الانتخابات النيابية تكشف
الوجه البرجوازي للاحزاب
المتصارعة
وسام يوسف
من الممكن ان تتنازل الاحزاب
المتصارعة على السلطة عن
مفاهيمها وقيمها ولكنها
لاتستطيع ان تتنازل عن مقعد
واحد في البرلمان المقبل.
بهذا الاستنتاج المستند
للمفاهيم الماركسية لطبيعة
الاحزاب البرجوازية حلل كارل
ماركس ما هية القيمة والعقيدة
الحقيقة للنظام الراسمالي
وبشكله السياسي والديني، فمنذ
القرن الثامن وفي كتابه راس
المال عن طبيعة الاحزاب
والقوى ذات البعد الديني وكيف
انها مستعدة ان تتنازل عن
تسعة وتسعين من التعاليم
المسيحية ولكنها لا تستطيع ان
تتنازل عن هكتار واحد من
الارض. واليوم وبعد قرابة
القرنين يصح التحليل الماركسي
على اوضاع الاحزاب البرجوازية
في العراق, وحقيقة اود ان
ارجع الى التاريخ القريب
واستذكر سلوك بعض الاحزاب
المتنفذة والمتصارعة على
السلطة ما بعد الاحتلال
الامريكي، فالجميع يعلم ان
الاحزاب ذات البعد الطائفي
والديني والقومي هي اللاعب
الرئيسي في الوضع السياسي
العراقي، وان تلك الاحزاب اتت
ونشأت على مفاهيم وصبغة دينية
وقومية، ومن تلك المفاهيم
التي تمسكت بها وحاولت ان
تمررها الى المجتمع هي الحجاب
القسري واستخدمت شتى الوسائل
لتمرير موضوع الحجاب، تارة
بالضغط الاخلاقي والترهيب عبر
منظومة الملالي ومواعظهم
الدينية واثارة المشاعر
القبلية والدينية لدى
المجتمع، وتارة عبر المليشيات
وعمليات قتل المئات من النساء
المتحررات وتهجير كل ملامح
التحرر والتمدن بل وصل الامر
الى حلق رؤس الطالبات كونهن
لم يرتدن الحجاب, وكيف اثيرت
النزعة العشائرية والقومية
لدى الكثير من التيارات
الاجتماعية بل وتحفيز قيم
واسماء أكل الدهر عليها وشرب،
واصبحت قصص تروى لاخر رجال
عصر الاقطاع مثل امير عشيرة
دليم وبيت العريبي، وكيف
استندت القوى القومية
العروبية على اعادة تلك
الاسماء والشخصيات ونفض غبار
الزمن عنها، لكي تعطي الشرعية
للاحزاب المستحوذة على
السلطة. حقيقة ان هذه
المعلومات ليست جديدة او غير
معلومة لدى المجتمع ولكن
احاول من خلال عرضها أن
اقارن، كيف غيرت وتنازلت تلك
الاحزاب عن مبادئها ومفاهيمها
تحت ضغط المجتمع المتمدن من
جهة، وللمحافظة على مكاسبها
من جهة أخرى، وحقيقة هذا
التغيير لايكشف سوى الطابع
الراسمالي لتلك الاحزاب وان
كل شيء قابل للتغير الى شيء
واحد، هو المصالح والسيطرة
على الثروات، ولنستعرض ماهي
اهم التغيرات التي حصلت
بمفاهيم تلك الاحزاب والتي
تتعارض حتى مع منطلقاتها
الدينية والقومية، ولناخذ
مثلا الاحزاب ذات البعد
الطائفي الشيعي، فنحن نعلم ان
العديد من تلك الاحزاب تؤمن
وحسب مفاهيمها ان المراة
(عورة) كما يسمى في المصطلح
الديني، وان ظهور وجهها وحتى
اصبعها يعد احد انواع الزنى
كما يقول اغلب المشايخ ورجال
الدين، ولكن نحن نرى الان
شوارع بغداد امتلئت بصور
مرشحة تدعى (فيروز) وهي
لاترتدي حجاب وذات وجه جميل
وملامح حديثة، والغريب ان تلك
السيدة هي مرشحة عن قائمة
دينية متشددة وتظم معظم القوى
التي ارتبطت بقتل النساء
المتحررات في البصرة وبغداد,
وليس هذا الامر فحسب بل تلك
المرشحة علق لها بوستر في
مدينة الثورة وهي ترتدي حجاب،
وما ان تخرج بوابة مدينة
الثورة حتى ترى لها الصور
المنتشرة من دون حجاب، وحقيقة
أن هذا الموضوع لايدل على ان
تلك القوى تراجعت فقط امام
ضغط المجتمع بل يدل على الوعي
البرجوازي لتلك الاحزاب، وكيف
انها تلعب بمشاعر الناس لكي
تؤمن مصالحها فانها بنشرها
صورة لتلك المرشحة بحجاب،
تدلل على مطاطية المفاهيم
الدينية لدى تلك الاحزاب،
وكيف انها مستعدة على ان تغير
وتتنازل عن مفاهيما ولكنها
لاتستطيع ان تتقبل ان لاحصة
لها في الثروات الاجتماعية
والسيطرة عليها، والغريب ان
تلك التغيرات يدعون انها
تغيرات نحو العلمانية، ولكن
في حقيقة الامر ان تلك
التصرفات تدل على استخفاف تلك
الاحزاب بالمجتمع هذا من
جانب، اما من جانب اخر نحن
نرى كيف بدأت تلك الاحزاب
تستخدم التشهير والتسقيط
واثارة الاشاعات بعضها للبعض،
وكيف ان سمعة اقدس رموزها من
الممكن ان تكون ورقة للضغط
على المجتع عبر التشهير وغيره
من الاساليب، التي تدل على لا
مدنية تلك الاحزاب من جهة
وعلى ان اقدس مقدساتها ليس
الدين او الشخص المقدس، وانما
المصلحة والثروة والسيطرة على
الثروة عبر الموسسات
الراسمالية والحكومية. اما من
ناحية الاحزاب ذات الصبغة
المدنية وحتى التي تدعي انها
احزاب يسارية فاننا نرى ان
هجرتها كانت عكس هجرة الاحزاب
الدينية والطائفية من ناحية
تبني المفاهيم، فهناك من ذهب
الى تيارات ومليشيات دينية
وتبنى طروحاتها وشارك في
مناسباتها بل ومجد رموزها، في
محاولة منها لكسب اكبر عدد
ممكن من التأييد والذهاب
لاكبر حصة ممكنة في البرلمان
القادم، وهذا يدلل على ان
هناك شيء مشترك مابين تلك
الاحزاب وانها لاتختلف من
ناحية المنظور الطبقي سوى في
المصطلحات والتسميات، وان
جميع طيورها تهاجر وفق
المصالح البرجوازية ومن
المشتركات التي توكد ان تلك
الاحزاب هي في نفس الخندق
الراسمالي، ايمان جميع تلك
الاحزاب بان الحل في البرلمان
وان السلطة لا تاتي الى من
خلال البرلمان فنحن نرى كيف
تراجعت العديد من المليشيات
واندمجت في العملية السياسية
الحالية، وايضا قوى يسارية
اندمجت وتنازلت عن مفهوما
الطبقي وهو ان البرلمان اداة
البرجوازية لاضفاء الشرعية
على سيطرتها على المجتمع، وفي
الاخير حاولت ان ابين البعد
الطبقي لتلك الاحزاب
المتصارعة ومن خلال توضيح
طبيعة صراعها، نتكشف ان لا
مصلحة لنا نحن العمال في هذا
الصراع وان البرلمان ليس مكان
نستطيع من خلاله تامين
مصالحنا كطبقة ليس في العراق
وحسب، بل حتى في اقدم
الديمقراطيات في العالم وان
الخيار الذي امامنا كعمال، هو
ان ننخرط في اتحادتنا
وتشكيلاتنا الحزبية ودعم
الحركة السياسية العمالية
وتمكين الاحزاب العمالية
وتحقيق الاشتراكية، الخيار
الذي يفوق قدرة البرلمان على
اعادة الخيار الانساني
للانسان.