حوار جريدة "الشيوعية العمالية" مع ينار محمد رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق

حول اذاعة "المساواة" في بغداد

 

الشيوعية العمالية: بدأت اذاعة "المساواة" لمنظمة حرية المرأة بالبث من مدينة بغداد خلال شهر كانون الاول 2009، وكما نعرف على موجة ئيف ئيم 103.8Mhz .  كيف اتت فكرة الاذاعة؟ ما هي آلية عملها؟ ما هي الاهداف المحورية التي ترمو الاذاعة الى تحقيقها؟ وكيف ترين استقبال الجمهور لهذا المشروع ؟

 

ينارمحمد: دأبنا بالنشاط النسوي منذ حزيران عام 2003 لنشر فكر مساواتي تحرري وعلماني، وكان انتشارنا وتأثيرنا وخطابنا الجماهيري ما بين جزر ومد في فترة 2003-2005 ، ولعل اهم مؤشر على هذا الموضوع اعدادنا التي كانت تتجمع في ساحة الفردوس والتي تجاوزت الألف في عام 2004 بينما تراجعت في السنين اللاحقة مع نمو التيارات الرجعية وسيطرتها على مرافق الدولة. عندما استفحلت الحرب الطائفية وسيطرت الميليشيات الدينينة على الشارع، انسحب الاعلام المحلي من ايصال خطابنا الى الجماهير من خلال وسائل الاعلام المتاحة؛ بل ومورست رقابة ضد ناشطينا وكوادرنا القيادية لمنعنا من نشر خطابنا واثبات وجودنا كقطب سياسي قوي وحي في الصراع السياسي الدائر. وتم تصوير المجتمع على انه مجرد من اي طرف شيوعي يمثل آمال العمال والنساء والشباب بل كان القصد محليا وعالميا اقصاء القطب التحرري واضعاف وجوده في المجتمع.

جوبهنا محلياً بحرب شرسة لتهميشنا بمثابة حركة تحررية مضيئة ضمن صراع الحركات السياسية العدوة لآمال الطبقة العاملة والتحرريين والنساء. ولذا كان من الطبيعي ان يكون بحثنا مركزا حول ادوات تقوية المد التحرري وارجاعه قطبا ثابتا لا يتزحزح وصوتا مسموعا في مركز الصراع الدائر في بغداد.

كانت لمشاركاتنا في المؤتمرات النسوية اصداء مدوية ومنذ 2004، ونمت شبكة واسعة من الشخصيات والمنظمات النسوية العالمية الصديقة لنا والتي ارادت ان تكون الغلبة لمنظمة حرية المرأة في العراق في الصراع مع اعداء الحرية من الاحزاب الدينية والقومية والتجمعات العشائرية. وقد عملت حرية المرأة على ابقاء وتقوية الدعم المادي والسياسي من قبل هذه الشبكة العالمية والتي بدأت تضم المؤسسات العالمية والحكومات الى هذه الشبكة. وكانت العروض مستمرة حول كيف يمكنهم تقوية الصوت التحرري للمرأة في العراق.

ومن هنا بدأت فكرة الحصول على اداة ترفع صوتنا وتنقله من داخل مقراتنا لتوصله الى الملايين المتعطشة للحريات والمساواة. واقترحنا هذا المشروع التحرري – اذاعة صوت المرأة – للشبكة العالمية المتضامنة معنا. واستنتجنا من مشاريع اخرى لمسناها داخل حركتنا ان من الافضل ان نبدأ بإذاعة نقوم بتجميع كوادرنا كعمود فقري فيها، وان نقوم بتطوير الكادر وتخصصه فيها لسنة او سنتان؛ لتكون المرخلة الثانية من المشروع فضائية المساواة التي سنكون مؤهلين لادارتها بكفاءة في عام 2011 او 2012.

بدأنا في الاذاعة بسياسات عامة من قبيل تقسيم فترات البث ما بين برامج المرأة والشباب مع ضمان مناهج للدفاع عن الطبقة العاملة ونضالها. والتزمت كوادر الحزب الشيوعي العمالي تدريب الخبرات والكفاءات التي بدأت تتقاطر على الاذاعة وباعداد غير مسبوقة، اذ تزورنا طالبات وخريجات الاعلام والصحافة والقانون وتطلب فسحة من البث لترفع نظراتها التحررية.

واخترنا ان نفسح المجال في البث الاذاعي لفقرات عديدة من التسلية والترفيه وبنمط تحرري عصري يبتعد عن مصطلحات الخرافات التي تملأ بعض مساحات البث الاذاعي في المحطات الاخرى. وكان القصد من ذلك ان تكون اذاعة المساواة هي اذاعة المرأة والعامل والشاب الذي يستمع اليها للترفيه ولكن يلتقط لمحات تخاطب انسانيته وبجرعات مدروسة. والهدف الاكبر توعية المجتمع تجاه افق مساواتي وثوري لا يرضخ لظروف حياة غير انسانية لمجرد كونها واقعا مفروضا عليه.

بعد سبع سنوات من محاولة اطراف مدعومة من قبل الاحتلال لتهميش واضعاف التحرريين والاشتراكيين والراديكاليين، تهدف اذاعة المساواة لاعلان بناء قطب راديكالي لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء للمحاربة والاقصاء البرجوازي لكل ما هو تحرري، بل كان الاعلان لبداية بناء صرح اعلامي منير يعكس آمال الجماهير ويستطيع تنظيمهم وتمثيلهم في الساحة الساسية.

تتجه اعداد من النساء التحرريات الى مقر اذاعتنا باستمرار وتعرض تطوعها للعمل، كما وتزورنا شخصيات واقطاب من اليسار الذي يجد في خطابنا ما يتجاوب مع تطلعاته. اي ان اذاعة المساواة بدأت تنجح بكونها مغناطيس يجذب تحرريي ويسار المجتمع ويهيئ الاوساط لمرحلة سياسية قادمة قد تتغير فيها المعادلات السياسية.

 

الشيوعية العمالية: ان اسم الاذاعة بحد ذاتها تشير، ولو بشكل عابر، الى المنهج السياسي والانتماء الاجتماعي لهذه الاذاعة وتشير الى كون الاذاعة متبنية لفكرة النضال من اجل المساواة بين الانسان بمفهومه الشامل وكذلك بشكله اكثر تحديدا الى مساوة بين المراة والرجل. ما هو تعليقك على هذا؟

 

ينارمحمد: ان معظم مآسي البشرية في عالمنا المعاصر ناتجة من اللامساواة الكارثية المفروضة على البشر. عندما تقطع الماكنة الامريكية العسكرية مسافة نصف العالم لكي تقصف جماهير آمنة داخل بيوتها، عندما يسلط سيف مجرمي القاعدة والميليشيات على رقاب الابرياء من النساء والرجال، وعندما تسن قوانين تحويل المرأة الى تابع وملكية للرجل وتنفذ مؤسسات الدولة كل ما بشأنه ان يسحق انسانية المرأة وتطلعها للمساواة باخيها وزوجها وابيها، وعندما يعبر الاطفال الجياع والحفاة الشارع امام سائق المرسيدس الشبحية، لا يهنأ ضمير البشرية المتمدنة وتبحث عن شعار لنضالها لثورة لتغيير المجتمع حيث تنتهي الفوارق الطبقية والفوارق الاجتماعية المقامة على اساس الجنس والهويات الدينية والقومية. ولا تجد لنفسها شعارا اعلى من شعار المساواة.

 

من هنا اخترنا هذه التسمية التي تجمع جميع شرائح المجتمع في نضال تجاه عالم مساواتي ينهي السحق الاجتماعي للمرأة والسحق الاقتصادي للاغلبية الساحقة العاملة والعاطلة عن العمل، كما ويبدأ صفحة جديدة تسخر مقدرات المجتمع وثرواته لتعليم الشباب وترفيههم بما يتناسب وع تطلعاتهم التحررية بالاختلاط وبالعلاقات الانسانية التي يختارونها.

 

الشيوعية العمالية: ان قضية تحرر المراة وتحقيق مساواتها الشاملة بالرجل تتطلب نقد عملي ثوري لكامل البينان الفكري والسياسي والاجتماعي للمجتمع الذي يعيد انتاج الوضع الاستعبادي للمراة باستمرار. ولكن نعرف بان نقطة الانطلاق وخاصة في بلد مثل العراق لتحقيق ذلك هو التغيير في موازين القوى السياسية لصالح القوى الثورية الاشتراكية والشيوعية واليسارية وقوى الحركة النسائية التحررية والمساواتية ؟ ما هو محور توجهات الاذاعة في ميدان النهوض بحركة سياسية واجتماعية الجماهيرية للنساء؟ كيف ترين تحقيق هذه التوجهات بالارتباط مع ضرورة تقوية الحركة السياسية التحررية الاشتراكية في المجتمع؟

 

ينارمحمد: ان الرأسمالية ولغرض ضمان ارباحها من استغلال للطبقة العاملة تحتاج الى بنى فكرية واجتماعية لارضاخ واضعاف الطبقة العاملة؛ وبذا تعتمد هذه البنى لخلق التمايز ما بين جماهير هذه الطبقة لاضعافها وسحق اعتراضاتها بالضد من الاضطهاد الاقتصادي، واقصر الطرق لاضعاف هذه الجماهير هي بتفريق هذه الصف بخط يقسمه بالنصف الى قسمين متناحرين – يربط احدهما بالآخر علاقة تسلط وسيطرة – ويكون هذا التقسيم على اساس الجنس .وتجد هذه الاحزاب في المفاهيم والممارسات الدينية افضل وسيلة لارضاخ المرأة وجعلها انساناً من الدرجة الثانية وبالنتيجة النصف الخدمي التابع للنصف الآخر المخدوم وصانع القرار. ومن الناحية الاقتصادية يكون غرض ابقاء المرأة داخل البيت نوعا من تقليل التكاليف الحياتية للعامل الرجل الذي يتم ابقاء اجره منخفضا قدر الامكان.

وقد استفحلت حالة تراجع المرأة في العراق وبالذات بعد الاحتلال بسبب تظافر الهجمة الرأسمالية الشرسة التي تخطط باستمرار لجعل العراق لقمة سائغة امام الرأسمال الامريكي والعالمي وتعاون هذه الهجمة مع الاحزاب الدينينة التي توفر البنية الفكرية المعادية للمساواة ما بين المرأة والرجل.

اعتادت الشيوعية العمالية ان تواجه التيارات الدينية بصرامة ودون تردد. الا اننا نواجه وضعاً جديداً داخل العراق حيث ان الجزء الاكبر من الكتل الحاكمة دينية الهوية مما صبغ اجهزة الاعلام صبغة مغرقة في الرجعية، حيث يجرؤ المعممون ان يظهروا على برامج فضائية الدولة لكي يبرروا زواج الفتاة من عمر مبكر او يبرروا تعدد الزوجات وكذلك الكثير من الممارسات المعادية لانسانية المرأة. وهي تقع ضمن خطة منظّمة لتحجيم وارضاخ نصف المجتمع لنصفه الآخر وبذلك خلق حالة من الصراع الاجتماعي الذي من شأنه ان يضمن بنية العائلة التي تضمن تقليل تكاليف قوة العمل.

تضطر (المساواة) ان تخاطب الموضوع من نواح متعددة، وتنتقد الاوجه المختلفة لتهميش وقمع المرأة؛ كأن تحارب التقاليد العشائرية الذكورية التي تمتهن المرأة بممارسات تجعلها ملكية مجردة للعشيرة كجسد يتم بيعها والتبادل بها كبضاعة ووسيلة للامتاع والانجاب والخدمة.

كما وتخاطب (المساواة) التشريعات التي تكرس دونية المرأة وتحاول ارجاع الشرائع الموغلة في القدم وتغلبها على القواينن المدنية التي تحفظ حقا ادنى لحقوق المرأة. ونسلط الاضواء على فقرات مثل التي تبيح قتل المرأة لاسباب تمس البناء الاجتماعي العشائري والذكوري للعشيرة، او فقرات تتسامح مع مغتصبي المرأة، او مع ضرب الزوج لزوجته.

ان غرض اذاعة المساواة ان تدك هذا البنيان من كل قواعده بتبني الناشطين السياسيين الراديكاليين والنشخصيات العلمانية التي بمقدورها سجب المجتمع باتجاه اليسار وبنفس الوقت تبني الناشطات النسوية التي ترفض وتقاوم المد الذكوري الذي يحاول فرض الدونية عليها. ولذا فان قلعة التصدي هذه ذات اربعة اركان: اولاً اصلاح التشريعات –بل بالاحرى استبدالها باخرى انسانية مساواتية، ثانياً:نقد الفكر الاجتماعي الذكوري العشائري والديني، ثالثاً: دعوة المجتمع الى مساحة مشرقة من الفكر التحرري العلماني والمساواتي وباكثر الاشكال ثوريةً، ورابعاً: الارتباط مع قاعدة انسانية عالمية وبالمعاهدات العالمية لحقوق الانسان- المرأة والتي تضطر الدولة ان ترضخ لها في ظروف ما بعد الاحتلال كشرط للاعتراف الدولي او الدعم الاقتصادي.

ان التأثير الفكري والسياسي والاجتماعي من قبل جمع من اطراف كثيرة قد يتنوع خطابها ولكن يشترك بالاهداف التحررية والمساواتية من شأنه ان يهز البنيان الفكري اللامساواتي واللاانساني والذكوري. ولذ فان خلق المنبر الذي يجمع هذه الاطراف ضمن روابط قوية يكون اداة تنظيمية تجاه تغيير المجتمع الى مجتمع افضل للمرأة والشباب والطبقة العاملة.