في عراق الحديث ممنوع حصول المرأة على جواز السفر بينما تحصل المجرمون على إجازة رجمها بالحجارة

 

طه معروف

إن مهرجان القتل البربري، برجم الفتات الشابة ،دعاء رجما حتى الموت في أبشع مشهد للقتل المذهبي إطلاقا في قصبة بعشيقة الخاضعة لسيطرة حكومة بغداد ، قد هز مشاعر و وجدان الإنسانية و أثار غضبها. مذكرا البشرية المتمدنة بتلك الأفكار و المذاهب و الديانات التي تجيز ممارسة تلك الأعمال الهمجية ضد المرأة بصورة علنية تحت يافطة ومسميات تافهة، من قبيل قتل الشرف  أو العقاب لتجاهل وخروق المبادئ الدينية. لقد تركت هذه الجريمة أثرا عميقا ومؤلما نادرا في نفوس المرأة العراقية و الكردستانية الى درجة لم تستطيع أي جرائم أخرى بحقهن أن تركت هذا الأثر.

  مما هو ملحوظ ،بل هو مؤكد ، أن حكومة العراق وسلطة أقليم كردستان، و إدارات ذات الصلة ، قد أسهمت في وقوع هذه الجريمة بشكل مباشر. كان البنت البريئة، دوعاء، محتجزة وفي ذمة نائب محافظ موصل –خسرو كوران- حسب إعترافاته الأخيرة. وبعلمه تم تسليمها إلى قبضة حفنة من المجرمين. وهو اي السيد النائب، يعلم علم اليقين مصير هذا البنت المغدورة .و في مشهد قتل مروع ،الرجم بالحجارة ،تمتعوا رجال الشرطة ((بزي الحكومي)) ،برفقة القتلة، في مشاهدة الجسد الطاهر لبنت دعاء وهي ترتعش وتصطك اسنانها تحت تأثير اكوام من الحجر والكتل الكونكريتية، التي أدت إلى أنهاء حياته في مشهد مؤلم يندى له الجبين أمام مرأى و أنظار أفراد من الشرطة العراقية ، كعقابا لتحديها ألأفكار والحدود والمذاهب والقيم البالية للمجتمع الرجولي.

كان بإمكان حكومة العراق وحكومة أقليم كردستان أن تحافظ على حياة البنت،دعاء، لو أرادوا كذلك. ولكن المصلحة السياسية العرقية والطائفية القذرة  لدى هؤلاء، هي دائما فوق جميع الإعتبارات الإنسانية و أغلى من أي قيم الإنسانية وأقدس من صرخات الدعاء المغدورة. فهذه هي لبناة مسيرتهم الديمقراطية ونموذجهم الناجح في الشرق الأوسط !! .

ومن جهة أخرى ،فإن  قتل 23 عاملا من الطائفة الايزيدية من قبل زمرة أخرى سفاحة، هي صفحة أخرى ووجه أخر لجريمة القتل الطائفي والعرقي تهدف إلى تعميق الصراع  و القتل على الهوية . فهؤلاء المجرمين لا يختلفون بتاتا عن أولئك الذين رجموا دعاء بالحجارة .فهم جزء من المشكلة الأساسية في العراق حيث يريدون بهذه الطريقة الوحشية توسيع دائرة القتال الطائفي لفتح الطريق أمامهم  لتعميم الرجم بالحجارة وفرضها كسنة من سنن الطائفات الدينية في المجتمع. علما بأن هذه الزمرة الطائفية من الإسلام السياسي التابع للكتل السنية في مدينة موصل وضواحيها، ترتكب مثل تلك الجرائم  بشكل يومي  بحق الجماهير لمن يخالفها الرأي في عقيدتها الدينية الرجعية وتفسك دماء البنات والنساء اللواتي يرفضن خضوعهن لتعاليم وفتاوي الدين الإسلامي  ولها سجل دموي ايضا في الذبح و قطع الرؤوس لعشرات من النساء والفتيات من امثال دعاء.

لقد كشفت جريمة قتل الدعاء بهذه الصورة الهمجية بوضوح ماهي الرجعية للأفكار المذهبية والطائفية الدينية، اي كان. فرجم بالحجارة ،تسمحا في الأيزيدية كما كان في الإسلام .ولو لم تكن أولئك القتلة من الاكراد الأيزيديين ملتزمين بالمبادئ الطائفية الدينية الأيزيدية ،لما كانت هذه العلاقة الإنسانية النظيفة وهذا الزواج المقدس بين شاب عربي مسلم و فتاة أيزيدي كردي، قد أثار شهيتهم لتقوم بهذه الجريمة الوحشية وإضافة الى ذلك فإن الجو والمناخ السياسي الطائفي والعرقي السائد في العراق يشكل عاملا ومحفزا أساسيا لإرتكاب مثل تلك  الجرائم و بهذه الصورة العلنية .

الموضوع التي تستحق الوقوف عندها ،هو موقف الإسلام السياسي من هذه القضية. حيث تحاول جاهدا أن تجعل منها مبررا لإدامة بقتالها الطائفي وفور وقوع الحادث دأبت بإطلاق تهديدات بالإنتقام من الأبرياء كي ترعبهم وتخويفهم  في تلك المناطق. ومن ناحية أخرى فإن سياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني وإرتباطاته مع الطائفة الأيزيدية أدى إلى تعريض أتباع الطائفة الأيزيدية إلى خطر حرب التصفية العرقية والطائفية. ومنذ إنفجار هذا الصراع  تحولت مناطقهم  إلى ميدان قتال وهجمات والإعتداءات المستمرة من قبل حركات الإسلام السياسي والقوميين من العرب والكرد ايضا.

إن عملية قتل المرأة بصورة علنية في العراق وبأساليب البربرية ،ليست وليدة فترة الإحتلال فقط .بل تمتد جذورها إلى فترة حكم النظام البعثي المقبور، عندما قامت بقطع رؤوس عشرات من النساء اللواتي أجبرتهن الحصار الإقتصادي لبيع أجسادهن، في إطار حملته الإيمانية الوحشية.

الحملة الإيمانية البعثية، القتل العشوائي للمرأة وفقا مفهوم المجتمع الرجولي في كردستان ، صدورقرار 137 الجائر من قبل عبد العزيز الحكيم ،بند السابع في دستور أقليم كردستان التي يستند على الشريعة الإسلامية ،صدور قرار يمنع حصول المرأة العراقية على جواز سفر إلا بموافقة ولي أمرها، وأخيرا وليس آخرا، جريمة رجم الفتاة الشابة ،دعاء، فكل هذه الإنتهاكات هي من بركات الحركات القومية والطائفية والمذهبية التي تجرد المرأة من خصلتها الإنسانية لتجعل منهن عبدا للمجتمع الديني القومي الرجولي .

إن صمت والكتم الإعلامي للحكومة على هذه الجريمة في الداخل والخارج الذي دامت عشرين يوما، قد عجزت وبائت بالفشل أمام موجة الإستنكار وإعتراضات الجبهة الإنسانية اليسارية والمتمدنة العراقية والكردستانية التي سخرت بحق جهودا ملموسا لفضح هذه الأعمال الوحشية. مرة أخرى أثبتت هذه الجبهة الإنسانية قدرتها ، كحركة فعالة و مدافعا جسورا عن الحقوق والقيم الإنسانية، وقوة لا يستهان بها فإذا توحدت ونظمت . إن العلاقة الدينامكية بين الخارج والداخل لهذه الجبهة الإنسانية في هذه القضية ،قضية دفن أحلام بنت دعاء ،قد هز تقاليد ونهج القوميين والطائفيين الذي لم تجف دمائه الطاهرة ، حتى بدأ صرخات المتظاهرين للتنديد بهذه الجريمة كان قد يصم الأذان في كردستان العراق .

الأسباب الكامنة وراء هذه الجريمة التي تساهلت معها الحكومة العراقية في بغداد واربيل ،هي نتاج المد الطائفي الديني والعرقي في العراق .تعددت الأسباب والمحصلة واحدة وهي أن السلطة في العراق وكردستان لا تريد  ان تفصل نفسها عن هذه الأفكار والحركات. بل يعتمد عليهم ويساورهم كجزء منهم .ومن سمع تصريحات وزير اوقاف اقليم كردستان حول هذه الجريمة ،الذي اصبحت مثار تندر واستغراب الناس ،يستنتج بإن هؤلاء لا يريدون ان تضع حدا لتلك الجرائم بتاتا بل يحاولون تقديم المبررات الدينية والطائفية لإضفاء الشرعية بتلك الجرائم.