مَنْ المستفيد من الانتخابات
العراقية!؟
احمد عبد الستار
أعلنت المفوضية العليا
للانتخابات , يوم الجمعة
26/3/ 2010 النتائج النهائية
للانتخابات التي جرت يوم 7 /
3 / 2010، بتقدم القائمة
العراقية التي يترأسها (أياد
علاوي) على القوائم المتنافسة
الأخرى بفارق هامشي بسيط
للغاية, عقبها جدل سياسي واسع
وحامي يدور حول مَنْ سيشكل
الحكومة المقبلة, القائمة
الفائزة بأعلى الأصوات أو
الكتلة النيابية الأكثر عددا
في البرلمان, ولهذا الجدل
بالرغم على ما يبدو عليه من
مظهر قانوني أو دستوري خلفيات
سياسية بعيدة تتعلق بشكل
مباشر بالمزاحمة بين القوائم
نفسها حول السلطة السياسية
ومرجعياتها وارتباطاتها
الخارجية المختلفة, كنا نشعر
عند خوض جميع القوائم
المتنافسة الانتخابات (وخصوصا
الكبيرة) إنها كانت تتصرف
وكأنها ضامنة سلفاً نيلها
أعلى الأصوات وبالتالي تشكيل
الحكومة, مما أدى إلى تبادل
الاتهام الدوري بالتزوير من
قبل قائمتي دولة القانون
والعراقية لبعضها البعض عند
شعور إحداهما بالتراجع أثناء
الإعلان النسبي لأعداد أصوات
منتخبيها, وتعود لتسكت راضية
عندما يعلن عن تقدمها المؤقت.
وتبادل الاتهام بالتزوير هذا
وبالأخص اتهام دولة القانون
لأمريكا من طرف خفي أو أحيانا
معلن بالتدخل لتغيير نتائج
الانتخابات لصالح قائمة
علاوي, يطرح عليهم سؤلا
بديهياً: هل كانت الانتخابات
السابقة خالية من التزوير
والتلاعب؟ بل يعرف الجميع وهم
بالذات إنها زورت وكيف تدخلت
المليشيات بنطاق واسع لتغيير
نتائجها وفرض إرادتها على
الجماهير.
ومن المحتمل جداً, أن تكون
أمريكا قد تدخلت هذه المرة
بصيغة أثرت على نتيجة
الانتخابات, شأن أي انتخابات
حصلت في العراق وتم التلاعب
باتجاهات نتائجها, وترجيح
التدخل الأمريكي المحتمل
والوارد هذه المرة يعود
برأينا, إلى تبني الاتجاه
بضرورة الحد من الهيمنة
الإيرانية في الساحة السياسية
والأمنية في العراق، من خلال
إحداث الانقسام في صفوف
الكتلة الشيعية الواسعة
والدفع بقائمة أخرى تعارض
التدخل الإيراني, ومن تكن في
هذه الحالة سوى قائمة علاوي,
على اعتبار انه علماني وعروبي
مناهض للتدخل الإيراني في
العراق وتلتف حوله أوساط
وجماعات سياسية عديدة تختلف
مشاربها وتتسع, على اختلاف
ألوانها من المواطنين
العلمانيين العاديين
والقوميين ومنتسبي أجهزة
ومؤسسات النظام السابق وحتى
أوساط طائفية أخرى متدينة.
تعكس عملية الانتخاب الأخيرة
جانب آخر من أوجه العملية
السياسية الحالية, وربما
أهمها, تكشف بأن العراق الآن
هو ساحة لصراع الإرادات
الخارجية والمصالح الدولية,
يتم تمثيلها والإنابة عنها
سياسياً (وأحيانا بوسائل
العنف) في ميدان المبارزات
الحزبية بين جميع الكتل
والجماعات السياسية
العراقية، لى حد وصلت مظاهر
هذه الصراعات الخارجية داخل
العراق إلى مظاهر سافرةً
وبدون أي تحفظ من قبل جميع
الإطراف المساهمة بإذكائه,
سواء أكان الطرف الإيراني أو
الأمريكي أو العرب, كلاعبين
أساسيين في تمثيلات اللعبة
السياسية العراقية, تريد
إيران إيصال رسالة لأمريكا من
خلال تدخلها السياسي والأمني
في العراق, مفادها بأنها
تتمتع باليد الطولى وإنها
قادرة على قلب الموازين متى
أرادت, رغم والوجود والإرادة
الأمريكية القوية كاحتلال
ووصي شرعي, مما يؤكد (التدخل
الإيراني) حقيقة ويفرض على
الجميع واقعاً, بأنها طرف
لابد من مفاوضته والقبول
بشروطه الذاتية, غير الشروط
وأبعاد الانتخابات العراقية
التي قامت في الظاهر عليها,
والآن بدأت تتجلى بسرعة
وتتأكد أكثر ملامح الهوة
الواسعة بين أجندة ومقاصد
الكتل والأحزاب السياسية
المشتركة بما أطلقوا عليه
العملية السياسية وانتخابات
وارتباطاتها وتمثيلاتها
الخارجية, وبين رغبة الجماهير
التي خرجت للانتخاب بالتغيير
وتلبية طموحاتها وحاجاتها
التي طال انتظارها, ظهرت بعد
يوم واحد فقط بعد إعلان نتائج
الانتخابات إن النزاعات
السياسية بعيدة وتداعياتها لم
تصب مطلقا في صالح الملايين,
واليوم ومنذ نشوب الصراع بين
الكتل السياسية الحامي الوطيس
كصراع الآلهة الإغريقية على
جبال الاولمب, بعيدة عن
البشر, عادت موجات الندم من
جديد على إن النماذج التي
انتخبناها (لا تلبي الطموحات)
هذا لسان حال الناس قد شرع
يردد كما رددت المدن والأرياف
وملايين العراقيين بعد كل
انتخابات سابقةً سواء الذين
اشتركوا في التصويت أو لم
يشتركوا.
يعود سبب اغتراب الإنسان في
العراق عن العملية التي تدار
بها السياسة حاليا, إلى إن
أساس ومبدأ العملية برمتها قد
أُرسيَ بهدف تمزيق لحمة
النسيج الاجتماعي وتفتيته بين
الطائفية والاثنية ووصف
(المكونات), لكي يتم الحؤول
دون تنظيم الجماهير على الأسس
الطبقية العمالية وفئات
الكادحين الأخرى, وعلى أسس
التمدن والتحرر المنشودة من
قبل أوساط الشباب والمرأة,
وهذه الأوساط والعمال تتمتع
بهوية إنسانية وثورية ولا
تخضع للتصنيفات القسرية
الزائفة, لازالت تعاني صعوبات
التنظيم وتوجيه نضالها
واعتراضها الاجتماعي بالاتجاه
الصحيح.
ويعود أيضا إلى إن سياسة
(الأمر الواقع) الأمريكية
أحضرت بكل مكر وخبرة لتطبق
على العراقيين, بعد أن نُصب
بطريقة واعية ومدروسة شخوص
تؤدي السياسة كممثلين مشوهين
للمجتمع العراقي, منذ الإعلان
عن مجلس الحكم المحلي, لأن
العقلية الأمريكية تفترض
الإنسان على شاكلة من يلبي
مصالحها فقط, ولا خيار آخر
أمامه سوى الرضوخ لمبدأ الأمر
الواقع المعد تجهيزه خارج طوع
وقناعات الآخرين لا تلبي إلا
مصالح المشروع الأمريكي, وقد
طبقتْ الانتخابات المتتالية
في العراق هذا المبدأ بنجاح,
بين الجماهير التي خرجت تنتخب
يحدوها أملها ببسط الأمن,
والخبز, ومتطلبات الحياة
الخدمية والمعيشة, وليس حباً
أو قناعةً بعلاوي أو المالكي
أو الحكيم, وبين الكتل
والقوائم والأحزاب السياسية,
المشغولة بنزاعاتها الشخصية
وارتباطاتها وتمثيلها
الخارجي, ذكَرنا ذلك التجسيد
لمبادئ السياسة الأمريكية في
العراق التي مورست لتجعل
الناس يهيمون بلا جدوى,
بالشعار المستهزأ الذي أطلقه
(فورد) صانع السيارات
الأمريكي الشهير, حين كانت
السيارات تلون في بدايات
تصنيعها بالون الأسود فقط,
وعندما بدأت في أماكن أخرى من
العالم والشركات المنافسة
لشركته تلون إنتاجها الجديد
من السيارات بألوان مختلفة,
أجاب عن حق زبائنه باختيار
ألوان سيارتهم التي يقتنوها
قائلاً: لزبائني الحق باختيار
أي لون يشاءون, لكن ليس
أمامهم سوى اللون الأسود.
آذار/ 2010