أعمال جديدة في العراق في ظل ديمقراطية الطائفية والقومية

في البصرة يبحثن عن أي شيء، فكل شيء مطلوب

نساء ينبشن ملاجئ الجنود على الحدود

 

 

جمع خشب وهياكل عظمية وبنادق صدئة

وفي غضون السنوات الأربعين الأخيرة ،وخلال الحرب العراقية الإيرانية حين سيق زوجها وأخوها وأبنها للحرب وجدت نفسها المعيل الوحيد لأسرتها فخرجت مجنونة،لا مساعد لها ولا معين، تبحث عن لقمة العيش في الأماكن التي لم يجرؤ على دخولها الرجل نفسه،فهي في المعسكرات المهجورة تبحث عن الخشب والصفيح وبين مخلفات الجنود حين انتهت الحرب تفتش عن بندقية صدئة ،وهي على الحدود مع إيران تنبش الجثث ،أو ترصف الهياكل العظمية للجنود المقتولين في نهر جاسم وشرق البصرة بغية حفنة من الدولارات يقضمها السماسرة والتجار من العراقيين والإيرانيين على حد سواء ،فهي في الأرض التي كانت حراما تقود عربة الخشب التي تجرها الحيوانات، هناك،حيث تنفجر الألغام،وتنبتر السيقان ويتطاير اللحم، حتى لكأن لحم الرجال الذي تناثر كثيفا ،وغطى تلك الأرض طوال 8 أعوام لم يكن كافيا.

ملثمات وعيون وقحة

و(تطور) عمل المرأة تلك بشكل سيء جدا، فلم تعد تقنع بعملها في جمع الطماطة داخل المزارع في الزبير وسفوان وأم قصر أو قريبا من الحدود مع دولة الكويت والسعودية ،وتأتي مزاحمة الرجل لها في أعمال البناء والخدمات لتضيف لها أزمة أخرى،بعد أن كسدت تجارة التمور،حيث لم تعد المكابس على حالها في أبي الخصيب والقرنة والفاو..وهكذا تجددت حاجتها للعمل أي عمل،ومهما كانت درجة الخطورة فيه، فلجأت للصحارى البعيدة،على الحدود،بين الرمال والحصى والريح الشديدة والشمس الضاربة على الرؤوس ،حيث يشح الماء ،وتنعدم الظلال، فصارت ضمن جماعة نسائية كبيرة ،حشد مبرقعات، ملثمات ،لا تبين منهن سوى عيونهن ،يخرج قبل خيوط الفجر الأولى من الأحياء الشعبية الفقيرة في الحيانية والقبلة وخمسة ميل والكرمة،تأخذهن عربات مكشوفة، بيكبات ،لوريات صغيرة،وحيثما وجدت الأسلاك القديمة والمحولات الكهربائية المستهلكة،حيثما وجد الخشب والصفيح ،وما تمكنت اليد من انتشاله وجدن ،لكنهن كانت قلما يعدن سليمات، فهن إن سلمن من انفجار لغم قديم أو قذيفة تركها الجنود عند انسحابهم الأخير من هناك، لم يسلمن من تلصص الرجل،الجندي،المقاول،أو من عيني سائق البيك أب الوقحتين.. وأقل من ذلك يطلق أهل البصرة على شريحة أخرى من النسوة عبارة (العتاكات) من العتيق (ما أستهلك بالاستعمال) وهنّ اللواتي يجبن الأحياء وأطراف المدينة ويذهبن إلى حيث لا يجرؤ أحد على الوصول، بحثاً عن الأسلاب والنفايات (ألمنيوم ، مطاط، بلاستيك، جلود ..) خرجن من أحزمة الفقر والأحياء العشوائية التي نمت سريعة في البصرة خلال الأعوام الماضية ،أو عقب سقوط النظام السابق ،فامتهنّ أعمالا لا تخطر على البال، ومنذ سنوات الحصار،أبان التسعينيات من القرن الماضي نشطت تجارة من نوع خاص،وانتشرت الورش والمعامل الخاصة بتدوير وصناعة المواد المستعملة، ولما يزل الكثير منها مستمراً حتى اليوم ،منتجا أنواعا رديئة من الحاجيات، وموزعا على الأحياء الشعبية للمدينة، ولرخص اليد العاملة فقد لجأ أصحاب الورش هذه إلى الاستعانة بالنساء،تحت ظروف غير ملائمة،وبعيدا عن أبسط القيم الإنسانية.

بترت ساقها بلغم وعادت

سكنه أي (سكينة) عباس تسكن مع شقيقها في الحيانية بعد وفاة زوجها (عتاكة) سابقة، بترت ساقها قبل سنتين بانفجار لغم في منطقة الشلامجة على الحدود مع إيران، حين كانت تبحث عن مخلفات لأدوات معدنية، هي تعمل الآن في إحدى هذه (الورش ) توقفت عن مهمة الطواف والتجوال بعد بتر ساقها بلغم أرضي هناك ،فأوكلت المهمة الصعبة لأبنتها (فرقان) التي راحت هي الأخرى تجوب الأحياء ويبحث في القمامة ،خارج مدينة الزبير،حيث يلقي عمال البلدية أطنان النفايات هناك كل يوم ، فهي تجمع الزجاجات الفارغة والبلاستك والأحذية الجلدية وقطع الكارتون المقوى والنحاس والأجهزة الكهربائية العاطلة وبقايا مكائن السيارات والمحوّلات، لتظل أمها بساق واحدة تعمل في الورشة مهنا متعددة، بينها فرز الحمولة وإزالة الأوساخ ، ليقوم فريق عمل آخر بمعالجة بعض المواد حراريا داخل الورشة الصغيرة ، بينما يقوم آخرون بشحن البضاعة إلى بغداد بغية إعادة صهرها وتصنيعها.


عمل يوجع القلب.. لكن !

تقول سكنه إن عملها -يوجع القلب- ،وتضيف : (هناك مهمات كثيرة علينا القيام بها، منها تغطيس الأحذية في ماء يغلي بقدور كبيرة حتى تنفصل الكعوب عن الجلد، ومن ثم خياطة أكياس كبيرة تعبأ فيها الكعوب لترسل إلى بغداد، ونقوم أيضا بكشط أسلاك الكهرباء للحصول على شرائط النحاس ولدينا دائما المزيد من الأعمال).فضلا عن غضب رب العمل وقسوة معاملته،ناهيك عن تحرشات أولاده الكبار وكلامهم البذيء. وبلهجة أهل الهور، تضيف المرأة التي تجلس على مقعد منخفض ممدة ساقها الوحيدة على الأرض بينما تنشغل هي وزميلاتها بكشط الأوساخ عن الزجاجات الفارغة: ( أغلب النساء اللواتي يعملن هنا أتين من أحياء الحيانية والقبلة الفقيرة ،وهناك نساء نزحن مع عوائلهن من محافظات أخرى، ومن الأهوار أيضا ،وهناك أسر كاملة تعمل في ورشتنا،لسنا الوحيدين،هناك عشرات المعامل والورش المشابهة في المنطقة الصناعية،وفي حمدان ،ماذا نعمل والحكومة لا تفكر بنا؟، بيننا من فقدت زوجها في الحرب، وهناك من لم تتزوج وقد تعداها القطار،كما ترى نحن خارج اهتمام المسئولين.


نساء في حفر الباطن

كاملة بدن (30 عاما) كانت تسكن خمسة ميل ،ثم انتقلت أسرتها إلى حي الأصدقاء بعد أحداث صولة الفرسان الأخيرة حيث قتل زوجها بانفجار عبوة زرعها البريطانيين،قرب جسر الكزيزة، خرجت ،تبحث مع العديد من زميلاتها العتاكات في منطقة حفر الباطن عند الحدود السعودية، عن مخلفات معدنية من حرب الخليج الأولى (عاصفة الصحراء) لذا فهي تصف عملها بقولها: (نعمة من ألله، لقد ترك الجنود المنسحبون لنا أشياء كثيرة،الصفيح، قطع الألمنيوم مطلوبة كثيرا في بغداد، وكذلك الخشب،حتى الحديد (المعرقلات) أيضا له سوق في علاوي السكراب . وتصف طريقها إلى هناك قائلة : (نخرج فجر كل يوم ،إذ يتوجب علينا أن تحملنا سيارات البيك آب إلى الحدود، في الغالب نبقى هناك يومين أو ثلاثة، نجمع ما نجده أو نبحث عنه ،وما هو مفيد للورشة ،ننبش التراب،ونزيح القطع الكونكريتية، تلك المناطق الصحراوية البعيدة مخيفة في الليل ،وهي غير مرتبطة بشوارع المدن،وغير معبدة، لذا يقوم رجالنا باستطلاع المناطق، وحجزها (أي تأمينها) ضد العصابات والسلابة من أصحاب الورش الأخرى، فنحن نواجه منافسة شرسة،هناك عتاكات أخريات يسرقن ما نجمع إن تمكن من ذلك،لقد خلفت الحروب لنا منجماً من المواد والأسلاب المهجورة ،أعتدة وأسلحة مدمرة وسيارات، مدافع ودبابات وصواريخ ومواد بناء وإطارات، وقبل صولة الفرسان كان السلاح أهم وأثمن ما نعثر عليه.

 

البحث عن عربة معطوبة

وتمضي (كاملة) قائلة :حين نصل الصحراء نبدأ بالبحث في مواضع الجنود التي طمرتها الرمال، وإذا حالفنا الحظ وعثرنا على عربة عسكرية معطوبة أو مدرعة نقوم بتفكيكها وحمل الأجزاء التي تصلح للبيع،المنطقة وعرة وفيها طرق كثيرة متشعبة،وغالبا ما كنا نتيه في الصحراء التي تمتد حتى بادية السماوة،وعلى الرغم من قسوة العمل ومخاطره فإن شرطة الكمارك تتعقبنا، وأحيانا تصادر ما عثرنا عليه، ولا تسمح لنا باسترجاعه دون رشاوى وأتاوات. راهي سلمان) أحد أصحاب الورش في الحيانية يقول : أغلب النساء اللواتي يعملن لدي هن بلا معيل. ليس لهن احد، لذلك عليهن الكد ليل نهار، من جانبنا ،نحن أصحاب الورش، نعتمد عليهن أكثر من الرجال، فهن يتحملن ما يتحمله الرجال، ويمكنهن إجادة أعمال جانبية أخرى كالخياطة في الورشة وإعداد الطعام خلال رحلة البحث هناك، وأشياء أخرى... في الورشة الصغيرة هذه كنت قد أمنت معيشة(شريفة) للكثيرات اللواتي قست عليهن الحياة. بحسب تعبيره