انها القومية... وليس لوث
عقل اندريس بريفيك!
(حول المجزرة الارهابية
المروعة في النرويج)
فارس
محمود
لقد صعق العالم قاطبة وهو
يشاهد اثار المجزرة
البشرية التي ارتكبت يوم
الجمعة المنصرم (22 تموز)
في مدينة اوسلو وجزيرة
اويوتا. مجزرة راح ضحيتها
اناس ابرياء، شباب في
جزيرة قتلوا في لحظة من
لحظات الاستجمام، اغلبهم
بملابس العوم والاسترخاء،
راح يتصديهم الواحد تلو
الاخر. وسبق هذا عمل
ارهابي تفجيري قرب مقر
رئيسة الوزراء النرويجية.
راح ضحية هذه المجزرة
الدموية المرعبة مايقارب
80 شخص.
ان هذا الحدث يضع البشرية
مرة اخرى امام وضع ماسوف
عليه الى ابعد الحدود،
وضع لايد ولاحيلة لها
عليه حتى الان للاسف.
"لوثة عقلية" ام ماذا؟
مع حدوث المجزرة، انهالت
تقارير واحاديث كثيرة
تتحفنا بها وسائل الاعلام
العالمية، متسائلة وباحثة
بتامل فارغ: "هل ان
اندريس بريفيك مصاب بلوثة
عقلية؟"، "ماهو الوضع
النفسي للقاتل؟" والخ.
ان هذه الاسئلة، وبهذا
الشكل، وسواء بصورة واعية
او غير واعية، تهدف الى
حرف الانظار عن الحقيقة،
عن المجرم الحقيقي. ان
الجريمة سياسية صرف،
باهداف ودوافع سياسية
صريحة. اذ يتحدث القاتل
بصريح العبارة عن ان
"عمله مقزز ولكن ضروري"
(!!) وانه كان ينوي بهذا
الفعل توجيه رسالة
احتجاجية للاحزاب
الحاكمة الليبرالية بالكف
عن التسامح مع اللاجئين
والدفاع عن قيم اوربا
المسيحية والوقوف بوجه
الماركسية وكل الاطراف
التي تدافع عن مساواة
البشر وحرية اختيار السكن
و"النرويج لكل ساكن فيها"
والخ، وبوجه الاسلاميين.
ان ربط هذا الحدث بـ"لوثة
عقلية" عند اندريس بريفيك
يهدف الى ذر الرماد في
العيون وايهام البشرية
بان مسبب هذا الحدث هو
امر غير النظام الراسمالي
وافرازاته واوضاعه
واغترابه. انه تبرئه
النظام الاقتصادي
والاجتماعي والسياسي
القائم، واحاله الامر الى
مجرد لوثة عقل احد تنتهي
بسجنه او حتى اعدامه! ان
هذا هو التبليد
والاستسهال المغرض الذي
تصيغه دوائر الطبقات
الحاكمة لتبرئة نظامها
المقلوب. ان الاساس
والمرتكز السياسي والفكري
والاجتماعي الذي يعود له
الحدث هو القومية
والتصورات والعقائد
والافكار القومية
الشوفينية التي تشاع
يوميا بالاف الاشكال
والاشكال وتشوه الوعي
السياسي والفكري
والاجتماعي للبشر ورؤيته
لهذا العالم.
ان الافكار القومية،
ووليدتها القومية
المتشددة والمتطرفة، هي
احد النتاجات السياسية
والفكرية للراسمالية في
عالمنا المعاصر. نتاج
يستند الى تقسيم البشر
استناداً الى مكان تولدهم
ولغتهم ودينهم واثنيتهم
وغير ذلك، وتخلق من هذه
التقسيمات عوالم
وكانتونات مستقلة، منفصلة
عن بعض ومناوئة ومتصارعة
بشكل دموي بعض الاحيان.
نتاج يناهض السمة
الانسانية للبشر، نتاج
لايرى ان مايوحد البشر،
رغم الاختلافات الجزئية
هنا وهناك، هو انسانية
الانسان.
ان ماقام به بريفيك هو
رفض لممارسات الحزب
الحاكم وتهاونه تجاه غير
النرويجيين وتساهله معهم.
انه نقد لقومية السلطة
الحاكمة، ولكن من زاوية
قومية متشددة، اي نقد
قومي متشدد لقومية
معتدلة. بيد ان الاولى هي
"تفريخ" للثانية وشكل اخر
لنفس المحتوى والماهية
الفكرية. اي نقد لسياسات
"النسبية الثقافية"
للاحزاب الحاكمة التي
روجت ودعمت ماديا ومعنويا
"الثقافات الخاصة"
الدينية والقومية
المتخلفة والمعادية
لانسانية الانسان. سياسة
"النسبية الثقافية" ذات
الوجه الجميل شكلاً
والمحتوى القبيح غير
الانساني وتقسيم البشر
على اسس قومية ودينية
واثنية. انها سياسة تعميق
الهوة والفصل بين
اللاجئين ومواطني البلد
واقامة عالمين او عدة
عوالم اثنية في البلد تحت
اسم جذاب ومغري ظاهرياً
وسم عمليا، "احترام
الثقافات"!
تنامي اليمين العنصري!
نعم، انه حدث يبعث على
الاستغراب والدهشة، واصاب
البشرية بذهول بالغ. ولكن
ان اتيت الى واقع الحال.
لم يكن، وليس هذا الحدث
امرا غير متوقعاً في
اوربا المعاصرة. فاذا ما
اخذنا بنظر الاعتبار
الخلفية التاريخية للعنف
العنصري في اوربا الغربية
على امتداد عقود مديدة،
يمكن ادراك هذه الحادثة
وفهم جذورها.
صحيح ان النرويج بلد
مسالم، بلد لم يشهد اعمال
عنف ملفتة للانتباه على
الاقل، (ولهذا ليس غريباً
ان يطلق على هذا الحدث
اعنف حدث في النرويج منذ
الحرب العالمية الثانية)،
بيد انه لاينبغي ان ننسى
ان النرويج، وحالها حال
الكثيرين من دول اوربا،
تشهد تصاعد اليمين بشكل
غير مسبوق، وبالاخص في
السنوات الاخيرة. ان هذا
التيار ليس بمحلي، انه
تيار موجود وينشط في
اوربا سواء عبر الفعاليات
والنشاطات في المجتمع او
عبر البرلمان نفسه.
اذ اننا نشهد في النرويج
صعود قوي لليمين، ورافع
راية هذا اليمين القومي
العنصري هو "حزب التقدم"
الذي كان بريفيك من
اعضائه للفترة من 1999
الى 2007، بدرجة بحيث ظهر
اقوى الاحزاب في الدورة
الانتخابية البرلمانية
الاخيرة محققاً اكثر من
20% من اصوات الناخبين
النرويجيين، ويعد اليوم
احد الاحزاب القوية في
المجتمع. وان المحور
الاساسي لحركته
الانتخابية هو الوقوف
بوجه المهاجرين
واللاجئين.
ان اساس تنامي اليمين في
اوربا لايمكن فصله عن
الازمة الاقتصادية
الخانقة التي تمسك بخناق
الراسمالية العالمية. هذه
الازمة التي نراها ترسم
ملامح المجتمع ومعالمه من
جديد في كل زاوية من
زوايا الحياة تقريباً. ان
الازمات "مفرخ" رئيسي
للتيارات اليمينية
والشوفينية سواء الدينية
او القومية. انها مثل
صعود النازية في المانيا،
اذ تعكزاً واستناداً
للازمة الاقتصادية التي
كانت ترسف باوربا، برزت
تيارات مثل النازية
والفاشية وغيرها وانتشرت
بين ليلة وضحاها في اقسام
واسعة من اوربا بوجه كل
نازع تحرري وعمالي ورفاهي
ومساواتي. وفي اوربا
اليوم، تبرز التيارات
الدينية والقومية بوصفها
تيارات مليتانت تنشد حل
جذري وباساليب عدائية
وعنفية لم يالفها المرء
في اوربا المعاصرة في
الاوضاع السياسية غير
المتازمة بهذا الشكل وهذه
الدرجة من الحدة والسفور.
وفي العالم العربي، يظهر
بشكل ارهاب تيارات
الاسلام السياسي مثل بن
لادن والقاعدة وطالبان
وغيرها.
ان دلل هذا الحدث على
شيء، فانه يدلل على ان
الطرف الذي قرر اليمين
المتشدد هذه المرة
مقارعته هو ليست هذه
المجموعة من اللاجئين او
ذلك الحي من المهاجرين،
بل السلطة الحاكمة ورموز
السلطة نفسها. انه ارتقاء
بدرجة ونوعية المجابهة.
ان هذا امر مفهوم. انها
ترى اليوم نفسها في مكانة
اعلى واقوى، ولهذا تنازل
اطراف اقوى في المجتمع،
اطراف صاحبة قرار وسلطة
و... الخ.
ان البرجوازية دوما تبقي
ورقة الدين حية بيديها
وذلك لانها اكثر الادوات
نجاعة وفعالة في فرض
التراجع الجدي والسريع
والعنفي على المجتمع.
مخاطر جدية
مثلما ذكرت لايمكن النظر
الى هذا الحادث بشكل
فردي. ان من يقوم بذلك
يرتكب خطأ جدي فادح. اذ
لايمكن فصل تصاعد اليمين
المتشدد في النرويج عن
مجمل السياق العالمي
والاوربي. اذ ان صعود
اليمين المتشدد، حامل
راية العنصرية والتمييز
والبغض الاثني، نراه الان
يعم فرنسا، المانيا،
ايطاليا، بريطانيا،
بلجيكا، هولندا، السويد
والكثير غيرها من بلدان
اوربا. وعليه، تتنامى
الان الاعمال العنفية
الشرسة بالضرورة مع هذا
التصعيد. ان هذا العمل
يغري طيف واسع من الشباب
في اوربا بتكرار هذا
العمل الاجرامي وانتقاله
الى بلدان اخرى، وبالاخص
اذا ما اخذنا بنظر
الاعتبار الصلة الوثيقة
بين هذه الجماعات في
اوربا.
ولهذا، فان احد النتائج
المباشرة لاوضاع مثل هذه،
اذا ما اضفنا الى ذلك
ارهاب تيار الاسلام
السياسي، هو تصاعد
الاجواء النظامية
والبوليسية والتجسسية
والاعمال العنفية مما
يضيق كثيرا على الحريات
والحقوق المدنية
والسياسية التي تعد من
اهم مكتسبات المجتمعات
لعقود مديدة. سيفرض تراجع
جدي بهذا الصدد على
المجتمعات. واول الخاسرين
من هذه الاجواء هم
الشيوعيين، التحررين،
دعاة المساواة، الطبقة
العاملة والمراة.
ستعمق هذه الاوضاع
والاجواء من السموم
القومية والدينية
والاثنية وتخلق ارضية
خصبة للرجعية بشتى
اشكالها وللتراجع المعنوي
والمادي على صعيد
المجتمعات، ويقوي من
النزعات الرجعية المقابلة
من جهة اخرى، وبالاخص
تيارات الاسلام السياسي
وسيزودها بمادة صراع مهمة
وجدية، صراع تحتاجه لفرض
مكانتها ونيل حصة اكبر من
السلطة والثروة والقرار
في المجتمعات.
ماينبغي عمله
الكل يسلط الضوء على
ضرورة مراقبة ومتابعة هذه
الجماعات المتطرفة والتي
غضت اجهزة الشرطة والامن
النظر عنها ولم توليها اي
اهتمام يذكر.
(وبالمناسبة، لو ان هذه
الاجهزة خصصت جزء صغير
جدا من الجهد الذي انفقته
على متابعة والتجسس على
الشيوعيين وقادة النقابات
ومناهضي الحرب وتبادل
وتعميم المعلومات عنهم
على صعيد دولي بوصفهم
"خطر" لاستطاعوا لجم
الكثير من اعمال مثل هذه
وفرضوا درجة من التراجع
عليها). ولكن رغم هذا ليس
الحل البوليسي هو الحل.
ان هذه القضية لاتجابه
بالشرطة فقط، بل بعملية
سياسية- اجتماعية.
ان فرض التراجع على
اليمين يبدء من الخلاص من
اثار الازمة الاقتصادية.
اي من احالة اعباء هذه
الازمة لا على كاهل
العمال، المحرومين، اصحاب
الدخل المحدود وغيرهم، بل
على الراسماليين انفسهم.
انها ازمتهم، فليدفعوا هم
ثمنها. ان الارتقاء
بالاوضاع المعيشية
والامان الاقتصادي
للجماهير هو خطوة ضرورية
لاغنى عنها. ان المرتكز
الاجتماعي لهذه التيارات
هو القوى المذكورة ذاتها،
عاطلي ومحرومي المجتمع.
ان شن نضال فكري وسياسي
واجتماعي ضد القومية
والنزعات القومية من
الاساس بكل صيغها
المعتدلة والمتطرفة، وفرض
تراجع سياسي جدي على
احزاب مثل حزب "التقدم"
العنصري في النرويج، وفضح
سياسات التمييز والعنصرية
من مثل النسبية الثقافية،
وتاكيد الدول على
المعايير الانسانية
والعلمانية والمتقدمة
وعدم التراجع امام اي ضغط
سياسي للجماعات العرقية
والقومية والدينية وعدم
مساومتهم والزامهم
بالحقوق العالمية
والشاملة للانسان،
والتصدي الجدي لها على
جميع الاصعدة، وفي
مقدمتها التمويل المالي،
هي من بين هذه الاجراءات
التي توفر الارضية
لاستئصال الارهاب بكل
اشكاله.