دخول الجيش التركي الى كردستان والحرب الامريكية وجهان لعملة واحدة!       

           

عبدالله صالح

 

ركوب موجة الظلم والاضطهاد القومي وبناء سياسة شوفينية على اساسها، كان من ابرز مرتكزات الاحزاب القومية الكردية التي توالت على الظهور في كردستان برمتها خلال القرن الماضي ولحد الآن، فالظلم القومي الذي مورس ولايزال بشراسة ضد الاكراد من قبل الحكومات المتعاقبة على السلطة في الدول التي تقع كردستان ضمنها، وفي غياب حركة الشيوعية العمالية في حقبة من ذلك القرن، خلق جوا مشحونا من الاحقاد والبغضاء القومية التي استغلتها تلك الاحزاب لتجعل منها سياسة شوفينية لتعبئة الجماهير واستخدامها في تنفيذ مصالحها. اليوم وفي ظل الوضع المتفجر في العراق وكردستان، تبادر هذه الاحزاب مرة اخرى الى استخدام نفس الاسلوب لتعبئةجماهير كردستان بهذه السياسة اللاانسانية وجعلها درعا يحميها ويحمي مصالحها وثروتها غير الشرعية التي نهبتها جراء استحواذها بالسلطة. هذه الاحزاب لم تكن تبالي بآمال وطموحات الجماهير قيد شعرة طوال حكمها، فهي التي دفعت بالمجتمع في كردستان الى حروب داخلية راح ضحيتها الآلاف، وهي التي تعاونت وساومت مع الحكومات الرجعية في المنطقة بغية ابقاء اتون حربها الداخلية مشتعلة، وهي التي فسحت المجال للحركات الرجعية الاسلامية كي تصول وتجول في كردستان، وهي التي خلقت اوضاعا اقتصادية في كردستان يجني من خلالها الطفيليون من مسؤوليها، والذين هم جزء من البرجوازية الكردية، ثروات لم يكونوا ليحلموا بها مقابل اوضاع الفقر والبطالة والعوز للغالبية العظمى من الجماهير، وهي التي ساهمت في جعل كردستان مخيما يفتقر سكانه الى هوية المواطنة ويحرمون من أبسط حقوقهم مما دفع بالملايين منهم الى تعريض حياتهم لاكبر المخاطر نتيجة الهرب من كردستان، وهي التي نعتت الدكتاتور صدام حسين بصفات لم يكن يتخلها هو نفسه، وهي التي سايرت سياسات امريكا وعقدت عليها الآمال واخيرا وليس آخرا هي التي كانت طليعة قوات دول المنطقة في دخولها الى كردستان كايران وتركيا والحكومة الفاشية في بغداد، كل ذلك والجماهير في كردستان مهمشة بعيدة عن صنع القرار والتدخل لتقرير مصيرها، واقفة تنتظر ما تأتي به هذه الاحزاب.

اليوم وفي خضم اشتداد الاوضاع تفاقما واثر تعرض هذه الاحزاب الى خطر يهدد وجودها كسلطة، وكيانها كاحزاب قومية ربما ينتهى دورها فتضطر الى ترك الميدان لتلجأ الحركة القومية الكردية الى اعادة صياغة احزاب سياسية اخرى بديلة، تبادر الى استخدام نفس الاسلوب السابق في شحن الاجواء بالاحقاد القومية والروح الشوفينية بغية مواجهة دخول الجيش التركي الى كردستان. ومن المؤسف حقا ان نرى من يسمون انفسهم بمثقفيين من الاكراد ينجرون وراء هذه السياسة ويصبحون ادواتا لتنفيذها وبذلك يصطفون مع اكثر السياسات رجعية في العالم ويقفون بالضد من الملايين من الاحرار، غير مدركيين بان هذه السياسة ستدفع بهم لاحقا ليصبحوا من جملة ضحايا السياسات الامريكية، ترى لو كان ناظم حكمت حيا ماذا سيكون موقفه من الحرب ومن هؤلاء المثقفيين؟ انه سؤال نترك جوابه للمثقفين القوميين الاكراد انفسهم.

 ربما يصح القول الآن بأن  التاريخ يعيد نفسه، أو ما أشبه اليوم بالبارحة، فتجربة الانجرار وراء سياسات امريكا من خلال شاه ايران بداية السبعينات من القرن الماضي، والتي مرت بها الحركة القومية الكردية في العراق تحت سلطة ونفوذ الحزب الدمقراطي الكردستاني، وما آلت اليه من انتكاسة اصابت تلك الحركة وبالتالي جماهير كردستان، لا زالت ماثلة امامنا. اذاً ما الذي تغير؟ فأمريكا هي نفسها وتركيا هي تركيا كما كان الشاه.

ان ما تقوم به هذه الاحزاب في الوقت الحالي من اثارة الاحقاد القومية بوجه تدخل الجيش التركي في كردستان لا يخدم مصالح الجماهير، فمقاومة وادانة هذا التدخل تأتي ضمن ادانة سياسات امريكا والوقوف بوجهها لا بمعزل عنها لانهما وجهان لعملة واحدة، لا يمكن الوقوف ضد تدخل الجيش التركي وتأييد الحرب الامريكية ضد جماهير العراق ومن ضمنها كردستان، انه التناقض الذي تريد هذه الاحزاب دفع الجماهير نحوه. هذه الاحزاب ادارت ضهرها الى آراء اكثر من 80% من مواطني تركيا الرافضين للحرب وحتى البرلمان التركي المسير من الاسلامين والقوميين رفض، في أول تصويت له، انتشار القوات الامريكية في اراضيها، رغم محاولة قادتها، وبنفس نهج الاحزاب القومية الكردية، في اضهار الخطر الذي سيهدد " المصلحة الوطنية لتركيا" جراء هذا الموقف.

ان التحالف التاريخي بين الحكومة الامريكية والحكومة التركية باعتباره تحالفا مصيريا كما هو شأن التحالف مع اسرائيل، لا يدع أي مجال للشك بان امريكا سوف لن تضع الاحزاب القومية الكردية جنبا الى جنب مع تركيا في التعامل اللاحق، وان الجماهير في كردستان سوف تدفع، شانها شان جماهير العراق، ضريبة هذه السياسات الداعمة لامريكا وتأييد حربها بحجة تجريد النظام من اسلحة الدمار الشاما واسقاط النظام البعثي .

اليوم وجماهير العراق وكردستان على شفى حرب مدمرة وتغييرات لاحقة تصاحب هذه الحرب، يستوجب عليها ان تمعن النظر بدقة وتراجع حساباتها، خصوصا بعد ان سقطت بعض الاقنعة وظهرت بعض الحقائق في السياسات الامريكية، وتنظم الى صفوف الملايين من احرار العالم وفي مقدمتهم حركة الشيوعية العمالية لايقاف طبول الحرب وحسم مسألة اسقاط النظام البعثي المجرم من قبل الجماهير نفسها وخلق اجواء حرة يمكن لها ان تختار بديلها للحكم الآتي في العراق.