مشروع الشرق الأوسط الكبير بين الخيال الديمقراطي والنظام العالمي الجديد لأمريكا!

الجزء الثاني

 

 طاهر حسن

 

 

المشروع السياسي بعد الضربة العسكرية!

إننا أكدنا دائما"، أن هدف أمريكا من حرب الخليج الأولى وبعدها حرب أفغانستان ومن ثم انهيار النظام البعثي واستفزازاتها الحالية لسوريا، هي محاولة أمريكية لتشكيل نظام عالمي جديد وتعريفه على أساس ضمان قيادة أمريكية منفردة على العالم الرأسمالي بعد الحرب الباردة. وبعد 11 سبتمبر وجر العالم إلى أتون حرب قطبين عالميين إرهابيين، وفي سبيل نفس الهدف فللمرة الثانية تقوم الإدارة الأمريكية وبالعنجهية العسكرية بإسقاط سلطة في المنطقة تحت أسم الحرب على الإرهاب. ودون شك فإن خطوتها اللاحقة عند ممارستها لأي فعل عسكري منتصر سيدفع مشروعها السياسي نحو الأمام. إن مشروع الشرق الأوسط الكبير، هي انعكاس لتوازن القوى المهزوزة التي أوجدتها الفعل العسكري الأمريكي في المنطقة. وبموجب ذلك المشروع فيجب على كل بلدان المنطقة أن تثب قبولها للدور القيادي الأمريكي، وبمعزل عن ذلك وفي نفس الوقت يجب عليهم، قمع الإسلام السياسي في تلك البلدان التي طالت أيديهم لحد البنتاغون في واشنطن والأبراج في نيويورك والذين يربطون استراتيجية بقائهم حاليا" بإعلان الحرب على أمريكا، وقلع أجنحتهم وأطرافهم من التربية والتعليم وحتى من وسائل الإعلام وغلق أبواب مختلف الهيئات والتكتلات أمامهم. وفي هذه الفعاليات سيفقد، بعض السلطات من الذين كانوا في مرحلة معينة وبحكم أهداف أمريكا في ذلك الحين قد وصلوا إلى السلطة، فلسفة وجودهم. وفي هذه العملية التي تسميها أمريكا بالإصلاح السياسي والإداري، سوف لن تقوم الإدارة الأمريكية كما أكدت عليها مرارا"، بمس خصوصيات ومكونات أي بلد وسوف يأخذون العادات والتقاليد الإسلامية لهذه البلدان، بنظر الاعتبار ويقرون بقدسيتها!. وبما أن المسألة هي على هذه الصورة فإن عملية الإصلاح سوف تشمل فقط تلك المواقع من السلطات في المنطقة، التي من شأنها أن تتوافق مع المصالح الحالية لأمريكا، وليس مع مصالح الجماهير!. وفي عملية الإصلاح الأمريكي هذه سوف يكون المجال مفتوحا" أمام المئات من أمثال برويز مشرف والملك عبداللـه ومحمد السادس والقذافي وآل الأحمد في إمارات الخليج للاحتفاظ بمواقعهم، شرط أن لا يتأخروا في الحصول على ورقة عدم التعرض مثل مشرف والقذافي. أما قضية ماذا ستكون عليه شكل السلطة في تلك البلدان؟، وإلى ماذا ستؤول إليه بربرية أوضاع النساء؟ ومن هو الضيف الدائم للسجون؟، وأية مأساة سيخلقها الدين يوميا" حتى بالنسبة لأبسط حقوق الإنسان؟، فإن أي من تلك المسائل ليست لها أية أهمية وتشكل جزء" من تلك الخصوصيات والمكونات في تلك المجتمعات التي تحترمها أمريكا!. وإن ذلك النموذج الإسلامي والقومي والطائفي الذي فرضته أمريكا على الجماهير المتمدنة في العراق، بإمكانها أن توقظ المتوهمين بالديمقراطية البرلمانية الغربية من أحلامهم!.

إن الواقع الفعلي يتمثل بأن العالم في ظل الحرب لكلا القطبين الإرهابيين، أمريكا والإسلام السياسي ليس فقط غير ممكن أن تستقر، ولا يحرر جماهير تلك البلدان من السلطات القومية والدينية القمعية، بل حتى الديمقراطية الغربية بهيئتها الحالية سوف تخضع للتساؤل والتضييق، وإن الإرهاب وانعدام الأمن يكاد يصبح أكثر الظواهر السياسية والاجتماعية شيوعا" في حياة المجتمع. وعليه كان في القرن المنصرم حدود ميادين الحرب معلوما" وكان الخطر على الحياة لها معناها في جبهات القتال، ولكنه حاليا" من الممكن أن تصبح كل أماكن المعيشة ميدانا" للمعارك، ومن الممكن خلال لحظات أن تصبح، حجرات الطائرات، والقطارات وميترو الأنفاق، والمقاهي، ودور السينما، والأماكن العامة، ميدانا" للحرب. فعمليات الاختطاف، وقطع الرؤوس، وحرق أجساد الضحايا، وتفجير النفس، قد أصبح ابرز سمات هذه الحرب!. في حين أن كل الأشخاص من المسنين والأطفال والنساء والشباب قد سيقوا إلى هذا الحرب ورغما" عن إرادتهم!.

إن العسكرتارية والتكنولوجية العسكرية تعتبران ركنا "أساسيا" في التفكير الاستراتيجي للإدارة الأمريكية لفرض جبروتها وعظمتها على العالم. كما وإن الإعلان عن التكنولوجيا لا تستطيع لوحدها أن تضمن تأثيرها على التقدم الاستراتيجي، دون شك يجب أن تختبر ذلك على الطرف المقابل في مكان معين، لترتعد تلك القوى من الذين يرفضون عظمة وجبروت أمريكا، وإن تلك القوى هي فرنسا وألمانيا والصين وروسيا، وليس الطالبان والبعث وسوريا!. حيث أن هؤلاء يشكلون ضحايا لدور الكومبارس في استعراض أكبر. ليس صعبا" على الإنسان حتى في مجتمع بعيد عن الحرب ومشاهد القتل أن يدرك بأنه في حرب وعنجهية كهذه عدم إمكانية تصور خطط وسياسة هذه القوى.

 

النظام البرلماني الغربي في المنطقة، وهم!

إذا اعتقدنا أسوة" بالمثقفين القوميين الكورد، بأن الأوضاع الخطيرة الحالية التي تمر بها المنطقة، هي نفس التاريخ التي تؤشر، كما يقولون، إلى آلام الولادة الكبيرة للديمقراطية!. لنتوقف قليلا" عند مدى إمكانية ظهور نظام برلماني ديمقراطي غربي مقاس عنوة" بقيافة مشروع الشرق الوسط الأمريكي الكبير، في الواقع الفعلي، عسى أن ندرك هل يمتلك الأرضية المناسبة للانتعاش؟!

منذ ما يقارب من 10 سنوات خلت وأثناء إجابة (منصور حكمت) على مثل نفس السؤال والذي كان: هل من الممكن إقامة نظام برلماني غربي في إيران؟. فأجاب. بأن ظهور نظام برلماني في إيران ليس أكثر غرابة من ظهور سلطة الخميني والملالي التي فرضت على الجماهير المتمدنة والحضارية في إيران بعد سلطة الشاه!، وقال أيضا"، ليس من المهم أن يظهر نظام معين، فمن الممكن في ظل ظروف تاريخية خاصة أن يظهر، بل إن ما هو مهم، هو وقوف ذلك النظام على رجليه واستمراره وإعادة إنتاج ذلك النظام لنفسه على هيئة نظام سياسي ـ اقتصادي رأسمالي!.

يصح بشكل كامل قياس هذه المقولة على العراق وباقي بلدان الشرق الأوسط والبلدان العربية. فإذا كان من المقرر وجود بعض العناصر التي تعمل على عكس ذلك الحكم، بفعل التاريخ الاشتراكي وتاريخ هيكلة النظام الرأسمالي وحدوث الثورة العظيمة سنة (1979) في إيران، فمن الممكن أن تحظى إيران بمثل ذلك الامتياز، ولكن منصور حكمت يرى ذلك غير ممكنا" هناك أيضا".

من المعروف إن النظام البرلماني هو بديل اتجاه معين من البرجوازية لإدارة السلطة الرأسمالية وممارسة أعمال الحكومة في المجتمع الرأسمالي. وهو بمعناه الأوسع وأجنحته المختلفة، تيارا" للبرجوازية الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية. إن لهذا الاتجاه في أوربا جذورا" عميقة في التاريخ تمتد لأكثر من مئة عام وهو يشكل جزء" أصليا" من التاريخ السياسي والاقتصادي للمجتمعات الأوربية وفي نفس الوقت يمتلك العشرات من الأحزاب والشخصيات المحلية والعالمية المعروفة. لا يوجد اتجاه سياسي كهذا في العالم العربي والشرق الأوسط، وهذا لا يعني عدم وجود أي شخص ليبرالي ومطالب بالاشتراكية الديمقراطية ومناصر للنظام البرلماني، بيت القصيد هو حركة سياسية واجتماعية متجذرة داخل الاقتصاد الرأسمالي لهذه البلدان تقف خلفها تاريخ من السلطة الرأسمالية وقيامها بإنتاج العشرات من الأحزاب والشخصيات الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية. إن سبب عدم وجود مثل هذا الميل السياسي يعود إلى الأسس الاقتصادية للرأسمالية في هذه البلدان. إن هذه البلدان هي بلدان متخلفة من الناحية الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية، ولهذا فإن نمو وتراكم رأس المال يستندان على قوة العمل الرخيصة وساعات العمل الطويلة، بمعنى آخر تدور عجلة التراكم الرأسمالي في هذه البلدان ضمن موازين قوة العمل الرخيص وسكوت العمال. ويتطلب إسكات العمال القمع السياسي، وانتهاك الحرية السياسية وحق الإضراب والتنظيم، ويتطلب أيضا" الشرطة ورجال الدين والرجعية وإبقاء النساء في وضع الأسر، ويتطلب التفرقة والمؤسسات القمعية والسجون. ولهذا فإن النضال حتى من أجل أبسط الحقوق الاقتصادية في هذه البلدان سيتحول خلال لحظات إلى مقابلات دموية وإلى رفع شعار إسقاط مثل هذه الأنظمة. إن التاريخ المعاصر لهذه البلدان يجسد تاريخ ثلاثة حركات سياسية واجتماعية، وهم: القوموية، الإسلام السياسي، اليسار والشيوعية. وكل تلك القوى كانت موجودة دائما" في العراق وبلدان الشرق الأوسط، وتمتد إلى إحدى هذه الحركات، فإن رباط أحمد الجلبي ونزع جراوية البارزاني أحيانا" وعمامة الحكيم وخيمته وعكال آل السعود لا يمكن مقارنتها بأولف بالمة وشيراك وشرودر!. وبكلمة واحدة إن البناء الفوقي السياسي قائم على البناء التحتي الاقتصادي في تلك البلدان ويسير وفق قوة السلاح ومشاهد القتل، فإن أقل انفراج في الأجواء السياسية وأقل حد من الإصلاح في البنية السياسية لهذه البلدان يعني انهيار هذه الأنظمة على يد الجماهير. وعندما يقول الإدارة الأمريكية إننا سوف لن نمس خصوصيات ومكونات هذه البلدان فأنهم يقصدون ذلك ، ولهذا فإن نشوء الديمقراطية الغربية في الشرق الأوسط ليس لها القدرة بالوقوف على رجليها وإعادة إنتاج نفسه، وهو محض وهم. وعليه ففي هذه البلدان من الممكن فقط إما إقامة، الاشتراكية بصفتها نظام سياسي واقتصادي واجتماعي مختلف، والتي تلغى فيها كل الأسس الاقتصادية للنظام الرأسمالي ولا يبقى فيها أي عامل لبقاء الرجعية، أو نظام أسود رأسمالي مثل الأنظمة الحالية في المنطقة.

 

الإسلام والقوموية العربية والقضية الفلسطينية!

لقد تحدثت فيما سبق بصورة مختصرة بأن جماهير الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص، على الرغم من أنهم يعيشون في أغنى زاوية من العالم، إلا أنهم ودون مبالغة يعتبرون من أكثر الناس حرمانا" في كل ميادين الحياة على وجه هذا الأرض!. لقد جعلوا الصفة الشرقية في الثقافة الأوربية والأمريكية السائدة، أسما" لصورة البشر بغية تعريفهم في هذه المنطقة على أنهم بشر من الدرجة الثانية!. وعليه هل حقا" أن هؤلاء الناس متخلفون؟ وهل أن جماهير هذه المنطقة هم فعليا" مسلمون ويحتل الإسلام في حياتهم الاجتماعية وفي شخصيتهم موقعا" ملموسا"؟!. وهل أن عبودية ودونية النساء غريزة بنيوية عند جماهير هذه المجتمعات؟!. وهل حقا" أن سلطات هذه البلدان ليس لها أية صلة مع مطالب الجماهير؟!. لماذا يمتلك، أخطر السلطات القمعية والدموية، أكبر الميزانيات المالية؟!. لماذا تم إيقاف هذه البلدان على حاشية العالم المتمدن والحضارة الإنسانية في هذا العصر ؟!.

إن الواقع التاريخي لنصف قرن خلت في الشرق الأوسط والعالم العربي، يجيب بالنفي على كل تلك الأسئلة، لأنه كان الاتجاه الشيوعي والاشتراكي والحرية والمساواة الإنسانية أقوى حركة اجتماعية في عقود منتصف القرن المنصرم، وفي نفس الوقت كانت القومية العربية عنصرا" أصليا" إلا أنها بقيت عاجزة" عن الإجابة على المنازعات والمسائل الحياتية للمجتمع الرأسمالي في العقود السابقة بسبب الحضور السياسي والاجتماعي القوي للشيوعية والاشتراكية في الميدان!. ولم تكن من باب الصدفة عندما جلبوا حركة الإخوان المسلمين على حافة المجتمع المصري لتتنازع على السلطة وتنتشر بسرعة مذهلة في المنطقة، بل أن جلب الإسلام السياسي كانت بمثابة حزام أمني حول السلطة الرأسمالية بمساندة أمريكا والغرب عندما تعرضت تلك السلطة لخطر الشيوعية. من دون شك إن هذه المنازعات السياسية والاجتماعية لا يجوز أن تسير من دون ترك انعكاسات على كل ميادين حياة الجماهير. إن المظاهرات والاضرابات العظيمة لعمال النفط، ومداخلة النساء في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع، والملابس الغير سافرة للنساء والشباب، وارتياد دور السينما والمسرح والنوادي ليلا"، والحفلات الغنائية والشعر والأدب والفن، كل ذلك كان من مكونات مجتمعات العالم العربي والشرق الأوسط وجزء" أصليا" من التاريخ المعاصر لهذه المجتمعات، على عكس كل تلك الأعراف والعادات والتقاليد والقوانين الإسلامية، وجهود الذين ناضلوا منذ عدة عقود لجعلها هوية" لتعريف جماهير هذه المجتمعات. وعندما كان أبواب لبنان وبيروت والأسكندرية وبغداد وطهران مفتوحا" أمام السياح، لم يفكر أحد من مواطني بلدان الشرق الأوسط والبلدان العربية للذهاب إلى أوربا لغرض السياحة؟! في حين كان بعض البلدان، مثل تونس والمغرب والجزائر الذي أصبحت الآن مهدا" لنمو الإرهاب الإسلامي، جزء" مباشرا" من أوربا ولم تكن أية صلة تربطهم بالإسلام والإسلاموية.

إن القضية الفلسطينية وإبقاء معيشة، ملايين البشر في العالم العربي والمنطقة، دون خط الفقر، يشكلان تاريخيا" ورمين سرطانيتين وسخين، يتعشعش فيهما مكروب الإسلام السياسي منذ عدة عقود ويساعداه على الاستمرار في البقاء. إن أكثر من نصف سكان العالم العربي لا يتجاوز دخلهم اليومي عن دولارين!. إن شيوع حالة الجوع والضيق الاقتصادي لجماهير المنطقة، تعتبر أوسع أرضية يتورط من جرائها آلاف الشباب للوقوع في مصيدة الإرهاب الإسلامي. إن عجز القوموية العربية في الإجابة على هذين النزاعين وتنامي الشيوعية في أواسط القرن المنصرم  من إحدى الجوانب، ووصول الإسلام، بمساندة ودعم أمريكا والغرب، إلى السلطة في إيران من الجانب الآخر، فسح المجال أمام الإسلام السياسي لينمو في هذه الأطرف ويلجوا إلى داخل موازين الصراعات حول السلطة، وبلغ التيار الإسلامي حدا" من النمو والنفوذ أرغم معها القوموية العربية الحاكمة لتخضع تحت ضغط شديد إلى درجة إرغامها لتنعطف نحو الإسلام بشكل واسع!.

فمن دون إجابة عادلة على قضيتي فلسطين والعراق من إحدى الجوانب ورفع مستوى معيشة الفرد في العالم العربي والمنطقة من جانب آخر، لا يمكن التريث لانتظار أن يتحرر الفكر والوعي الإنساني من سموم القوموية والإسلام السياسي. وهذا بدوره مرهون بتقوية حركة راديكالية وطليعية للشيوعية العمالية، وحضورها في الميدان على هيئة بديل سياسي واجتماعي خارج إطار صراعات أمريكا والإسلام السياسي لينتزع أفق الاعتراض الجماهير المحرومة في المنطقة من يد الإسلام السياسي والقوموية، وليعالج ذلك الورم السرطاني بتشكيل دولة فلسطينية مستقلة من خلال تنظيم عملية استفتاء حرة للجماهير.

للمقالة تتمة