من مطالب ( الربيع العربي
)
الجماهير لا تريد
الإسلاميين !!
احمد عبد الستار
انطلقت نهاية العام
الماضي وبدايات العام
الجاري احتجاجات جماهيرية
ثورية كبرى في عدة دول
عربية أدت إلى سقوط
دكتاتوريات حاكمة لطالما
استبدت سلطتهم الغاشمة
بالجماهير لمدة عقود
طويلة ممثل الرئيس
التونسي ابن على والرئيس
المصري حسني مبارك
والقذافي , انطلقت هذه
الاحتجاجات بداية من تونس
أشعلتها عقود طويلة من
تردي الأحوال المعيشية
وسوء السلطة وفسادها
والقمع السياسي والتضييق
على الحريات , والحال هذا
في تونس هو نفسه إلى حد
كبير في معظم البلدان
العربية وهو الحال نفسه
في مصر الذي أدى إلى سقوط
مبارك بسبب سوء الأحوال
المعيشية لملايين من عمال
وكادحي مصر , إن تدني
الظروف المعيشية أو الفقر
الشديد أو ما يعرف بمستوى
( دون خط الفقر ) لما
يعادل ثلث سكان البلدان
العربية وبالأخص للبلدان
التي لا يتمتع اقتصادها
بأي مورد من الموارد
الطبيعية مثلما هو الحال
في الدول النفطية , شكل (
تدني الظروف المعيشية )
جوهر الاحتجاجات الثورية
العارمة وهو السبب
الرئيسي لانطلاقة هذا
التيار الجارف الذي لما
يهدأ بعد في كثير من
البلدان العربية وأبرزها
المسيرات المليونية في
سوريا واليمن ضد الأنظمة
الحاكمة في هذين البلدين
مرددة الشعار الشهير (
الشعب يريد إسقاط النظام
) .
والملاحظ , منذ انطلاق
هذه الثورات التي لما
تكتمل بعد لتكتسب معنى
الثورة بالتغيير الجذري
للنظام الاجتماعي القائم
إن الرأسمالية الغربية
, تريد ركوب هذه الموجة
وتحويل وجهتها بغير صالح
ملايين الجماهير ومطالبها
بالتغير الاجتماعي
والسياسي الذي يكفل لها
الاستقرار المعيشي
والحريات السياسية , وهو
السبب الأساس الذي اندلعت
عليه موجات الانتفاضات
القوية في اغلب البلدان
العربية كما ذكرنا ,
والسبب الرئيسي الذي يكمن
وراء التدخل الغربي كما
هو ملموس من النتائج التي
انتهت إليها هذه الثورات
, السبب يكن بالحفاظ على
المصالح الاقتصادية
والسياسية في المنطقة ,
وتأمين مصالح وعلاقات
اقتصادية وسياسية جديدة
كما حصل مع الثورة
الليبية .
يضاف إلى ذلك إن المصالح
الدولية في المنطقة قد
أثرت سلبا على مستقبل
الثورات الجماهيرية
ومطالبها , وأسباب التدخل
الحاد والمباشر لحلف شمال
الأطلسي بالثورة الليبية
, هي غير الأسباب التي
تؤدي إلى السكوت والتردد
بشأن الثورة اليمنية ,
والمصالح بكلتا الدولتين
رغم تباينها هي بالعكس
تماما مع مصالح ومطالب
الملايين في هذين البلدين
, فهذان البلدان قد وقعا
ضحية للنزاعات الدولية
وتصادم المصالح بين الكتل
الرأسمالية الكبرى , فأن
أمريكا ودول الخليج تريد
من التغيير الذي تنشده
الملايين في اليمن , أن
يمر وفق مصالحها
الإستراتيجية في المنطقة
, بحجة محاربة الإرهاب
وفلول القاعدة لازالت
تعمل على بقاء صالح في
الحكم , وتضرب صفحا عن كل
نداءات الجماهير منذ أشهر
عديدة مطالبة صالح
بالرحيل , وتعمل على
إعداد سيناريو التغيير
بما ينسجم ومخططاتها
الذاتية بلامبالاة وبرود
, ولولا التدخل الخارجي
باتجاه سير الثورة
اليمنية لكان قد أطيح
بصالح من قبل الجماهير
وتغير النظام منذ مدة
طويلة كما حصل مع ابن على
تونس ومبارك في مصر ,
ولم تنتظر لما آلت إليه
الأمور حاليا من القمع
المسلح للمحتجين المدنيين
, ونفس البطش الدموي هذا
تقع فريسته الثورة
السورية المستعر أوارها و
المطالبة بإسقاط الأسد ,
فإن الجماهير المحتجة في
سوريا تتعرض يوميا للقتل
على أيدي النظام البعثي
الفاشي , لا لشيء إلا
تصادم مصالح الكتل
الرأسمالية الكبرى في
المنطقة العربية قد سمحت
بذلك , ومر من بينهما نهج
النظام السوري بقمع
المحتجين قمعا دمويا ,
أدى إلى سقوط الآلاف قتلى
وإصابة الآلاف غيرهم ,
يوميا .
الصراع حول مناطق النفوذ
في المنطقة بين أمريكا
وأوربا من جهة وروسيا
والصين من جهة أخرى قد
لعب دورا سلبيا إلى حد
كبير بمصير الثورة
السورية , لقد انتهى
الأمر إلى لجوء روسيا
والصين إلى الفيتو
للحيلولة دون إقرار مجلس
الأمن قرارا يدين فيه
النظام السوري لممارسته
القمع الدموي ضد المحتجين
المناهضين له , وهو الأمر
الذي شجع كثيرا النظام
السوري لتشديد العنف
والقمع ضد المحتجين
السلميين في الآونة
الأخيرة , فأن الصراعات
الدولية والمصالح
المتباينة للكتل
الرأسمالية الكبرى , تقع
نتائجها السلبية مباشرة
على عاتق الجماهير
المتعطشة للتغيير , فأن
سوريا منطقة نفوذ تاريخية
لروسيا وبعدها الصين ,
تريد أمريكا وأوربا
الدخول لهذه المنطقة
وجعلها منقطة نفوذ جديدة
تعيد صياغة أسلوب حياتها
وفق مصالحها الإستراتيجية
الاقتصادية والسياسية ,
عبر قرارات مجلس الأمن (
للحفاظ على حياة المدنين
وإدانة العنف المفرط ) ,
واصطدمت هذه القرارات في
الأمم المتحدة بجدار
الفيتو المشترك لروسيا
والصين , أي بجدار تعارض
المصالح , وليس هناك شيء
يعمل من أجل حفظ حياة
المدنيين السورين وتأييد
مطالبهم الشرعية بالتغيير
, وإذا كان هذا صحيحا
(الحفاظ على المدنيين )
, لكانوا قد تحرك لهم
ساكن بنفس الحمية عن قتل
المدنيين في اليمن
والتضييق والعنف الدموي
ضد المدنيين في البحرين ,
المصالح الاقتصادية
والسياسية للفريقين
المتنازعين في المنطقة
العربية هي فوق كل اعتبار
إنساني وحتى الأيديولوجي
الذي ينادون به
باعتبارها قيم عليا
موضوعة لخدمة الإنسان
وتحفظ كرامته , مثل حقوق
الإنسان ودعم الديمقراطية
ووالخ , النزاع وتصادم
المصالح بين الدول
الرأسمالية الكبرى ما هو
إلا إعادة إنتاج نفس
قوانين الرأسمالية التي
تتحرك وفقها أي وفق مبدأ
إعادة توزيع واقتسام
العالم بينها , تسعى
الدول الغربية سعيا حثيثا
ومنظما للنفوذ داخل
المنطقة عبر ما يسمى
بالشرعية الدولية ,
فالربيع العربي حسب
توصيفهم لموجة الاحتجاجات
العارمة التي تشهدها معظم
البلدان العربية , سمح
لهم بالنفوذ داخلا من
خلال ما أسموه بالشرعية
الدولية , فالجماهير وتحت
ضغط إرهاب حكوماتها ترحب
بأي تدخل يزيح عن كاهلها
عقود من الاستبداد والقمع
الدموي , كالغريق الذي
يتمسك بقشة , تريد الخلاص
بأيدي أيا من كان حتى ولو
كان على يد أمريكا ..
الجماهير والشعوب تريد
التحرر وتحسين مستوى
معيشتها , والرأسمالية
العالمية تريد ضمان
مصالحها , بعيدا عن كل ما
له صلة بحياة الناس
ومطالبهم بعيدا عن مطالب
العمال وملايين العاطلين
والمشردين بلا مساكن
والمشوهين بلا علاج أو
غذاء , تريد الرأسمالية
الحفاظ على هذا الوضع
وجعله أبديا , عندما ثارت
الجماهير المليونية ضد
الاستبداد والفقر خلعت
حكام كانوا ممثلين لعقود
طويلة لسياسة الرأسمال
العالمي ومؤسساته الدولية
مثل صندوق النقد الدولي
والبنك الدولي وغيرها ,
ومن اجل الحفاظ وبقاء نفس
المصالح الاقتصادية
والسياسة نرى إن حكومات
رأس المال الغربية ,
تعمل على زج الإسلاميين
ودفعهم للسلطة بكل وسيلة
ممكنة , والإسلاميون في
البلدان العربية الثائرة
أدركوا هذا المطلب وسعوا
بحمية إليه أيضا , نرى
الإخوان في مصر قد مهدوا
لهم طريق السلطة , وإعلان
كلنتون وزيرة الخارجية
الأمريكية مطلع شهر
أكتوبر (بان أمريكا تؤيد
أي حكومة في مصر حتى لو
كانت إسلامية شرط إنها
تنبذ العنف وتضمن الحريات
) كان بمثابة إيذانا
لإسلاميي مصر للهجوم على
السلطة والاستحواذ عليها
بصرف النظر عن مطالب
الجماهير بنوع الحكومة
وشكل النظام المطلوب ,
وحتى تصريح رئيس المجلس
الانتقالي الليبي مصطفى
عبد الجليل بعدها بيوميين
( بأننا سوف نقيم حكومة
إسلامية تعتمد الوسطية
بعيدا عن أي تطرف يميني
أو يساري ) يعطينا تأكيد
مضاف , بان الإسلاميين
اختيروا كبديل لمرحلة ما
بعد الرؤساء الذين أطيح
بهم , ولا يبتعد عن
الموضوع أيضا إقحام
تركيا نفسها بشكل ملحوظ
في المنطقة , كتسويق
لنموذجها الإسلامي في
الحكم , وحتى وسائل
الإعلام المحلية
والأجنبية تلح في تصويرها
على الإسلاميين كأنهم هم
وحدهم حملة رايات
التغيير, وصيحات الله
اكبر تتردد مع إذاعتهم
لكل خبر .
أمريكا بشكل خاص عن
أقرانها الغربيين ترغب
بحكم إسلامي , وتؤكد
مخططاتها على ذلك بشكل لا
لبس فيه , تريد من
الإسلاميين شريكا لها
بإدارة المنطقة , وفقا
لنظامها الليبرالي الجديد
القديم , الذي قسم العالم
حسب متطلبات اقتصادها .
الإسلاميون كذلك ابدوا
استعدادهم الكامل لتحمل
المسئولية بكل تفان , ولا
عجب بذلك فأن الإسلام
السياسي هو خير حليف
للرأسمالية , كونه
بطبيعته مجرد من كل قيم
مدنية وخالي من كل اعتبار
إنساني , هل هناك شيء في
أجندة الإسلاميين يخص
حقوق العمال والعاطلين عن
العمل أو مساواة المرأة
أو على العموم هل هناك
شيء لديهم بهذه الدرجة أو
تلك تخص حياة المجتمع
الإنساني الواقعية , ما
نراهم إلا يكبرون ويرفعون
المصاحف ويطالبون بإقامة
الحدود , بالوقت الذي
تطالب الجماهير بالخبز
وزيادة الأجور وتأمين
السكن والحريات السياسية
والمدنية .
السلطة بالنسبة
للإسلاميين هي إقامة
الحدود , يعني القمع
المشدد بلا تمييز , يعني
قمع كل تحرك ثوري وتقدمي
سعت وضحت الجماهير من
اجله لا وجود له ضمن
لوائحهم الدينية , و بذلك
ضمانة أكيدة لسيادة رأس
المال .
إن الاعتراض على تردي
الحياة المعيشية وتراجع
العمل وازدياد البطالة
وخنق الحريات , يعني
الوعي بأسبابها , والثورة
عليها وتغييرها , وهل
بالإمكان أن يقوم بذلك
إسلامي أو يساري ,
وعليه حسب متطلبات
الرأسمالية والبرجوازية
العالمية يجب أن يكون
الإسلامي بالسلطة كي يحول
دون أي وعي وأي سعي
للتغير , وهذا بالعكس
تماما مع المطالب التي
نهضت الملايين من أجلها
وحتى الآن تبذل الغالي
والنفيس من تحقيقه وهو
الحلم الذي تنشده
الملايين والملايين في كل
أرجاء العالم , لكنه
الحلم الواقعي والقابل
للتحقيق , عالم بلا
دكتاتوريات وأنظمة فاسدة
وبلا وول ستريت رمز الجشع
الرأسمالي .
المخططات الحالية لإقحام
الإسلاميين بالسلطة
ودفعهم إليها , هو
بالتعارض مع رغبة
الجماهير الثائرة
بالمنطقة , الجماهير تنشد
حياة مرفهة ومؤمنة ,
والرأسمالية العالمية
تريد أن تأتي بالإسلاميين
كجدار أصم يحول دون سير
التطور التاريخي نحو
التحرر من سلطة رأس المال
, والجماهير ( تريد إسقاط
النظام ) كما إنها لا
تريد الإسلاميين .