الشيوعية
تعني الحياة...
(موجز لابحاث ندوات مع
تنظيمات الحزب في عدة مدن في
العراق)
فارس محمود
.... ان مفتاح فهمنا للتنظيم
ينطلق من الاجابة على سؤال
اكثر جذرية: لماذا نحن
شيوعيون؟! لماذا انخرطنا في
هذا الحزب؟! مالذي ننشده من
ذلك؟ مالذي ننشده من ربط
الليل بالنهار في الدفاع عن
الشيوعية وعن ماركس وحكمت؟ ان
فلسفة وجودنا هي تغيير حياة
الناس قبل اي شيء اخر على اي
صعيد كان. نقل حال المجتمع من
وضع الى وضع اخر اكثر انسانية
واشراق. ان الشيوعية التي
لاتغير حياة الناس، او على
الاقل لاتسير وفق هذه الجهة،
ليست بشيوعية من الاساس.
شيوعيتنا لاتستهدف سبر اغوار
التاريخ، اعطاء تصور مادي
للتاريخ او فهمه. ليست شيوعية
من اجل "تاميم النفط" او
"التحرر القومي" او "تصنيع
البلد" او غير ذلك... انها
شيوعية تغيير حياة الناس.
من المؤكد ان تغيير حياة
الناس هو امر لايتم في
الهواء، حياة الناس في مكان
محدد وزمان محدد، سواء اكان
على صعيد محلة، منطقة، معمل،
منتدى، محافظة، دولة، سواء
اكان تغييراً معينا طفيفاُ ام
تغيير جذري وعميق لكل
البشرية. ولهذا فانها شيوعية
مرتبطة بمكان معين ومحدد.
مرتبطة بنضال في مكان ما، ترك
تاثير على مكان ما: على بيت
وعائلة، على اقارب واصدقاء،
على معمل ومصنع، على حي او
زقاق او... او على الصعيد
العالمي. ولهذا فان مسالة
المكان مسالة محورية في العمل
الشيوعي. يجب ان يشعر اناس
المكان المعني ان في هذا
المكان اناس شيوعيون، ولهذا
اوضاع المدنية افضل، الحقوق
والحريات اوسع، الامان اكبر،
الانسانية اعمق. فان تحقق شيء
من هذا في اي حيز ممكن مهما
صغر، فان الجميع يعرف ان
هذا بفضل وجود اناس شيوعيون،
وان هذا نتيجة مباشرة
لوجودهم، وان كل هذه المنجزات
الاجتماعية والانسانية ستكون
كلها تحت طائلة السؤال
بغيابهم. وعليه، فان
الشيوعية التي لاتترك تاثير
مادي ملموس على حياة الناس هي
ليست شيوعية، وليست شيوعيتنا.
ولهذا فان لم نترك تاثير ما
يعني ان شيوعية منصور حكمت
والشيوعية التي ننشدها وحزبها
السياسي لم يتم تمثيلها
اصلاً حتى لوكان لدينا
الف عضو تنظيمي في المحلة
الفلانية، حتى لو وزعنا عشرات
الالاف من جرائدنا اسبوعيا.
وذلك لسبب بسيط الا وهو يجب
ان تتحول والتنظيمات والجرائد
الحزب وسائر فعالياته اجمالاً
الى قوى بشرية وامكانيات
مالية، والا فانها ليست هدف
بحد ذاته. اذ ليس توزيع
الجرائد مهنة بالنسبة لنا،
ولاتنظيم الحركات الاحتجاجية.
انها نشاطات من اجل ان تجعلنا
اقوى واكثر اقتداراً. اذ ان
القوة والاقتدار تعبير مادي
وملموس وان معيارنا للتقدم
امر يمكن قياسه. يجب ان
يعيد الرفاق النظر بهذا النوع
من الشيوعية.
لاطرح نموذجاً اكثر قربا.
لنرى الاسلاميين مثلاً. لننظر
اذا حل اسلامي الى محلتنا،
وماذا على الشيوعي ان يقوم به
في محلته. فبعد ايام قلال على
مجيء الاسلامي، ستجده قد جمع
من حوله 3-4 اشخاص للذهاب
للجامع، ضغط بكل الاشكال
الممكنة لاقناع اب فتاة ما
على ضرورة ارتداء ابنته
للحجاب، تدخل في حياة شباب
المحلة، شن هجوم على المظاهر
المدنية والتحررية في محلته
الجديدة، دفع اناس ما على
اطلاق اللحية، او حلاقة
الشوارب او تقصير دشداشته،
عمم اشكال التحايا الدينية
والاسلامية وابعد التحايا غير
الدينية عن حياتهم، ازداد
الفصل الجنسي بين الذكور
والاناث، خلق واشاع مرجعيات
اخرى غير المرجعيات القانونية
مثل الملالي، السادة ورجالات
الدين، روج للاسلام والافكار
الاسلامية والتيارات
الاسلامية والخ من مظاهر
اجتماعية وسياسية. واجمالاً،
طبع المجتمع بطابعه المعادي
للانسان وحريته ورفاهه.
السؤال المطروح امامنا جميعاً
ماذا عمل او يعمل اي منا؟!
ماذا يعمل في محلته او مدرسته
او مصنعه او منتداه
الثقافي؟... يجب ان تشعر
الفتاة في محلتنا انها اكثر
حرية من المحلات الاخرى وذلك
لاشاعة الشيوعيين حدود من
القيم والاخلاقيات المهمة لها
ولحريتها وسعادتها. هل يشعر
الشاب باحترام طاقاته وتفكيره
وانسانيته؟ هل يشعر الكاتب
بان المحضورات على كتاباته قد
اصبحت اقل؟ هل يستطيع الرسام
والنحات ان يكون اقل قلقا حين
تتناول فرشته او انامله جسد
الانسان؟ هل يشعر الاسلاميون
ان اياديهم اقصر على التطاول
على حياة الناس ورغباتها وذلك
بفضل وجود الشيوعيين؟ يجب ان
يكون هذا هو حال المناطق التي
يتواجد بها الشيوعيون.
ان شيوعيتنا هي شيوعية تنظيم
مقاومة الناس بوجه شتى اشكال
الظلم والاستغلال وسلب حق
الخيار من الانسان من اصغر
حيز ممكن الى اكبره. تنظيم
مقاومة العمال بوجه ارباب
العمال، النساء بوجه فرض
الحجاب الاجباري والتطاول على
حقهن في الملبس والعلاقات
العامة والخاصة، الطلاب بوجه
القيم البالية للتعليم، في
الناصرية فرضت درجات من
العقوبات للعلاقة بين الطلاب
والطالبات: مثلا الفصل من
الجامعة 3 ايام للطالبة التي
تقف مع طالب، والفصل من
الكلية والخ. في سامراء وصلاح
الدين، على شيوعيينا تنظيم
مقاومة المعلمين وسائر
المجتمع ومنظمي الناس للوقوف
بوجه القرارات التعسفية بطرد
المعلمة التي ترتدي بنطال!!!
ودون شك، السعي الجاد والدؤوب
لاقناع الناس بالاصطفاف في
خندق المقاومة هذا، وابطال
هذه القرارات التعسفية... هذا
في حالات تنظيم المقاومة، اما
في حالات "الهجوم" وانتزاع
المكاسب وفرض الحقوق،
المطالبة بتوفير الخدمات
كالماء والكهرباء او تحسين
ظروف المعيشة والعمل، يصح
الامر ذاته ايضا.
ومن المؤكد ان اهم قنوات
للتاثير هو التحول الى شخصيات
اجتماعية معتبرة ومؤثرة
وكلامها مسموع على اي صعيد
كان، او ان نكسب مثل هذه
الشخصيات الينا والى صفنا
الاجتماعي وقضية الناس
الملحة. اذ ان هذه هي اقوى
واقرب عتلات تغيير حياة
الناس، حيث يصعب التغيير او
يستحيل بدون اناس مثل هؤلاء.
للاسف ان مثل هذه الشخصيات
تكثر في صفوف غير صفنا الان.
يجب جذبهم الى صفنا، جذبهم من
زاوية قضيتنا ومسالتنا
الاجتماعية وليست من زاوية
ايديولوجية او فكرية او
حزبية. من المؤكد اننا نسعى
لجذبهم لصفنا الحزبي، ولكن
يجب ان يكون هذا وفق ممارسة
اجتماعية حية وسلسة. يجب ان
تقتنع الناس ان هدف الشيوعية
هي تغيير حياة الناس وليست
جماعة حزبية ذات اهداف ليس
لها صلة بحاجات الناس
وتطلعاتها وامانيها. يجب ان
تقتنع الناس ان ليس للشيوعية
اجندة غير اجندة تحقيق رفاه
الانسان بكل ابعاد هذه
الكلمة. وكي نكسب الناس، يجب
ان نقنعهم ليس من زاوية
حقانيتنا الايدلوجية
والعقائدية (ان هذا المعيار
ليس له قيمة كبيرة في حياة
الانسان)، بل من زاوية
التعبير الدقيق عن مصالح
الناس وحاجاتهم.
يجب ان يشعر الانسان انه اصبح
اقوى واوعى واوضح الرؤية مع
انضمامه للحزب. ان سؤال يطرح
نفسه: لماذا لاينضم الناس
الينا بشكل كبير اليوم؟! لو
نعيد السؤال من زاوية اخرى،
برايي، يوضح المسالة لنا
اكثر. لماذا ينظم الناس
الينا؟! ماهي الحكمة التي
يجدها الانسان العادي فينا
بحيث تغريه الانضمام الينا؟!
ثمة احزاب كثر وجمعيات كثر
وقوائم انتخابية كثيرة، لماا
من بين كل هذه، يشيح بوجهه
عنهم ويقول ان هذا ما اتعقبه،
وما انوي الانخراط في صفوفه؟!
واذا ما انضم للحزب مالذي
يدفعه للبقاء فيه؟! وماهو
الامر الذي يجعله يضيف التزام
اخر في وقت يرسف
بالالتزامات؟!!! ان كل هذه هي
اسئلة جدية حتى نفهم متى واين
ولماذا ينضم الناس الى الحزب،
ولماذا يناضلون في صفوفه.
الانسان بطبيعته كائن مادي
و"مصلحي" (بالمعنى غير السلبي
للكلمة)، اي ان مصلحته في امر
ما هو مايجعله ان يلجأ اليه.
واذا لم يجد في انخراطه في
مكان ما مصلحة مادية معينة،
لايقترب اليه من الاساس. اذ
لماذا يقترب؟! اذا لم يرى في
الحزب اداة لتحسين اوضاعه،
اذا لم يجد في الحزب اداة
لوضع اياديه بيد الاخرين،
يوحدهم، ينظمهم، يرسم لهم
سبيل النضال (سبيل تغيير
احوالهم وواقعهم نحو الافضل)
في محلة، معمل، جامعة، اي
مكان للتجمع الانساني، لن
يلتجأ اليه، ولن يبقى في
صفوفه في حالة انضمامه اليه.
اي اذا كان العمل الشيوعي
لايصب ولايؤدي الى احساس
العامل بان الانضمام للحزب
يكشف له اساس مصائبه وويلاته
واضطهاده، اذا لايوضح الرؤية
له حول كيف يجابه اصحاب
العمل، الرد على اساليبهم
الملتوية وكشف خداعهم، ويبرز
نقاط قوة العمال واساليب
نضالهم، يوحد صفوفهم وينظمها
ويعضدها، ويوفر الادوات
لانتشال العمال من فرقتهم
وتشتتهم وبعثرتهم واوهامهم
الضارة، عندها مالذي يغريه
فيه؟! لاشيء. الشيء ذاته يحدث
على صعيد المحلة. ان لم يغدوا
العمل الشيوعي والحزب الشيوعي
العمالي اداة لتوحيد الناس
وحشد قواهم من اجل ان يفرضوا
على مجلس البلدية نظافة
المحلة وينضموا ضغطهم على
المجلس ويواصلوه، او التحرك
من اجل ازاحة العضو الفلاني
في مجلس المحافظة الذي ينهب
ويسلب من اموال المحلة
وخدماتها، او الدفاع عن
الطالبة الفلانية في جامعة
الناصرية التي فصلت لاسباب
تتعلق بالحجاب، وينضموا
الطالبات والطلاب بان هذا
اجحاف وظلم ويقنعوا الاخرين
بان نصال هذه التطاولات ستكون
موجهة لهم غدا تحت اسباب
ومبررات اخرى، فانه سيكون عمل
لاربط له بحياة الناس، ولن
يغري الناس للانخراط في
صفوفه. الناس لاتاتي للحزب
لان نظريات ماركس عميقة،
انسانية والخ. قد ياتي جمع ما
لاسباب مثل هذه. ولكن هذا
الجمع لايتعدى قلة! اما
الاغلبية الساحقة، فلا.
من هذه الزاوية، فان الشيوعية
قبل ان تعني ايديولوجيا
وافكار وعقائد، تعني الحياة.
تعني السعي الانساني من اجل
تغيير الاوضاع. ومن هنا لا
ارى ثمة شيء اجمل من العمل
الشيوعي، اجمل من السعي من
اجل وضع اليد باليد من اجل
صياغة واقع اخر واعادة الخيار
للاتسان. وعليه، طالما انها
تعني ذلك، فان العمل الشيوعي
لايضيف اي التزامات اضافية
على احد، بل يمده بالقوة
والرؤية. ذلك ان موضوع نشاطه
هو الامر الواقعي نفسه الذي
يعيش فيه. رفاقه اناس مثله
يشتركون بالهم ذاته ويبحثون
عن الخلاص مثله. وطالما ان
الذي جنبك هو امر مهم في
تحقيق هذا الخلاص، فانه يتمتع
باهمية بالغة بالنسبة لك
وللعمل الشيوعي اجمالاً.
ولايعد التفريط به امراً
سهلاً. في ساحة الحرب، اي
امرء يتمتع بذرة من الحصافة
يكون على استعداد للتفريط
بمحارب جاء طوعاً لصد الهجمة
والانتصار، محارب حضر الميدان
من اجل خيري وخيرك؟ّ! ولهذا
على النقيض من اجواء اليسار،
ليست ثمة ارضية للمماحكات
الشخصية والصراعات التافهة
والصغائر وهو الامر الذي يغط
فيه اليسار. لماذا؟! لا لشيء
الا لان اجندة اليسار لا
تتعلق بامر مادي حياتي يمس
معيشته وحياة اطفاله، يمس هم
اخر ونزوع اخر. ولهذا ليس ثمة
اسهل من التفريط برفيقك، ليس
ثمة اسهل من عقد المؤمرات من
اجل ابعاد فلان وتقريب علان.
لان مايحرك الامور والحافز
لها هو انتصارات اخرى لاربط
لها بالانتصار الذي ينشده
ماركس ولينين والحزب الشيوعي
العمالي. وعليه، تتخذ الجلسات
طابع اجمل واكثر حميمية
واهداف حياتية ملموسة ذات صلة
مباشرة بهمومهم ومعاناتهم
وامانيهم وتطلعاتهم. جلسات
لامكان فيها للحذلقات
والمماحكات اللفظية
والاستعراضية. بوسع الانسان
العادي ان يشارك فيها وان
يكون له دور، ولايشعر
بالاغتراب الملازم لجلسات
اليسار التقليدي الذي ليس له
صلة بقضية اجتماعية حية.
لاانوي اعطاء صورة مثالية
وخيالية عن التنظيم الشيوعي
والعلاقات الشيوعية، ولكن
تنظيم تكون هذه سمة عامة له
وملموسة اجمالاً.
ولهذا دون السير والعمل وفق
هذه المحاور، سيبتعد العمل
الشيوعي كثيرا عن الاهداف
التي ننشدها، وسيفقدنا لحمتنا
وصلتنا بالمجتمع الذي هو اساس
ونبض العمل الشيوعي، ونتحول
الى اناس محبين ودعاة لماركس
والشيوعيية ومنصور حكمت،
نتحول الى اشبه بفرقة دعائية
من حزب سياسي يهدف الى ارساء
مجتمع اشتراكي يستند الى دور
وارادة وتدخل الطبقة العاملة
والجماهير المحرومة والكادحة
في المجتمع.