عبد الله صالح
بالقبض على صدام حسين، تكون آخر صفحة من صفحات النظام البعثي قد طويت، ويكون الكابوس القابع على رؤوس العراقيين لأكثر من ثلاثة عقود قد أزيل.
عاش القوميون العرب من كل شاكلة ولون وفي شتى أرجاء العالم العربي، بالإضافة إلى مؤيدي صدام داخل العراق، دون شك، لحظات حزن لا توصف. فمنهم من ذرف الدموع ومنهم من راوده الشك في حقيقة كون المشاهد هي لصدام ليقنع نفسه بعدم صحة الخبر، وما إلى ذلك من تأويلات توحي بمجملها بأن الخط المليتانتي* ، الذي كان يقوده صدام حسين داخل الحركة القومية العربية قد أثبت فشله وأصبح الآن أثراً من الماضي.
والصورة التي ظهر بها صدام حسين على شاشات التلفزيون تظهر بوضوح لكل من كان يعقد الأمل على عودته إلى دفة الحكم، بأن آمالهم قد خابت، ومن كان لا يزال ينتابه الخوف من عودته ثانية، بأنه ولى إلى غير رجعة. من حق الجماهير أن تفرح وتبتهج ومن حقنا أن نشاركها في هذه الفرحة بنهاية عهد الطاغية إلا إننا لا بد أن نسلط الضوء على بعض الجوانب من مسيرة ترسيخ ذلك العهد الدموي.
فالقوميون الكرد ، وكعادتهم، انتهزوا هذه الفرصة لإيهام الجماهير بسياساتهم الحالية. فالاتحاد الوطني الكردستاني ورئيسه جلال الطالباني، كان أول من هرول إلى بغداد بعد فشل انتفاضة عام 1991 ، والهجرة المليونية، ولا زالت صورته ماثلة للأذهان عندما قبل وجنتي صدام حسين وقال في تصريحاته الصحفية آنذاك بأن _ صدام حسين الحكم وليس الخصم _ وها هو رئيس وزراءه يعلن عن ثلاثة أيام كعطلة رسمية، ابتهاجا بمناسبة القبض على صدام.
أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد تموضعت قواته في طليعة القوات الحكومية التي دخلت أربيل يوم 31-8- 1996وانتزعت المدينة من قبضة غريمه الاتحاد الوطني الكردستاني وسلمها لهم.
أما الحزب الشيوعي العراقي فكانت أهازيجه وفرحته لا توصف وبدا من على شاشات الفضائيات مبتهجاً بهذه المناسبة ناسيا بأنه كان من المساهمين في تثبيت ركائز ودعائم السلطة البعثية حين شارك في السبعينات في _ الجبهة الوطنية القومية التقدمية _ وشارك المجرم صدام حسين في حكومته ضارباً عرض الحائط كل أماني وتطلعات الجماهير بالخلاص من النظام البعثي.
كانت الانتهازية وتضليل الجماهير، دوماً، سياسة واضحة لهذه الأحزاب التي تساهم اليوم في مجلس الحكم الذي فرضته أمريكا بعد احتلالها للعراق، وتحاول عبر نفس السياسة تبييض صفحات ماضيها من جهة، والمساهمة في تثبيت حكومة مناقضة لارادة الجماهير من جهة اخرى.
اليوم وقد أصبح النظام البعثي والدكتاتور السابق صدام حسين من مخلفات الماضي، فأن على جماهير العراق أن تدرك بأن هذه السياسة الانتهازية التي انتهجتها هذه الأحزاب مع النظام البائد هي نفسها التي تمارسها اليوم مع الاحتلال الأمريكي وتسير على النهج ذاته وتحاول من خلاله فرض حكماً، اسلامياً كان أم قومياً، على جماهير العراق يغاير الحكم السابق في الشكل فقط ولكنه يشبهه في المحتوى.
الخطوة التالية لمسلسل سقوط النظام ستكتمل بمحاكمة صدام حسين. إلا أن تصريحات بوش وبلير ورامسفلد توحي كلها بان المحاكمة ستكون في محاكم تشرف عليها أمريكا وحلفاءها، وهو ما سيخفي جرائم أمريكا وحلفاءها في الكشف عن المساعدات التي قدمت لصدام حسين في صنع أسلحته التدميرية. إن ما تطالب به الجماهير اليوم هو إحالة هذا المجرم والمجرمين الآخرين إلى محاكم علنية جماهيرية تبث على الهواء إلى جميع أنحاء العالم، محاكم يحق فيها للمدان أن يدافع عن نفسه بحيث تصبح هذه المحاكم نموذجاً يقتدى به في محاكمة مرتكبي المجازر بحق البشرية من جهة، ولتكون رسالة واضحة إلى كل الأنظمة الدكتاتورية بان حكم الشعب سيطبق عليها، عاجلا أم آجلاً.
_________________________________________
* مليتانتي: من الانكليزية بمعنى المقاتل او الصِدامي.