يشير البلاغ الختامي للاجتماع الدوري الخامس عشر للجنة المركزية الى أن الاجتماع اهتم بشكل خاص بتوجهات الحزب المستقبلية، سؤالنا بهذا الخصوص هو: ما هي الأبحاث الأساسية لهذا الاجتماع وتوجهاته السياسية وما هي القرارات والتوصيات التي تمت المصادقة عليها في سبيل التطبيق العملي لتلك الأبحاث والتوجهات؟

 

 

ريبوار أحمد: مثلما أشرت باختصار في كلمة اختتام الاجتماع كان لهذه الاجتماع أهمية خاصة من ناحية الحياة الداخلية للحزب والحركة الشيوعية العمالية وأيضاً من ناحية الأوضاع السياسية الحالية للمجتمع العراقي.

ففيما يتعلق بالأوضاع الحساسة والمعقدة الحالية في العراق شخّص الاجتماع بدقة المعضلات الرئيسية الحالية للمجتمع ووضع بصددها خطط وخطوات فعالة على جدول أعمال الحزب. على الصعيد العام طرحت قضية الاحتلال الأمريكي وتبعاً لذلك الصراع الإرهابي الذي خلق أوضاعاً مأساوية، وكذلك قضية انهيار الحياة المدنية، كقضيتين آنيتين ورئيسيتين. وعلى هذا الأساس صاغ الاجتماع خطة شاملة لكيفية بلورة قطب وحركة سياسية جماهيرية كبيرة، حركة قادرة على جذب الصفوف العريضة على صعيد العراق والعالم الى الميدان حول برنامج عملي بسيط لإنهاء الاحتلال وإعادة تنظيم المدنية في العراق.

وتم القرار بهذا الخصوص على تشكيل منظمة سياسية جماهيرية شاملة بإمكان الأفراد وأيضاً الأحزاب والمنظمات والمؤسسات الانتماء إليها والعضوية فيها بموجب أصول ومعايير محددة. هذه المنظمة تتشكل حول برنامج عملي لإخراج أمريكا وإخراج المجتمع من قبضة قوى السيناريو الأسود وإعادة تنظيم الحياة المدنية من جديد. تسعى هذه المنظمة الى تنظيم كافة القوى والجبهة التحررية والمتمدنة والراديكالية سواء في العراق وأيضاً على الصعيد العالمي حول هذا الهدف بشكل قطب وقوة مؤثرة وعريضة وجذبها الى الميدان.

وفيما يتعلق بالمجتمع الكردستاني واستمراراً بأبحاث الاجتماع الدوري السابق ونتائجها التي تجسدت في إعادة التأكيد على مطلب انفصال كردستان حيث أعلن ذلك ببيان من قبل الاجتماع الدوري الرابع عشر للجنة المركزية، ركز هذا الاجتماع الدوري بشكل أكبر على كيفية القيام بالخطوات اللازمة لتحقيق هذا الطرح. خصوصاً وأن الأوضاع تجسد من كافة الجوانب ضرورة هذا الطرح أكثر فأكثر. فسمار التغيرات في العراق يتجه يوماً بعد آخر باتجاه القضاء على أية فرصة من أجل حل القضية الكردية وتحقيق مطالب جماهير كردستان ضمن إطار العراق. والإسلام السياسي والقوى العشائرية والقومية على وشك أن تكون صاحبة القرار في العراق في ظل الاحتلال الأمريكي. وقد أعلنت هذه القوى بصراحة على لسان غازي الياور الناطق باسمها رسالتها الفاشية لجماهير كردستان. ولهذا لم يبقَ أمام جماهير كردستان الآن أي سبيل آخر غير الانفصال وتأسيس دولة مستقلة. ولكن الاجتماع الدوري أكد في نفس الوقت على أن الأرضية والظروف لتحقيق هذا المطلب أكثر ملائمة من أي وقت آخر. فالدولة المركزية التي كانت على الدوام عقبة رئيسية أمام هذه القضية وقمعت بالنار والحديد هذا المطلب، ليس لها وجود الآن وما أطلق عليه تسمية دولة ليس سوى أحجار متداعية وإطار فارغ وعديم المعنى ولا يمكنها الحفاظ على نفسها من التداعي. ولهذا وبالرغم من نواياها القذرة والفاشية ليس بإمكانها التصدي لإرادة جماهير كردستان. كذلك فإن جميع العوامل الدولية والإقليمية تغيرت في صالح تحقيق هذا الطرح، فكل معارضي هذا الطرح يعانون مشكلاتهم الخاصة وضعفت قدراتهم على خلق وضع الموانع والعقبات. ولهذا أكد الاجتماع الدوري على أن هذا العمل ضروري تماماً وأيضاً آن الأوان له ويجب تحقيقه.

وجرى القرار بهذا الخصوص على تشكيل منظمة بقصد السعي لإنهاء تشرذم وتخبط كردستان وحل القضية الكردية وإطفاء نار الصراعات الرجعية القومية التي تلهبها الأطراف القومية والشوفينية. الهدف ومن أجل الإجابة العاجلة على معضلة المجتمع الكردستاني الأساسية هذه، هو تشكيل منظمة سياسية جماهيرية كبيرة ومؤثرة حول لائحة عملية لإقامة استفتاء وانفصال كردستان، بحيث تكون قادرة على تنظيم تلك القوى الشريكة في هذا الهدف المتمثل بإقامة استفتاء حر في كردستان للقرار على الانفصال وتأسيس دولة مستقلة غير قومية وغير دينية، ولفها حولها. وبإمكان الأحزاب والمنظمات المختلفة الانتماء الى هذه المنظمة أيضاً وفق معايير محددة. في نفس الوقت تعمل هذه المنظمة ليس فقط على صعيد كردستان العراق، بل وأيضاً على صعيد العالم من أجل هذا الهدف وكسب الأعضاء وحشد وتعبئة القوى.

بتصوري أن لهذين المشروعين في الأوضاع الراهنة العراقية والكردستانية أهمية خاصة وبإمكانهما ضمان إنهاء هذه الأوضاع المأساوية والمعضلات المعقدة الحالية، في نفس الوقت سيفتحان بوابة كبيرة بوجه الشيوعية العمالية كي تتحول الى قوة وحزب سياسي جماهيري مقتدر ولها القدرة على مد يدها مباشرة الى السلطة السياسية وصياغة مستقبل المجتمع ببديلها التحرري. بتصوري أن هذه المشاريع هي إدامة وتتمة لتوجهات وأبحاث الاجتماع الدوري الرابع عشر حول بناء حزب سياسي وقد تم الخطو الى الأمام في هذا السبيل بخطوات في الاجتماع الدوري سواء من الناحية السياسية أو من الناحية التنظيمية.

غير أن لهذا الاجتماع الدوري أهمية داخلية كبيرة وخاصة جداً. فقد حدث خلال الأشهر القليلة الماضية تغييراً وانشقاقاً كبيراً في الحزب الشيوعي العمالي الإيراني ترك تأثيره على كل الحركة وتبعاً لذلك على الحزب الشيوعي العمالي العراقي، وقد كانت كيفية تحليل هذا الاجتماع الدوري لهذا الحدث وكيفية اتخاذ موقف إزائه قضية مهمة جداً. فقد فرض تيار اليسار التقليدي انفصالاً غير مرغوب به وفي غير وقته على هذا الحزب. وبهذا وجه ضربة كبيرة للحركة الشيوعية العمالية. لقد ناضل منصور حكمت لسنوات طويلة وبنى هذا الحزب حجراً حجرا وحوله الى قوة كبيرة تعقد ملايين الأشخاص آمالها عليه، غير أن بقايا اليسار التقليدي داخل هذا الحزب تحولت الى مصدر خلق شك ولامبالاة المجتمع وهذه الجماهير الغفيرة تجاه حزب منصور حكمت. والأكثر من ذلك هو أن هذا التيار هجم على كافة المكتسبات السياسية والفكرية والعملي والحزبية التي حققها وأضافها منصور حكمت بنشاط دؤوب لسنوات طويلة الى الماركسية كمكاسب وإضافات كبيرة.

إحباط هذه الهجمة وإزالة هذه اللامبالاة والشكوك، تضع الحزب الشيوعي العمالي العراقي أمام مسؤولية تاريخية كبيرة. وكان عليه التدخل الفعال والحازم في تلك التغيرات داخل الحزب الشيوعي العمالي الإيراني. في البداية بقصد الوقوف بوجه انشقاق الحزب وإضعاف صفوف الحركة الشيوعية العمالية، وبعد ذلك وبعد أن فرض الانشقاق في خاتمة المطاف، كان على هذا الحزب كجزء رئيسي من الحركة الشيوعية العمالية التدخل الفعال للدفاع عن مكتسبات منصور حكمت والتيار الحكمتي.

وقد قام حزبنا بدوره ومارس دوراً مهماً في هذه التغيرات. غير أن جناح اليسار التقليدي داخل الحزب الشيوعي العمالي الإيراني اتخذ سياسة  عدوانية وسلبية استسلامية ومناهضة للشيوعية مقابل هذا الموقف وهذا الدور التاريخي لحزبنا وسعى بكل قدراته من أجل تكرار نفس السيناريو وخلق الشقاق في حزبنا. وقد وقفت قيادة وكوادر وصفوف تنظيمات الحزب بحزم ضد هذه السياسة التخريبية وحافظت على وحدة الحزب، فتغير ميزان القوى بصالح تيار الشيوعية العمالية. وبهذا واجهت مخططات تيار اليسار التقليدي ضد حزبنا الفشل والإحباط وخرجت فارغة اليد من هذا الصراع. فكان الاجتماع الدوري الخامس عشر للجنة المركزية أول اجتماع دوري بعد هذا الحدث الكبير، اختتم بالوقوف الموحد والحازم خلف موقف قيادة الحزب والإجابة اللائقة على مساعي اليسار التقليدي لضعضعة صفوف حزبنا، هذه المرحلة من الصراع تماماً لصالح الشيوعية العمالية.

في نفس الوقت تقدم الاجتماع الدوري أكثر بهذا التوجه واتخذ خطوات كبرى في سبيل القطيعة التامة مع تقاليد وفكر وتصورات اليسار التقليدي. وتعمق بهذا الخصوص في قضية بناء حزب سياسي شيوعي وجماهيري وعصري. ووضع في جدول أعماله سواء من الناحية السياسية أو من ناحية الأسس والمبادئ التنظيمية للحزب السياسي خطوات مؤثرة وتقدمية، وأقرّ  العديد من القرارات والوثائق المهمة وكلف المكتب السياسي بإتمام هذا العمل على أساس أبحاث وتوجهات الاجتماع الدوري.