأحزاب القومية الكردية، تم التعبير عنه بصيغة الفدرالية.
لقد سعى الإقطاعيون ورؤساء العشائر والبرجوازية القومية الكردية في كل مرحلة الى إيهام الجماهير بمطلبهم وهدفهم هذا كبديل وسبيل لوصول جماهير كردستان الى أهدافها وتطلعاتها، خصوصاً التحرر من الظلم القومي. وبهذا اقتادوها خلفهم داخل المجتمع الكردستاني. لكن ليس لهذا في الحقيقة أية صلة بمطالب وإرادة وأهداف جماهير كردستان. فإذا كانت أهداف الجماهير الحرية والرفاه والتحرر من الظلم والقمع والتمييز القومي، فليس لمطلب اللامركزية سواء كان حكماً ذاتياً أو فدراليةً أية صلة لا من قريب ولا من بعيد بتحقيق أي من تلك الأهداف. بل بالعكس سيصبح هو سبب تشديد الحرمان منها. بمعزل عن أي تحليل وتفسير فإن تجربة 12 سنة الماضية تثبت هذه الحقيقة بأوضح الأشكال وأشدها حيوية. فخلال 12 عام كانت كردستان بيد الأحزاب القومية الكردية بأكثر الأشكال لامركزية، إلا أن تلك المطالب والأهداف لم تتحقق وحتى لم تخطو تلك الأحزاب خطوة في هذا المجال، وليس هذا فقط بل حتى أن دورها وتأثيرها وممارساتها كانت ضد كل تلك المطالب والأهداف. لقد سجل تاريخ الـ 12 سنة الماضية في كردستان هذه الحقيقة. فالجوهر والمضمون الواقعي لمطلب الفيدرالية ليس سوى إشراك الأحزاب القومية الكردية في السلطة السياسية المركزية ومنحها صلاحيات خاصة في كردستان لإدامة نفس التاريخ الذي سجلته في تلك الأعوام الاثني عشر الماضية.
إلا أن مقولة الفيدرالية حضت برواج كبير كمقولة غير معرفة وغامضة مع اشتداد تهديدات أمريكا بالهجوم على العراق. وعدا عن الأحزاب القومية الكردية، استفادت كل من أمريكا وكذلك الحركات الإسلامية والعشائرية الأخرى العراقية من هذه المقولة ووجدت مصلحتها في استخدامها. عبرت أمريكا عن دعمها لهذه القضية على العموم بهدف لملمة المعارضة البرجوازية لاستخدامها كوسيلة في حربها ومخططاتها فيما يتعلق بقضية العراق. أي لكي تستفيد منها في تمهيد السبل لإشعال فتيل الحرب، وأيضاً تستفيد منها في الحرب بجعلها ألعوبة بيدها ومن ثم منحها دوراً وسلطة لشركائها الصغار على صعيد المنطقة ضمن إطار سيطرتها على السلطة في عموم العراق. وقد تم قبول نفس الكليشة وبنفس الغموض الذي يكتنفها من قبل الجماعات الإسلامية والقومية العشائرية العربية سواء من أجل طمأنة قلوب القوميين الأكراد أو بهدف أن يكون هذا سبيلاً لأن يكون لتلك الجماعات مناطقها الخاصة في الغد بعد الحرب وتقسيم سلطة العراق.
الآن بعد أن أصبحت ترتيبات السلطة السياسية في العراق قضية اليوم الساخنة وموضع الجدل بين القوى، أصبحت عبارة الفيدرالية الغامضة وغير المعرفة ذلك اللغز الذي يتحدث عنه نوشيروان مصطفى. والقوميون الأكراد يفسرونها حسب رغبتهم بالفدرالية القومية أو الجغرافية بهدف أن توكل سلطة كردستان المحلية بهم، ولم يتمكنوا للان من جعل الآخرين يقبلون بها ويريدون أن تكون كركوك من ضمنها. من جهة أخرى تفسرها أمريكا بفيدرالية المحافظات ولنفس الغرض الذي تحدثنا عنه فيما تقدم. فهي تريد أن تكون سلطة العراق السياسية تحت إمرتها، وفي نفس الوقت تريد أن يصبح شركائها الصغار سنداً للسيطرة على المناطق المختلفة. وترى القوى الإسلامية والعشائرية العربية هذا الأمر مناسباً كي تحصل على زاوية من السلطة وتضع كل واحدة منها منطقة تحت سيطرتها.
غير أن فيدرالية العراق بغض النظر عن أي شكل تتخذه من الأشكال التي بحثناها، هي أسوأ وأكثر مأساوية، وهي من الأساس أطروحة رجعية ومثيرة للشغب والفوضى ضد الجماهير وحقوقها وحرياتها.ستصبح سبباً لإضفاء الهوية القومية والطائفية والعشائرية على كل منطقة وتعرف كل مدينة وسهل وهضبة بمثل هذا التعريف. وهذا يبلور ويشكل أرضية حروب وصراعات غير منتهية لتقسيمها. وحتى لو تم القبول في أية فترة بهذا التقسيم بموجب توازن القوى، ستبقى هناك دائماً الأرضية لاشتعال فتيل الحروب والصراعات على التقسيم من جديد بتغير توازن القوى.
إن الفيدرالية في نفس الوقت والى جانب إضفائها طابعاً قومياً وطائفياً وعشائرياً على المناطق المختلفة، ستصبح أساساً للتعريف القومي للدولة المركزية، وكما نشاهد الآن أن قوى الجبهة اليمينية بقومييها الكرد أيضاً متفقة على أن تعرف الدولة المركزية كدولة عربية والى جانبها يكون للسلطة المحلية على صعيد المناطق هوية قومية أخرى أو طائفية وعشائرية. وسيصبح هذا أساساً للتمييز ومنح مراتب مختلفة للمواطنين.
من النتائج الأخرى للفدرالية مثلما بينا فيما تقدم أنها تصبح عملياً سبباً في جر جماهير كل منطقة تحت جناح قوة وجماعة رجعية. بهذا وبمعزل عن أية صلاحيات تمنح حسب الدستور لسلطة الفدراليات المحلية، ستدار عملياً كل منطقة بقانون معين حسب ماهية تلك القوة السائدة والمسيطرة، بحجة الثقافة والدين والمذهب. وهذا سيخلق اضطراباً اجتماعياً كبيراً ويوجد مناخاً عسيراً وخطراً لحياة المواطنين. ويضع عملياً حقوقهم وحرياتهم تحت أقدام القوى الإسلامية والقومية والعشائرية ويجعل من هذا السيناريو الأسود الراهن حالة روتينية ودائمة.
بمعزل عن كل ذلك سيصبح الصراع حول الفيدرالية نفسها وأشكالها تهديداً كبيراً للمجتمع، فمن الآن شرعت بوادره وتهديد القوميين الأكراد بـ"العصيان المدني" ولجوء الجماعات الإسلامية للإرهاب وسطوة السيف، هي براهين وأدلة هذه الحقيقة. فالأحزاب القومية الكردية أكثر تشدداً من الجميع في الإصرار على الفيدرالية القومية أو "الجغرافية" لكردستان ولوحوا بورقة "العصيان المدني"، إلا أن أطروحاتها وبمعزل عن جوهرها وماهيتها تفتقر للأسس حتى من الناحية الحقوقية. فإذا كان مقرراً جعل العراق مجموعة من الولايات الفيدرالية، فإن هذا القرار مربوط بكل جماهير العراق وليس بسكان منطقة واحدة فقط. إن القوميين الأكراد الذين يتحدثون باسم جماهير كردستان، يتناسون حقيقة أن بإمكان جماهير كردستان القرار بالانفصال عن العراق وتأسيس دولة مستقلة، إلا أنها لا يمكنها فرض العيش بعلاقة فيدرالية على كل جماهير العراق ضمن إطار دولة واحدة معها. وقد شبه لينين بشكل صحيح حق الانفصال بحق الطلاق، فيما شبه منصور حكمت أيضاً بشكل صحيح الفيدرالية بتعدد الزوجات. أي أن بإمكان طرف الانفصال وإنهاء الحياة المشتركة، غير أنه ليس بإمكانه فرض الحياة المشتركة المشروطة والتي يقصدها من طرف واحد.
وبموجب كل تلك الأدلة التي وردت فيما تقدم فإن الفيدرالية هي أطروحة رجعية وضد الحرية من منظار الحرية والمساواة ومن منظار الحزب الشيوعي العمالي وتتناقض بشدة مع المصالح الإنسانية لجماهير العراق بمجمله. وعلى هذا الأساس نحن لا نرفضها فقط بل ونشجبها وندينها أيضاً. ونؤكد ونصر مقابل الفيدرالية على (دولة واحدة وقانون واحد) وفق المضمون الذي تحدثنا عنه فيما تقدم. ومن الضروري في هذا السبيل توحيد الصف النضالي للجماهير التحررية والمضطهدة في كل مناطق العراق ومن ضمنها كردستان من أجل إقامة حكومة غير قومية وغير دينية علمانية تضمن المساواة في الحقوق لكافة المواطنين.