المراة والدستور
حوار مع ليلى محمد
خسروساية: انكم على اطلاع ان
المؤسسات الاعلامية قد نشرت
هذه الايام المسوردة الاولى
للدستور العراقي التي من
المقرر طرحها امام جماهير
العراق للنصويت عليها... رغم
انه لم يتم الاتفاق لحد الان
بشكل نهائي حول بنوده وطريقة
طرح فقرات المسودة.. ولكن
يبدوا ان ليس ثمة فرق جدي بين
هذه النسخة والنسخة التي تطرح
امام جماهير العراق... ماهو
رايكم بهذه المسودة اجمالا؟
ليلى محمد: لو تجاوزنا محتوى
الدستور وبنوده الى حين، فان
السؤال الذي يجب طرحه هو من
الذي صاغ هذه المسودة ,في اية
ظروف ووفق اية الية تتم عملية
الاستفتاء عليه،ان اجابة
سريعة على هذا السؤال يكشف
بشكل لا لبس فيه ابعاد اللعبة
السياسية الرجعية التي تجري
في العراق و التي تستهدف
اقتسام السلطة بين القوى
الطائفية ، القومية و
العشائرية الرجعية وندرك بان
ماتنوي هذه القوى انجازه هو
ليس اقامة نظام برلماني
دستوري مستقر يستند الى ما
سيتم اقراره في هذاالاستفتاء
حتى وان كانت هذه المسودة
مغرقة في الرجعية. فقوى
الاحتلال الامريكي اسقطت نظام
البعث الدموي دون اي دور يذكر
لهذه القوى ومن فوق رؤوس
الجماهير ودمرت في هذه
العملية كل مؤسسات المجتمع
المدني ونصبت من هذه القوى
حكاما اذلاء لها ولكن عتاة
ارهابيين بوجه التطلعات
الجماهرية المشروعة واخر ما
يفكرون به هو مصلحة جماهير
العراق وتحقيق ادنى متطلبات
معيشتها الاساسية، في الوقت
الذي يركزون كل قوتهم و
امكاناتهم على نهب كل ما يمكن
بل وحتى ما لا يمكن نهبه من
قوت الجماهير الرازخة منذ
عقود لاقسى اشكال الاستبداد و
التجويع. حتى لو تغاضينا عن
كل الاطروحات السياسية
والفكرية المتعلقة بالقوى
المتنفذة في العراق الان فان
ما تمارسه منذ سقوط نظام
البعث دليل كاف، لمن ينوي ان
يتعرف على حقيقة الامور، ان
يدرك ان هذه القوى ليس فقط
لاتملك الشرعية لطرح دستور
يضمن ابسط الحريات الاساسية
لجماهير العراق و يحقق ادنى
مطالبها العادلة و الانسانية
بل انها تشكل هي بالذات
العائق الاساسي امام تحقيق
تلك المطالب. ولنا ان نسال في
هذا السياق كيف يمكن للقوى
الاسلامية الشيعية مثلا التي
حولت المناطق التي تسيطر
عليها في العراق الى مدافن
وجحيم لا يطاق و تواجه
بالحديد و النار كل اشكال
الحرية و تمنع على الناس حتى
حرية اختيار ما يلبسون كيف
لها ان تقر بالحريات السياسية
والمدنية؟ انني اقول بان
جماهير العراق قد اعربت عن
رايها فيما يتعلق بالدستور
الذي تنوي هذه القوى طرحه
خلال تصديها للقرار 137
واسقاطه ذلك ان القرار
المذكور يشكل في جانب منه احد
الاجزاء الاساسية للمسودة
المشؤومة فلماذا لا ياخذون
الموقف المذكور بنظر
الاعتبار. باختصار ان ما يجري
من مهزلة هو في الواقع اضفاء
"الشرعية الدستورية" على
التقسيم الطائفي، القومي و
العشائري الذي ارست اسسه
امريكا في لعبة رجعية مكشوفة
وان اخر ما يفكرون به هو
تفعيل دور الجماهير لكي تقول
كلمتها المستقلة ورايها
الصريح ذلك ان تلك الكلمة
وذلك الراي لن يكونا سوى
اسقاط هذه القوى والحاقها
بالبعث و القوى الرجعية
الاخرى.
خسروساية: مهما يكن من امر
فان هذه المسودة قد كتبت بعد
سقوط المظام البعثي، هل يمكن
مقارنة هذه المسودة مع دستور
النظام البعثي؟ اذا كان
الجواب بنعم اين يكمن
التماثل؟
ليلى محمد: ان مجرد كتابة هذه
المسودة بعد سقوط النظام
البعثي بحد ذاته لا يحدد
مؤشرا معينا فالبعث كان بحكم
طبيعته الدموية على خلاف مع
العديد من الحركات
الاجتماعيةو السياسية
الراديكالية والرجعية على حد
سواء. ان ماكان يسمى بالدستور
خلال ايام البعث لم يكن
يتجاوز دستورا دكتاتوريا
مغرقا في الاستبداد تم صياغته
استنادا الى فكر و سياسة
قومية شوفينية فاشية لم يعترف
بادنى الحريات السياسية و
المدنية لجماهير العراق ضمن
دولة مركزية متشددة الا ان
المسودة الراهنة تجسد النظرة
و السياسة الامريكية التي
تعمل على التعامل مع المجتمع
العراقي من خلال تقسيمه الى
مجموعة من الاقوام و الطوائف
و العشائر اي انكار اهم
خصائصه الجوهرية المتمثلة
بكونه مجتمعا مدنيا لا يختلف
عن ارقى المجتمعات المدنية في
العالم من حيث خصائصه
الجوهرية ونصب مجموعة من
القوى السياسية المغرقة في
الرجعية بوصف كل واحدة منها
ممثلة لاحدى تلك المكونات و
الادعاء بان هذه القوى تمثل
"اطياف" الشعب العراقي وبعد
ذلك طرح هذه القوى لمسودة
الدستور التي تجسد حالة
التوازن الراهنة لصراعها و
ليس طموح ومطالب جماهير
العراق التحررية . ان دستور
البعث ورغم انه كان يشبه كل
شيء الا الدستور الا انه لم
يتجرأ على انكار الطابع
المدني للمجتمع العراقي في
الوقت الذي تشكل هذه النقطة
مركز انطلاق المسودة
الراهنة، نظام البعث كان
يتصدى للحركات الاحتجاجية
الجماهيرية والعمالية
وللمعارضة السياسية بسياسة
مكشوفة يمكن تعريفها بالحديد
والنار الا ان القوى الراهنة
ومن خلال دستورها المقترح
وسياستها وممارستها منذ سقوط
البعث تعمل على مواجهة الحركة
الجماهيرية و الراديكالية في
المجتمع من خلال تشتيتها الى
زمر و طوائف قومية دينية
وعشائرية ونصب كل واحدة من
الزمر عدوات لدودات للزمر
الاخرى وهي بذلك انما تدشن
بداية حرب طائفية دينية قومية
رجعية لن تكون المآسي التي
مرت على جماهير العراق حتى
الان بالمقارنة معها سوى لعب
اطفال.
خسروساية: بيد ان مسودة
الدستور هذه تتحدث في بعض
الاماكن عن حرية المراة
وحقوقها. كيف ترون هذه
المسودة من زاوية مساواة
المراة وحقوقها؟
ليلى محمد : العبارات الواردة
في المسودة المتعلقة ليس
بحرية المراءة فقط بل
بالحريات السياسية والمدنية
الاخرى ايضا تعكس في الواقع
صراع القوى الطائفية والقومية
و العشائرية الرجعية المتآلفة
حول السياسة الامريكية اكثر
من كونها فقرات او بنود تتعلق
بقناعات و افكار القوى
المشاركة في صياغتها فالقوى
القومية الكردية التي تدعى
العلمانية مثلا في صراعها مع
القوى الاسلامية الشيعية كانت
معينا رئيسيا لحركات الاسلام
السياسي في كردستان منذ 1992
حتى التدخل الامريكي و على
سبيل المثال اشير الى ان
الاتحاد الوطني الكردستاني
وجلال الطالباني كان يقدم
دعما ماديا هائلا ومنظما لتلك
الحركات ومن الاموال التي
ينهبها من افواه جماهير
كردستان الجائعة حتى سقوط
النظام وهو الذي حاول تقديم
الحزب الشيوعي العمالي
العراقي الى المحاكمة لانه
كان يطالب باقامة نظام علماني
و حينما يتبجحون الان بالدفاع
عن جماهير الشعب الكردي بوجه
الاسلام السياسي الشيعي اقام
الدعوى على الحزب المذكور
لانه كان يطالب باجراء
استفتاء في كردستان وانفصاله
وعندما فشلت محاولته هاجم مقر
الحزب ومنظمة النساء المستقلة
ونهب مقرها وقتل العديد من
اعضاء الحزب، يضاف الى ذلك ان
كل العبارات الواردة في
المسودة والتي اشرت اليها
تختتم بعبارة بشرط ان لا
تتعارض مع الشريعة الاسلامية
و احكامها ، هذا الامر ليس
سوى ضحك على ذقون الناس ،
فاحكام الشريعة الاسلامية بما
عرف عنها من استبداد تجاه
المراءة و مصادرة حقوقها ليست
لا تضمن لها اية حقوق بل ان
شرط تحرر المراءة الاساسي
ونيل ابسط حقوقها الانسانية
اي الاعتراف بها بوصفها
انسانا وقبل الاشارة الى اي
من حقوقها يتطلب منع الدين
الاسلامي وقطع دابره عن
الحياة السياسية والعامة
وارجاعه الىالجوامع وفصله عن
الدولة والتعليم و اعتباره
شانا من شؤون الافراد ليس
الا. بعد كل هذا كيف يمكننا
ان نصدق ان هؤلاء يعترفون حتى
بالشكل الوارد في المسودة وهم
اصحاب القرار 137 وهم الذين
دفعوا قبل ايام مجموعة من
شراذمهم النسوية في المؤتمر
الذي عقوده للمطالبة بتعدد
الزوجات و بالحجاب و بتطبيق
الشريع الاسلامية.
اذا اتفقنا ان المهمة
الاساسية للدستور هو تنظيم
الحياة السياسية في المجتمع
وضمان الحريات السياسية
والمدنية وبيان حقوق المواطن
وواجباته فان المشاركة
الجماهيرية الواسعة من خلال
منظمات الجماهير العمالية
والنسوية والطلابية والفئات
الاجتماعية الاخرى في صياغتها
وليس توكيل الامر الى قوى
سياسية تلطخت اياديهم بدماء
جماهير العرا ق ولايقل اي
منهم من حيث طبيعته الاجرامية
عن البعث وكذلك تحديد الية
واضحة لتصويت الجماهير عليها
وليس تنظيم مهازل التزوير
والضحك على الذقون كل ذلك في
ظروف امنة مستقرة وليس تحت
حراب الاحتلال ، هي من
المستلزمات الاساسية لاقراره
وان ذلك يستلزم اولا الحاق
هذه الكتل القومية والطائفية
والعشائرية الرجعية بالبعث اي
اسقاطها.