"ما أثمـن صوتك".. شعار مرائي!

فارس محمود

 

تتحفك وسائل الاعلام المرئية والمسموعة بدعايات تصور اناس في اوضاع مختلفة: فلاح، شيخ عشيرة، رجل دين امام جامع، قس او كاهن، امراة ريفية متعبة، طالب، طفلة، فتاة محجبة وغيرها تتحدث عن ضرورة المشاركة في الانتخابات. البعض منهم يتحدث عن "صوتوا للحرية!"، "صوتوا لمستقبل اطفالنا"، "لاتنسى التصويت لعز العراق"، "صوتك يعني التصويت للمساواة"، "صوت لمستقبل واعد!"، " بصوتك تبني العراق" و"ما اثمن صوتك!" وغيرها. ان السؤال المطروح هنا هل في هذا الربط والصلة بين الازدهار والانتخابات حد من الواقعية او الحقيقة؟! هل ان "ثمار الخير" هي لازمة الانتخابات؟! هل ان اساس المصائب والويلات الراهنة هو غياب حكومة منتخبة؟!  ان الجواب على ذلك هو كلا اطلاقاً.  ليس بوسع احد ان يدلنا لماذا هذه الانتخابات سوف تعني لجماهير العراق الرفاه والحرية والسعادة بحيث على جماهير العراق ككل بنسائه واطفاله وكبار السن والطلبة والشبيبة والفلاح والعامل ان ترقص لهذا اليوم الموعود! لم يعطي اي احد ضماناً على ان اجراء الانتخابات يعني انتهاء الاحتلال وخروج القوات الامريكية التي ستتذرع  بضرورة تثبيت الحكومة المنتخبة وامن العراق لبقائها. لم يعطي احد ما ضماناً بان اجراء الانتخابات يعني عدم بقاء الزرقاوي والعشرات من منظمات وعصابات الاسلام السياسي المتكاثرة يوميا كالفطر والتي ستجد في الاحتلال ووجود الاجنبي ذريعة لادامة جرائمها وارهابها في العراق.

 

 انتخابات كثيرة جرت وتجري يوميا في اركان العالم المختلفة، في الهند، تركيا، بل وحتى ايطاليا واسبانيا واستراليا على سبيل المثال افضل بكثير من هذه التي تجري في العراق، وليس ثمة اي حديث عن تحسن اوضاع العمال، العاطلين، النساء، الطلبة وغيرها في هذه البلدان!! لماذا ما لم يقم في تلك البلدان يقام في العراق؟!!  ليس ثمة اية صلة بين هاتين القضيتين، اي الانتخابات والحرية والمساواة. ان هذا الربط هو مفتعل ومضلل ومغرض هدفه ايهام الجماهير. يسعى اصحابه، من اشاعة هذا التصوير، الى دفع الجماهير نحو المشاركة في هذه المهزلة. ان دعاة هذا الايحاء هم اؤلئك الذي لهم مصلحة معروفة ومحددة من الانتخابات. انهم يسعون لجعل الجماهير ضحية اهدافهم السياسية التي لاتمت باي صله باماني وامال واهداف المواطن في العراق.

 

ليس هدف هذه الانتخابات سوى اضفاء الشرعية على السلطة السياسية المقبلة واضفاء الشرعية على تجذير وتاصيل قيم القومية، الدين، الطائفة، العشيرة وغيرها من القيم والاحاسيس الغارقة في معاداة الانسان وروح المواطنة. انها انتخابات من اجل تثبيت مسار الدفع بالمجتمع نحو الوراء، تثبيت الهجمة على العلمانية والمدنية وحق المواطنة. بدء هذا المسار من اختيار علم الدولة المقترح بهلاله الاسلامي ورموزه القومية الذي اركنوه جانبا جراء ضغط واستياء الجماهير وقانون 137 الاسلامي المشؤوم المناهض للمراة الذي احبطته قوى المجتمع التحررية. ان نفس الاطراف التي لها يد الطولى في هذه الانتخابات هي التي طرحت هذه القوانين وصاغت ملامح العلم الموعود للعراق. ان اول نتيجة مباشرة لهذه الحكومة المنتخبة هو سن دستور يسلب مكتسبات جدية كبيرة حققتها الجماهير والمجتمع طيلة عقود من النضال واول هذه المكاسب تحجيم قيم الاسلام والعشيرة والطائفة من الدستور. ان اعادة هذه القيم البالية لاتعكس حاجات جماهير العراق المتطلعة للرفاه، الحرية ومستقبل افضل، بل انها ضرورية لتثبيت اركان سلطتهم ولتثبيت القيم التي هي اساس مجيئهم وبقائهم في المجتمع. اذا لم يسعوا لابقاء الطائفية، عندها لن يبقى الصدر ولا الحكيم والضاري. اذا لم يسعوا لابقاء العشائرية، لن ياتي الياور وامثاله للسطة. ان في ادامة هذه الهويات "خير" لبقائهم.

 

 ان "ما اثمن صوتك" هو في الواقع "ما ابخس صوتك"! ليس بوسع كل امرء حصيف ان يقتنع بان صوت  انسان ما مهما وثميناً بيد انه يداس على هذا الانسان يوميا بالاف الاشكال وفي كل زاوية من زوايا حياته. ان كان الانسان بخس القيمة، كيف يكون صوته ثميناً؟! انه ثمينا لهم وليس للانسان نفسه ولا لاطفاله ولا لمستقبل مجتمعه.  ان دليل ذلك معلوم للجميع. ليس في هذه الانتخابات اي اثر لقرار الجماهير الحر والواعي في تحديد مصيرها. لا تبغي الاحزاب السياسية الداعية للانتخابات سوى سلب الشرعية من الجماهير في تحديد مصيرها السياسي. لا تسعى سوى للحكم باسمهم وبالضد من ارادتهم. تقمعهم، تجوعهم، تضطهدهم، تسلبهم حقوقهم كل ذلك باسم "التمثيل" الذي تنتزعه منهم. تبغي ارسال الجماهير كافراد مهمشين وغير واعين. ان ما يبغوه منهم هو العملية الميكانيكية بـ"الادلاء بالصوت" لحزب او جماعة من بين الجماعات ليس معروف برنامجها ولا يعلم احد في افضل الاحوال كم تتقيد به وكم هي ملزمة به. ليس هدفهم من هذه العملية الانسان. ان الانسان تنتفي قيمته ومكانته ودوره بعد ثوان من الادلاء بصوته. يرمى مرة اخرى مهمش، مقموع، مستلب و"دائخ بامور دنياه"! يجب وضع حد لهذه المهزلة. يجب وضع حد لعملية الضحك على ذقون الجماهير. يجب ان تحبط الجماهير هذا المسعى الذي لايهدف الا الى خلق الوهم عند الجماهير وتشويش ذهنيتها وابعادها عن الحل والسبيل الواقعي للخلاص من اوضاعها، اوضاع السيناريو الاسود الذي تمثل اغلب الاطراف الرئيسية الداعية للانتخابات والمشاركة فيه اطراف اساسية في خلق هذا السيناريو المظلم.