الإرهاب أصبحت "جوهرة العراق" في نظر زمرة من المعممين العراقيين

(على هامش مؤتمر الوقف السني العراقي في عمان)

 

طه معروف

عقد في الاردن الاسبوع الماضي مؤتمرا طائفيا من قبل زمرة من المعممين  عمامات  بيضاء  لتشكيل (مجلس العلماء السنة) كمرجعية دينية موحدة وإنشاء(مؤسسة للفتوى)  لتكون مصدرا للفتوى "الشرعية".وحظي المؤتمر بدعم عدد من الدول العربية ومن ضمنها الصديق الامريكي-الصلب- السعودية. حيث تركزت المناقشات حول صياغة قواعد اللعبة السياسية  في العراق عبر فتاوى جديدة لتغذية ما يسمى بالمقاومة العراقية اوكما يدعون"جوهرة العراق والعرب والمسلمين".لقد عقد هذا المؤتمر في ضوء المتغييرات والمستجدات السياسية الجديدة على الساحة العراقية والمنطقة  المتمثلة بفشل الإحتلال وما تبعها من ظهور مؤشر في تغيير المواقف الامريكية من القوى المتصارعة في العراق نتيجة توسع المد الايراني في العراق وفي المنطقة.

 ولم يكن في جعبة المؤتمرين المعممين شئ كثير يقدمونه للجماهير العراقية سوى التأكيد على نهجهم الإرهابي لإدامة الصراع و إرسال مزيد من القنابل الإنسانية و السيارات المخففة والتشديد على عملية قتل العشوائي عبر جيل آخر من الفتاوي الأصيلة في إطار النزاع الطائفي. حيث تحدثوا عن إصدار سلسلة من الفتاوي الجديدة لإضفاء الشرعية بعملية قتل والإنتقام الطائفي، ولكن هذه المرة تم حصرها في ايدي المرجعية السنية الأعلى فقط او كما يقولون "الإبتعاد عن إصدار الفتوى المتسرعة العاطفية عن انصاف المتعلمين" .اي ان كبار المعممين ليسوا مسؤولين عما  جرى في السابق من القتل والتشريد في العراق وانما المسؤولية تقع على عاتق فئة اخرى من انصاف المتعلمين  .والمعممين عندما يقومون بمراجعة فتاوي السابقة التي ادت الى خلق اكبر كارثة انسانية في العراق،إنما يحاولون تبرئة انفسهم عن تلك الجرائم الدموية التي لم تستثن  حتى الاطفال اولا ،والمضي قدما في اسلمة المجتمع العراقي عبر الفتاوي الرجعية ليحل محل القوانين المدنية ثانيا، واخيرا، فهي محاولة لإخماد السخط الجماهيري ضد الفتاوى الدينية المقززة التي تتناقض في صميم مع روح العصر ومع كل القيم الإنسانية  في المجتمع.

اللافت ،ان المعممين في عمان تحدثوا هذه المرة بلهجة مغايرة عما كانت في السابق واتسمت آرائهم بنوع من الإعتدال تجاه قوى الإحتلال تضامنا مع سياسة المحاور الجديدة التي يقودها سعودية في المنطقة وفق مستلزمات السياسة الأمريكية . ان احاديث عصابة العمائم البيضاء، كانت واضحة جدا عندما اعطت الأولوية لمقاومة المد الايراني وليست قوى الإحتلال.وعبروا عن هذه المواقف بعبارات واضحة  حيث يرون "إن أذا ايران  اكبر من أذى امريكا". ومعاني هذه الجملة تعود بمخيلتنا ،أوضاع العراق والمنطقة في البداية الثمانينات ،اي قبل حرب الخليج الاولى عندما نجحت امريكا آنذاك في تجييش دول المنطقة بقيادة النظام البعثي ضد الخطر الوهمي الايراني على الخليج.

ان التسمية مشروع القتل والإنتقام الطائفي  ب"جوهرة العراق" او "المقاومة المفتخرة"هو دليل على وحشية وهمجية هذه الطغمة من المعممين الذين لايعرفون اية لغة سوى لغة القتل والدمار لتحقيق مآربهم الخبيثة لظفر بالسلطة في العراق.إن إستهداف التجمعات السكانية في الشوارع  والمحلات والاسواق والمدارس والجامعات ومكان العيش والعمل ،تبقى الطريقة الوحيدة في الأدمغة المريضة لمعممي عمامات البيضاء والسوداء للوصول الى السلطة .إن صراع الطائفي المتمثلة بنزاع المعممين، يكون في جوهره صراعا ضد القيم والمبادئ العلمانية واليسارية التقدمية في المجتمع .

رغم ان العلمانية هي حركة متجذرة في العراق و نجحت سابقا في فرض تراجع ملموس على افكار الدينية المتخلفة وممثليها من فئة المعممين المنبوذين ،إلا أن امريكا حاولت منذ دخولها العراق ان يصور هؤلاء الجهلاء من اصحاب العمائم بلونيها الاسود والابيض كأنهما ممثلين عن الحرية والديمقراطية. وأوكلت اليهم قيادة العراق ضمن عمليته السياسية المخادعة لتشكيل الدولة والحكومة وكتابة الدستور. ولكن امريكا فشلت ومشاريعه  لم ترالنور، وبعد اربعة سنوات من إحتلاله لا توجد  اثر للدولة والحكومة والدستور بالمعنى العملي للكلمة، وانما توجد التقسيمات الطائفية والفتاوي الدينية و سلطة الميليشيات والمؤسسات المتعددة المراكز على اسس طائفية والعرقية .

إن وصف هؤلاء المعممين بإعتبارهم انصار الحرية والديمقراطية من قبل قوى الإحتلال ،هو إهانة  لتأريخ المجتمع العراقي ولملايين من الجماهير العراقية المدنية والعلمانية واليسارية والشيوعية واطياف واسعة من الملحدين. بل هي محاولة للقضاء على تلك المكاسب الإجتماعية النضالية التقدمية التي حققت عبر نضال شاق وطويل المليئة بالمآثر البطولية للقوى الثورية اليسارية والمدنية في المجتمع العراقي رغم  الضروف العراقية الصعبة في ظل حكم الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة في العراق .

يخطئ من يظن بإن الإرهابيين هم فئة متمردة خارج فلك المعممين من الرجال الدين .الرجال الدين الإسلاميين هم خمرة الإرهاب اينما كانوا .فأي عمل إرهابي في العراق يقف وراءه رجال الدين سواء كانوا من الشيعة او السنة . فلولا رجال الدين ، لما كان بإمكان نوري مالكي الوصول الى قمة هرم السلطة الميليشياتية في العراق ولن تستطيع البعثيين ايضا ان يعودوا  بهذه السرعة الى الواجهة السياسية في العراق .

 إن رجال الدين الإسلاميين الذين لديهم تجارب طويلة  مرة من التهميش في العراق، حيث قضوا تاريخا طويلا في حاشية المجتمع كفئة متطفلة منبوذة و معزولة عن المجتمع ، نتيجة المد الشيوعي واليساري والعلماني في العراق وفي المنطقة وفي العالم . ويدركون جيدا بإن إختلال التوازن في المجتمع الناجمة عن إحتلال العراق ، وضعت امامهم فرصة  تأريخية ثمينة لظفر بالسلطة .ويعون جيدا على ان المجتمع العراقي يفضل الحيات المدنية والعلمانية، بدل الحياة الجاهلية في ظل الفتاوى والشريعة الإسلامية .ولذلك حاولوا منذ البداية إستثمار الفراغ السياسي التي نجمت عن غياب الحكومة والدولة لصالحها وبدأوا بحملة واسعة ضد كل المظاهر المدنية واقاموا المحاكم الجاهلية الإسلامية وفق الشريعة الإسلامية لمعاقبة الخارجين عن الترهات الدينية .وفي هذه النقطة فإن العمائم بلونيها الابيض والاسود متفقان ولا يختلفان إلا في الدعارة الإسلامية المتمثلة بالزواج المتعة وزواج المسيار.

يبدو ان اربعة سنوات من الإرهاب الدموي القاتل في العراق قد تكون عاجزة في إثارة شهية المعممين  لإرتكاب مزيدا من الجرائم  ولذلك يعدون العدة لتعميق هذا الصراع الطائفي عبر تشكيل الكيانات الدينية الطائفية الرجعية وانشاء مؤسسة للفتوى،بغية إغراق العراق في العمل الإرهابي كأفضل وسيلة  لتحقيق اهدافهم القذرة في العراق.