مؤتمر حرية العراق ومهامنا في الخارج!*

فارس محمود

 

رفاق.. مثلما اكدنا بالامس، وكما ورد في البيان الختامي للبلينوم 19 للجنة المركزية وقرار البلينوم حول الاوضاع السياسية في العراق، فان توجه البلينوم وجهته السياسية هي مؤتمر حرية العراق وتقويته بوصفه جواب الحزب على هذه الاوضاع.

اشرنا امس الى جملة من القضايا الخاصة بالاوضاع السياسية للعراق: اوضاع الاحتلال، الحكومة القرقوزية الحاكمة في بغداد، الاسلام السياسي بتياريه الشيعي والسني، ولهذا لا اكررها هنا. ولكن ارى من الضرورة التركيز على نقطة محورية برايي.

لقد انقضى اقل من عامين على تاسيس المؤتمر. اذا كان المؤتمر قد تمتع بضرورة كبيرة خلال تلك العامين المنصرمين، فانه اليوم اصبح ضرورة ملحة وعاجلة وفورية ولاتقبل التاخير ولا الابطاء. اذ اذا اردنا ان يكون لنا كلام ما تجاه الاوضاع السياسية الراهنة في المجتمع، وتجاه مجمل المعادلات السياسية في العراق والمنطقة، فان هذا الامر مرهون بدور المؤتمر اليوم وتحوله الى منظمة ذات يد طولى في المسارات السياسية للمجتمع.

ان المجتمع امام منعطف، وفي الحقيقة منعطف حاسم ومهم. اذ من جهة، لاقت سياسات امريكا فشل ذريع في العراق، وتواجة مجمل مخططاتها عوائق جدية. ان نتيجة السيناريو المظلم الذي استهتلته امريكا بشن حربها على العراق وصراع قطبي الارهاب (امريكا-الاسلام السياسي) هو فشل امريكا الكبير. من جهة اخرى، ان فشل امريكا لم ياتي على يد قوى التمدن والتحرر والمساواة في المجتمع او على صعيد العالم، بل تم على ايدي اكثر القوى معاداة للتمدن والتحرر والمساواة، قوى الاسلام السياسي.

اننا امام وضعية يتم فيها استبدال وتحول السيناريو المظلم الى سيناريو اشد قتامة. وعليه، اذا اردنا الحيلولة دون انزلاق المجتمع نحو سيناريو اكثر عتمة وظلام، على مؤتمر حرية العراق ان يختم هذه المرحلة بختمه. اذا نفكر ببقاء المجتمع كمجتمع متعارف وعادي تكون فيه للجماهير ارادة ما ودور ما ومستقبل، فان هذا الامر مرهون فقط بترك مؤتمر حرية العراق بصماته على هذه التحولات التاريخية.

وعليه اكد البلينوم 19 على ان المرحلة تقتضي حشد اكبر مايمكن من قوى وامكانيات الحزب، من ناشطيه وفعاليه وكوادره من اجل تحقيق الاهداف المنشودة من المؤتمر. ان الحزب عازم، واكثر من اي وقت مضى، على الدفع بنشاط المؤتمر وتخصيص الكوادر اللازمة لذلك.

قبل ان انتقل لثنايا البحث، اود ان اؤكد على نقطة مهمة برايي. الا وهي الاثار العملية والنتائج المباشرة للانتصار والهزيمة.

اثار النصر والهزيمة:

رفاق لو ان هذه المرحلة قد ختمت بختم مؤتمر حرية العراق، لن تقتصر اثار هذا النصر على اوضاع جماهير العراق (اي انهاء السيناريو المظلم واعادة المدنية للمجتمع واعادة الخيار للانسان في العراق) ولا على اوضاع المنطقة فحسب، بل على العالم كله، سيقصر من تطاول امريكا وعنجهيتها وغطرستها الدموية على العالم، سيفرض التراجع على سياساتها ومشاريعها على الصعيد العالمي، سيعيد الارادة للبشرية جمعاء، هذه الارادة التي تمحق بالدم والعنف، سيعطي البشرية تجربة مهمة وغنية الا وهي بامكان ان يكون للبشر القول الفصل فيما يخص مصيرهم ومستقبلهم. كما سيكون تحقيق النصر والظفر امراً ممكناً، امر قد جُرِبَ من قبل. ولهذا فان اي بقعة من العالم سيتعرض اناسها الى نفس الوضع او باشكال اخرى، ستعلم ان هناك سبيل ما وتجربة ما قد خبرتها الجماهير في العراق وقد حققت النصر.

اما لو اختتمت هذه المرحلة بختم غير ختمنا، لو انتصر احد قطبي الارهاب (وهو الامر القائم الان للاسف)، لوبقينا على هامش التحولات ستفرض تراجعات جدية خطيرة على حياة البشر. ستطول اياديهم، سيكشروا عن انيابهم اكثر، سيجعلوا السيناريوهات المظلمة امر عادي في حياة المجتمعات. سيدفع بالبشرية قرون وقرون للوراء. سيكون العالم اكثر تعاسة ولا انسانية. سيهزم الانسان وكل القيم والامال والتطلعات الانسانية ومجمل المكاسب التي حققتها البشرية طيلة عقود من نضالها الباسل. سيضيق الخناق على التحرر والمساواة.

وعليه، فان هذا الصراع، رغم ان العراق الميدان المباشر له، الا انه صراع عالمي وذا ابعاد عالمية. اذا كانت ساحة الحرب هي العراق قان نتيجتها وعواقبها ستؤثر على كل زاوية من حياة البشر.

لو انتصر الاسلام السياسي، ستتغير امور كثيرة ليست في صالح البشر. سيتم التطاول على ما هو مسلمات في حياة البشر. سيتم فرض تراجع جدي على حرية الراي والتعبير في قلب اوربا والعالم، سيفرض التراجع على المدنية، الحقوق الفردية، الحريات، ستطرأ تغييرات جدية على المناهج التعليمية، حقوق المراة والاطفال... على كل شيء لا في بلدان متل العراق والاردن والمغرب، بل في قلب اوربا. وهو الامر الذي نراه يوميا مع تصاعد حضور الاسلام السياسي.

اما لو انتصرت امريكا، فسيتم فرض تراجعات (وان تكن من نمط اخر). ستستشري النزعات العسكرتاريا والحروب والغطرسة، سيتم سحق كل صوت داعي للعدالة والتحرر، سيداس على كل القيم الداعية للامان والسعادة.

ان المنتصر في هذا الصراع سينتصر في العالم وليس في العراق فقط.

فاذا اردنا انقاذ جماهير العراق من اوضاع الاحتلال، العنف الطائفي، الفساد المستشري، من عصابات القتل والجريمة المنظمة، اذا اردنا اعادة الكرامة الانسانية للانسان، امانه، حريته، اذا اردنا انقاذ البشرية من عواقب هذه الاوضاع، فليس امامنا سوى ان نمضي نحو النصر. وانها لمهمة شاقة فعلاً ولكن لا مناص منها. لم يترك الاخرون سبيل للمجتمع ولنا غير ذلك.

 

الخارج ميدان لاغنى عنه للمؤتمر

البشرية، واقسامها الطليعية، رغم كل توهماتها وتشوشها الفكري والسياسي والعملي، تدرك هذه الحقيقة جيداً. وعليه، فان مؤتمر حرية العراق لايبدء في الخارج من فراغ. انه يبدء اعماله وهناك جبهة مليونية عظيمة بالاخص في البلدان الصناعية المتقدمة بالامكان الالتحام بها وتسليحها بافق سياسي وعملي شفاف والدفع بقضية تحرر المجتمع في العراق من مجمل هذه الوضعية واولها الاحتلال الى الامام. يبدء عمله من التعاطق الانساني العميق للبشرية مع المصير الذي ال اليه المجتمع في العراق، جبهة انسانية ساخطة على الاحتلال، على العسكرتاريا والحروب، على الدفع بمجتمع مدني ومتقدم عقود للوراء، على تراجع مكانة المراة، على هيمنة كابوس الطائفية وعصابات القتل الطائفية. ولهذا فانها غير مستعدة على القبول بهذه الوضعية، ناهيك عن  الرضوخ اليها.

وعليه، اذا كانت احد اقدام مؤتمر حرية العراق في البصرة وبغداد والموصل والرمادي، فان قدمه الاخرى في لندن وباريس وامريكا وايطاليا وسائر دول العالم. الخارج ميدان لاغنى عنه للمؤتمر. ليس ثمة مؤتمر بدون خارج. من الممكن ان لايكون لحزب شيوعي عمالي تنظيم للخارج. اذ انه ليس اول حزب شيوعي عمالي ليس لديه تنظيم في الخارج، ولكنه لايصح بالنسبة لمؤتمر حرية العراق. الخارج امر ماهوي وعضوي لا فكاك منه بالنسبة للمؤتمر..

رفاق... اذا انتصرنا في هذه التجربة وانهينا هذه الاوضاع لصالح التحرر من الاحتلال ومن كل الحثالات التي جلبها على راس المجتمع واقمنا الحكومة المؤقتة التي ينشدها المؤتمر، عندها وبعملية سياسية اخرى يكون اسهل علينا اقناع الناس باشتراكيتنا وبارساء عالم الحرية والمساواة وببديلنا الاشتراكي، لسبب بسيط ان الناس تكون قد امنت بقدرتك، جربت وخبرت قدرتك.

 

محاذير:

المؤتمر ليس حملة او كمبين. المؤتمر هو منظمة. منظمة تسعى من اجل جمع القوى، جمع اعضاء. انها منظمة ذات اعضاء (الاف الاعضاء)، تتالف من هيئة تنفيذية تدير اعمال شبكات فروع وممثليات المؤتمر في بلدان العالم المختلفة (وبالاخص البلدان المتقدمة). اعضائها معلومين، يدفعون بدلات العضوية بصورة سنوية اوشهرية. لها تجمعاتها، انتخاباتها، كونفرانساتها وهيئاتها المختلفة في كل بلد.

المؤتمر منظمة مستقلة. على الرغم من ان تاسيس المؤتمر هو بمبادرة ودور الحزب الشيوعي العمالي العراقي وكوادره الا انه منظمة مستقلة. توجد بجوار الحزب، ذات مراجع مستقلة للقرار، ذات هرم تنظيمي مستقل، ذات اليات مستقلة في اصدار القرار، نمط بحثها، مهامها، مادتها الانسانية، اجتماعاتها،  ماليتها والخ.  

في احدى ندوات الغرف الصوتية، وردا على احد الحضور من الفعالين قلت: "ليس مؤتمر حرية العراق هو منظمة اصدار بيانات، ووضعها على السايت وتعميمها على كم مئة شخص، وزيارات الى احزاب ومنظمات والحديث عن المؤتمر ووضع صورها على السايت او ندوات بائسة من حفنة اشخاص وووضعها على السايت وارضاء النفس بذلك. لن يوصلنا هذا لشيء. ان قضيتنا خاسرة لو سلكت هذا النوع من التعامل. ان البيانات مهمة، الندوات مهمة، الزيارات مهمة ولكن يجب ان تتحول هذه الى قوى بشرية وامكانات مالية.".

 

من اين نبدء؟

شخص او اشخاص يعدون هذا الامر امرهم. يفضل ان يشرع بهذا العمل شخصيات اجتماعية معروفة، او اشخاص لديهم الاستعداد والقدرة والتطلع للتحول الى شخصيات اجتماعية وصاحبة قضية تعرف بهم. ان دور الشخصيات هو في غاية الاهمية. ان الشخصيات تجلب الشخصيات بصورة اسرع وباقل جهد. ان هذه الية الحياة. وتشكيل الممثليات التي تضع على عاتقها المهام التالية: اول شيء ترجمة وثائق المؤتمر الاساسية للمؤتمر الى لغة البلد. اقامة منضدة دعائية جوالة للمؤتمر في يوم (او ايام) معين ومكان معين، تجمع الامكانات المالية للمؤتمر، كسب الاعضاء للمؤتمر، الاتصال بالاحزاب والمنظمات وجلب التاييد والدعم السياسي والمعنوي والسعي لانضمامهم للمؤتمر.

رغم اعمالنا المتبعثرة هنا وهناك، الا ان المؤتمر ليس معروف للاسف. يجب الشروع بتعريف المؤتمر بحملة سياسية واسعة. ان الذكرى الرابعة للحرب مناسبة مهمة لنا للتعريف بالمؤتمر على اوساع نطاق ممكن. انه اليوم الذي بوسعه ان نوصل رسالة وبلاغ المؤتمر الى اي طرف  يريد دون عناء كبير. علينا ان نوزع ادبياتنا باوسع نطاق ممكن. يجب ان نوزع عشرات الالاف من بياناتنا ووثائقنا في هذا اليوم. يجب ان نجمع عشرات الالاف من الدولارات. ان هذا امر ممكن في تظاهرات مليونية. ليس هذا امرا مستغرباً، ان الغريب هو ان يحصل غير هذا.

 

هل بوسعنا ذلك؟

 نعم. كل امرء ينظر بعينيه ويرى هذا التاييد لقضية الانسان في العراق، هذا السخط العارم على امريكا وسياساتها، على هذا العنف الطائفي الاجرامي، يدرك ان هذه الملايين مستعدة لعمل الكثير من اجل جماهير العراق، من اجل البشرية. انهم يدركون ان مؤتمر حرية العراق هو اقرب واحب البدائل الى قلبهم. ولهذا لا اعتقد انهم سيبخلوا في شتى اشكال الدعم. المسالة مرهونة بنا وبالمهام التي نضعها على عاتقنا وبتخصيص القوى لذلك. ان حزب مثل حزبنا له صلات مع مئات المنظمات والشخصيات العالمية والمحلية وذا تاريخ حافل بهذا الصدد. انها نقطة قوة مهمة لاتقدر بثمن. بوسعنا الاستناد اليها والانطلاق من هذا الراسمال الذي جمعناه طيلة عقد ونصف من النضالات البطولية والدؤوبة والمثابرة لكوادرنا، يجب الانطلاق من المصداقية التي زرعنها لدى هؤلاء، يجب الانطلاق من فيض الاحترام والتقدير والمحبة الذي يكنوه لكوادرنا وحركتنا وحزبنا، والتحليق في اداء مهامنا. 

لعمري انها قضية ظافرة.   

 

 

* النص اعلاه  هو  مقاطع مطولة من بحث قدم  بالعنوان ذاته في ندوة تنظيم الخارج للحزب (يوتبوري 25 شباط 2007)