الاسلاميون وخيبة أمل الناخب التركي!
عبدا لله صالح
" ضرورة التمسك بالمصلحة الوطنية " بهذه العبارة خاطب رجب طيب اردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية، ذو النزعة الإسلامية في تركيا والذي يحضى حزبه بأغلبية ساحقة في البرلمان التركي، أعضاء البرلمان من كتلة حزبه محرضا إياهم على القبول بالتعاون مع أمريكا في حربها المحتملة على جماهير العراق.
فوز هذا الحزب في الانتخابات الأخيرة وبأغلبية كبيرة، جاء، دون شك، من جراء وهم الناخب في تركيا بهذا الحزب الاسلامي وعقد الأمال على وعوده الزاعمة بان المجتمع سيسير نحو انتهاج خط أخر وسينتهج الحزب سياسات اقتصادية واجتماعية ودولية مغايرة لأسلافه، إلا إن الوقت لم يمضي كثيرا حتى ثَبت للعالم، وقبل ذلك للناخبين الأتراك، بأنه لا يختلف جوهرا ومضمونا عن الأحزاب التي سبقته في السلطة، وان اختلف شكلياً. فنفس "المصلحة الوطنية" التي يتحدث عنها اردوغان كانت إحدى أهم المحاور الأساسية لجميع الأحزاب التي توالت على الحكم في تركيا، وهي تحديدا الموقف من الظلم القومي الواقع لعقود على الأكراد الذين يقطنون جنوب شرق تركيا وإبقاء هذا الظلم وهضم حقوقهم والتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية.
المؤسسة العسكرية في تركيا والتي تعتبر السلطة الحقيقية هناك، وكذلك الأحزاب القومية والإسلامية وضعت القضية الكردية الآن كمحور أساسي في تعاملها مع مستجدات الحرب الأمريكية المرتقبة على العراق، وهو ما جعل كل هذه الأحزاب تجتمع تحت مضلة " المصلحة الوطنية التركية". لقد ضن هؤلاء بان الحركة الاعتراضية للجماهير في كردستان تركيا ضد هذا التعسف تتمثل في عبدا لله أوجلان وحزبه، وإنها ستختفي بالقبض عليه وإحالته السجن أو بالتنا زلات التي قدمها حزبه للحكومة التركية بتغيير اسمه والتخلي عن المواجهات العسكرية، إلا أن الحقائق على ارض الواقع أثبتت خلاف ذلك، فطالما بقي ظلم، أي شكل من أشكال الظلم، بقت المقاومة، وما استعداد الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا للتعاون مع أمريكا سوى دليل على بقاء نفس تلك الأوضاع السابقة، فها هي تسعى من اجل عدم إفساح المجال لأمريكا كي تعتمد على الأحزاب القومية الكردية الحاكمة في كردستان العراق خشية أن يؤدي هذا التعاون إلى نشوء دولة كردية هناك أو نشوء سلطة لا مركزية حتى.
إذا كان سبب مشاركة تركيا في الحرب يعود أساسا إلى المخاوف من الأضرار التي ستلحق بـ" المصلحة الوطنية " جراء تمتع الأكراد بنوع من الاستقلال في كردستان العراق، وهو ما يؤثر على المشاعر القومية في كردستان تركيا، فان هذا الحزب سوف يجد مبررات مشابهة للتنصل من جميع وعوده التي طرحها من خلال برنامجه الانتخابي، عندها ستذهب جميع وعود الإسلاميين الاخرى بالتغيير وبالوقوف ضد الحرب الأمريكية وانتهاج سياسات مغايرة لسياسات الأسلاف ادراج الرياح.
إن الناخب التركي الذي أصيب بخيبة أمل كبيرة جراء اعتماده على وعود هذا الحزب الإسلامي السياسية والاقتصادية، سوف يدرك بان الأحزاب الرسمية الموجودة في تركيا إسلامية كانت أو قومية، ليبرالية كانت أو ادعت اليسارية، ليست سوى أوجه مختلفة لمضمون واحد وهو الحفاظ على المصالح الرأسمالية وإرضاء صندوق النقد الدولي على حساب حياة المحرومين والبقاء ضمن حلف شمال الأطلسي واستمرار التعاون مع إسرائيل و.... وسوف يدرك كذلك بان الطريق الأمثل للخلاص من هذه الأوضاع يكمن في التخلي عن هذه الأحزاب والتحالف مع الحركة العمالية المتنامية والنضال من اجل إقامة مجتمع تسود فيه المساواة والحرية للجميع في ظل حكومة علمانية حقيقية كحد أدنى.