حوار مع شمال علي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي الكردستاني، حول عقوبة الاعدام ودور الطالباني و نوشيروان مصطفى في قصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي

 

 

الى الامام: حكمت المحكمة الجنائية العراقية الاحد الموافق ليوم 17.كانون الثاني 2010باعدام وزير الدفاع الاسبق علي حسن المجيد الملقب بـ"علي الكيماوي" لادانته بقصف بلدة حلبجة الكردية بالاسلحة الكيميائية عام 1988. نود ان نسال رايك حول الحكم الإعدام بصورة عامة، سواء كان على علي الكيماوي او غيره من الناس؟!

 

شمال علي:لا يختلف اثنان من المدافعين عن حقوق الإنسان بأن عقوبة الإعدام إنما هي مجوز قانوني تتذرع به الحكومات من اجل ممارسة القتل مع سبق الإصرار و الترصد. فبعيداً عن شرائع القصاص ومبدأ العين بالعين والسن بالسن وأمثالها من قيم بالية وبدائية، ينظر المتحضرون اليوم بعين من الشك والريبة إلى إدعاء الحكومات والدول بنجاعة عقوبة الإعدام في الحد من الجرائم الخطيرة التي كثيراً ما تتمترس خلفها السلطات لتبرير نزوعها للقتل وإراقة الدماء.

هناك نقاط مهمة من الممكن أن نرتكز عليها في الرد على المدافعين عن تطبيق عقوبة الإعدام من أهمها: أولاً، إن الدولة بممارستها لعقوبة الإعدام إنما تشرع وتقنون القتل كوسيلة لتحقيق العدل وإحقاق الحق. فإن قَبِل المجتمع بأن الحكومة والجهات القضائية، والتي من المفروض أنها تمثل العقل والتعقل الإنساني، أن تمارس القتل كوسيلة لتحقيق العدالة، كيف تستطيع مؤاخذة المجرمين في نزوعهم إلى حرمان الآخرين من الحياة بحجة إحقاق حقوقهم أو تحقيق ما يعتبرونه في دواخلهم عدالة أو حقاً لهم. و ثانياً، كثيراً ما تدعي السلطات بأن عقوبة الإعدام هي وسيلة لردع المجرمين و تقليل الجرائم، علاوة على وجود دلائل واضحة تنفي هذا الإدعاء، الخطورة الحقيقية لهذا التصور نابع من التعريف المشوه التي يقدمه التصور المذكور للجريمة. الجريمة بمختلف أنواعها، وضيعها وشنيعها، هي مرض اجتماعي قبل أن تكون ممارسة أو تصرف يقوم بها المجرم.

المدارس الحقوقية التي تستلهم تعريفاتها ومفاهيمها من المدارس الفكرية والفلسفية المختلفة، تتباين في تعريفها للجريمة. المدارس التي تميل إلى التركيز على الإصلاح الإجتماعي تنزع إلى تعريف الجريمة بوصفها خللاً أجتماعياً يترتب على الدولة والمؤسسات العامة في المجتمع إيجاد حلول لها. في هذا الإطار، لا يمكن أن تعني قتل المجرمين سوى قتل المرضى بدل التركيز على مكافحة المرض أو الجريمة. إن الحكومات بتبنيها وتنفيذها لعقوبة الإعدام وقتل المجرمين إنما تكف عن نفسها عناء إيجاد الحلول لتفشي الجريمة، بل حتى الكشف عن الخلفيات والدوافع الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للجريمة. إن المجتمعات التي تمنع حكوماتها من التعامل السهل و"القصاص" من المجرمين إنما تجبرها على الكف عن التستر على الدوافع الحقيقية للجريمة وتدفعها للبحث والتقصي وراء خلفيات الجريمة وإيجاد الحلول الإجتماعية لمسببات بروز الجريمة وتفشيها.

في تعاملنا مع إعدام علي حسن المجيد من المفيد أن نبرز النقطة الأخيرة وننظر من خلالها إلى القضية بكاملها. فبإعدام علي الكيمياوي تبرأت البرجوازية الحاكمة في العراق من ذيول وخلفيات جريمة القتل الجماعي، الذيول والخلفيات التي ما زالت تتحرك بنشاط في العراق. رش الناس بمبيدات كيمياوية وكأنهم حشرات، القتل الجماعي لمجموعات بشرية دون التمييز بين طفلهم وشيخهم، كبيرهم وصغيرهم، لم تكن وليدة العقل المريض لأمثال علي الكيمياوي وصدام حسين فقط. فذلك التلذذ بقتل البشر بالجملة لم تكن لتظهر إلا فوق تلال من الأحقاد القومية والأستهزاء العنصري بالقيم الإنسانية، فأين مكان تلك الأحقاد القومية والعنصرية المقيتة في قفص الإتهام. إن قتل شخص مثل علي حسن المجيد كما قتل من سبقه من مسئولي البعث ما كانت سوى خدعة لإطلاق سراح افكارهم ومناهجهم اللاإنسانية وتركها تمر وتنسل من الأبواب الخلفية للمحكمة.

حتى بالمعاني الضيقة لتحقيق العدل والحق، من الممكن أعتبار قتل علي الكيمياوي قبل البحث عن من زود النظام بالأسلحة الكيمياوية ووفر له الإمكانيات والتقنيات الضرورية لإستخدام تلك الأسلحة والكشف عن الجهات الأقليمية والدولية، الدول والشركات الضالعة في الجريمة، مؤامرة "لستر" وإخفاء مجرمين حقيقين لم تكن ايديهم أقل اخضضاباً بدماء الأبرياء من الذين أعدموا وشُنقوا. إن أي محكمة عادية لجريمة إعتداء مسلح لم تكن لتترك المجرمين يذهبون قبل أن تعرف مصدر أسلحتهم والمشاركين معهم بالتخطيط والتنفيذ. إن المحاكم التي اقيمت للمجرمين في النظام البعثي والتراكض لتنفيذ أحكام الإعدام هي في واقع الحال لملمة وغلق لأبواب الفضائح وتبرئة لمجرمين ما زالوا أحراراً طليقين أكثر من كونها إجراءات قضائية لمسائلة المجرمين.

 

الى الامام: في اونة الاخيرة وفي خضم الصارع الشديد بين الاتحاد الوطني الكردستاني و حركة التغير بقيادة نوشيروان مصطفى، كشفت فضائح كبيرة وخطيرة لحركة القومية الكردية وقادتها حيث اتهم الطالباني نائبه السابق نوشيروان مصطفى بضلوعه في ماساه حلبجة وكل التحرريين، حيث وحسب قول الطالباني انه مهد الطريق لدفع القوات الايرانية الى قصبة حلبجة، ابان الحرب العراقية الايرانية وهذا ادى قصفه من قبل الحكومة العراقية... ماهو تعلقيكم على هذه القضية؟ هل برايكم يجب محاكمة الطالباني و نوشيروان مصطفى مع المتهمين الاخرين في هذه القضية؟! ماهو رايكم حول هذه الفضيحة و تقليد الحركة القومية الكردية واحزابها اتجاه ارواح الناس في سبيل تمرير سياستهم؟!

 

شمال علي: قبل كل شيء هناك فرضية في سؤالك أود تصحيحها، فأنا بصراحة لا أرى في تداعيات الصراع الشرس بين أطراف ورؤس عصابات المافيا الحاكمة في كردستان أي كشف جديد للجرائم. فالجميع في كردستان على علم بخفايا الجرائم وفضائع ما ارتكبتها ايدي هؤلاء خلال العقود الماضية وصولاً إلى يومنا هذا. وإني أرى حقيقة تسبب هؤلاء في مأساة حلبجة في ذيل قائمة اتهاماتهم. فرؤس المافيا هؤلاء وبضمنهم الرئيس الحالي لما تسمى بجمهورية العراق أرتكبوا جرائم تقف لها شعر الرؤوس. من الكمائن التي نصبوها إلى مسلحي الأحزاب المعارضة الأخرى في مناطق نفوذهم، إغتيال وتصفية المعارضين لهم داخل مدن كردستان وفي مناطق سيطرتهم، إلى الهجوم الوحشي والمعلن على مقرات الأحزاب المعارضة ومن ضمنها مقر الحزب الشيوعي العراقي في بشتئاشان وأرتكاب مجازر وقتل الأسرى من الحزب الشيوعي والحزب الأشتراكي الكردستاني علانية في 1983، وصولاً إلى جرائمهم البشعة في سنوات تسلطهم على مدن كردستان ضمن الحرب الداخلية بين حزبهم والديمقراطي الكردستاني والتي راح ضحيتها المئات بين قتلى وأسرى فقد أي اثر لهم، أغتيال الناشطين اليساريين والعماليين وأختطافهم، وأخيراً هجومهم على مقرات حزبنا ونصب كمائن لرفاقنا في شوارع السليمانية وقتل خمسة والإجهاز على المجروحين منهم وحجز جثامينهم. كلها تمت بتوافق وتواطؤ فيما بينهم، ولم يكن الطالباني يومها سوى "مام جلال" لنوشيروان، ونوشيروان كان "كاكة نةوة" المدلع للطالباني.

إن دور الطالباني ونوشيروان في مأساة حلبجة وجرائم الأنفال جاء ضمن تاكتيك يائس وأنتحاري بعد أنهيار مفاوضاتهم مع النظام، وقد قاموا خلال تلك الفترة بجرائم أفضع من سحب الباسداران (ما يسمى بالحرس الثوري الإيراني) لأحتلال قصبات كردستان والقيام بعمليات كر وفر داخل أراضي كردستان. فعمليات قتل جماعي لسكان القرى من المتحدثين بالعربية في مناطق كركوك وكرميان كانت أفضع من تقديم التسهيلات لمفرزات الباسدار لقصف المنشآت النفطية في كركوك، وتوريط العشرات إن لم نقل المئات من أطفال السليمانية في تنظيماتهم المسلحة والأستهتار المتعمد من قبل نوشيروان، والذي كان المسئول الأول للتنظيمات حينها، بحياة وأمنية هؤلاء الأطفال الذي دفعهم طيشه نحو غرف التعذيب والإعدام الصدامي، لم تقل وضوحاً وبياناً من أحتلال حلبجة على مدى الأستهتار الذي كانت قياداة الأوك تعامل به مصير وحياة الناس في كردستان.

في قضية حلبجة إعتراف جلال طالباني على نوشيروان تحتوي بالكاد على نصف الحقيقة. فالأتحاد الوطني لم يقم فقط بتقدم صفوف الباسداران لأحتلال المدينة، بل أخفى حقيقة إن النظام سيقصف المدينة بالأسلحة الكيمياوية وقام بمنع الناس من ترك المدينة وإخلائها. من الواضح إن عدداً قليلاً جداً من مسلحي الأتحاد الوطني والباسدار قد قتلوا وجل ضحايا مأساة حلبجة هم من المعدمين والفقراء من سكان المدينة الذين لم يتسنى لهم تدبر وسائل نقل تبعدهم عن حفرة موتهم في حلبجة. مما يدل على تعمد الأتحاد الوطني بنوشيروانها وجلالها على ترك الجماهير الكادحة والمعدمة لمصيرها الأسود بيد الجيش العراقي المجرم.

مثلما قلت قبل قليل، المسئولين في الاتحاد الوطني الكردستاني، جلاليين ونوشيروانيين يستحقون المقاضاة والمحاكمة على الجرائم التي ارتكبوها خلال العقود الماضية ولكني أرى دورهم في مأساة حلبجة في ذيل قائمة تهمهم، فالذي أرتكب جريمة حلبجة هو الجيش العراقي بقيادة النظام البعثي وبتواطوء مع القوى الإقليمية والدولية التي إما تعاونت أو سكتت على الجريمة. وبالطبع لا يمكن التغافل على دور الاتحاد الوطني الكردستاني التي دفعت بالضحايا نحو المجزرة.