من سيحاكم صدام؟!
محسن كريم
بعدما يقارب الثمانية أشهر من سقوط نظامه واخفاء نفسه، أعتقل صدام حسين في خاتمة المطاف من قبل القوات الأمريكية!، في الساعة الثامنة من مساء الثالث عشر من كانون الأول في منطقة الدور القريبة من تكريت!. وقد تحول اعتقال صدام، كسقوط نظامه، الى مصدر للسرور والفرح لجماهير العراق وكل الجماهير التحررية.
وعلى الرغم من الضجة التي يقوم بها سياسيو البيت الأبيض وبوش وبلير ودعاية مجلس الحكم، فإن اعتقال صدام لا يعني ترسيخ الأمن والاستقرار في العراق، وإنهاء أعمال العنف والتفجير، وتحقيق الحرية والرفاه لجماهير العراق، بنفس القدر الذي لن تنتهي فيه عمليات القتل العشوائي التي تقوم بها القوات الأمريكية بذريعة "الحرب ضد الإرهاب". وسيتواصل السيناريو الأسود لحياة الجماهير والذي تشكل أمريكا عاملاً رئيسياً في خلقه مزيدة في عتمته وظلامه!. لذا وبغض النظر عن أهداف أمريكا ومجلس الحكم من اعتقال صدام، فان جماهير العراق ترحب باعتقال صدام، حيث سيوفر ذلك الفرصة لمحاكمته ومحاكمة أركان نظامه على الجرائم التي ارتكبوها بحقها طوال ما يقارب من الخمسة وثلاثين عاماً من سلطة النظام البعثي وصدام حسين.
إن أهداف بوش وبلير من الضجة التي أثاراها باعتقال صدام هي لتبيان تحقيقهما نصراً كبيراً في قضية العراق، وخصوصاً بعد مواجهتهما لضغط دولي وداخلي كبير حول مشروعية حربهما، وعدم ظهور أية آثار لأسلحة دمار شامل، بعد ثمانية أشهر من سيطرتهما على كافة مناطق العراق!. فمن جهة، يسعيان لتصوير اعتقال صدام بمثابة السيطرة على قلعة كبيرة لـ"الإرهاب" وتحقيق قواتهما لنصر كبير كي يجعلا من ذلك مكسباً سياسياً كبيراً، مقابل المنافسين العالميين، وللتصدي للإحباط والفشل السياسي الذي تواجهه استراتيجية فرض الهيمنة والسيطرة والفضائح والتي تواجه مصداقيتهما السياسية على الصعيد العالمي، ومن جهة اخرى فهما يهدفان الى الحفاظ على مكانتهما السياسية التي تتجه صوب الانحدار والتدني داخل بلديهما وإضافة بعض النقاط للأصوات التي سيحضيان بها في الانتخابات القادمة!
أما فيما يتعلق بأوضاع العراق الداخلية، فان عجز أمريكا وبريطانيا عن تأمين ابسط متطلبات حياة ومعيشة الجماهير وانعدام الأمن وتخريب وهدم أسس المجتمع العراقي، وكذلك القتل اليومي للجماهير العزلاء وقمع المخالفين السياسيين لأمريكا، قوّى من الاحتجاجات الواسعة ضد وجود أمريكا وجرائمها ضد جماهير العراق، وفيما يتعلق بهذه القضية فهم يسعون لتصوير صدام بمثابة قائد لهذه الاحتجاجات، لكي يعلنوا باعتقاله نهاية تلك الاحتجاجات! انهم يريدون ابتذال وتشويه مطلب جماهير العراق العادل والمشروع في إنهاء الاحتلال، والتمتع بالأمن والاستقرار والخدمات المدنية الأساسية والحياة الإنسانية اللائقة بالبشر، وتمتعها بالحرية وحياة المساواة البعيدة عن الظلم والاضطهاد، وتفعيل إرادتها السياسية المباشرة ودورها المؤثر في الإدارة السياسية للبلاد. انهم يريدون تشويه كل ذلك من خلال قولبة هذه المطالب بقالب مجموعة من العمليات العسكرية وأعمال التفجير التي تقوم بها الجماعات الإسلامية وبقايا النظام البعثي باسم "المقاومة"، كي يشوهوا صورة تلك الاحتجاجات ولخلق ضغوط نفسية وسياسية للجماهير كي تتراجع عن التعبير عن أي شكل من أشكال الاحتجاج وتنظيم النضالات لتحقيق مطالبها وحقوقها، أو لكي يقوموا بقمعها تحت تسمية تصفية "الإرهابيين" و"بقايا البعث". ولحد اليوم فانهم يقومون بهذا الأمر وقد استفادت القوات الأمريكية من نفس سياسة الترهيب والإخافة التي مارسها النظام البعثي والجلاد صدام لفرض وجود الاحتلال على جماهير العراق!
ان جماهير العراق التحررية، الجماهير التي سأمت القمع والحرب والقتل، الجماهير الساخطة على الفقر وانعدام المساواة، الجماهير المتشوقة للحرية والمتطلعة للقضاء على كل الأجهزة الحكومية القمعية والبيروقراطية المعزولة عن الجماهير، وفي الوقت الذي ترحب فيه باعتقال ومحاكمة صدام السفاح ورموز نظامه وجلادي أجهزته الجاسوسية والأمنية والمخابراتية، وتطالب بمحاكمة ومعاقبة هؤلاء المجرمين والقتلة على جرائمهم، هؤلاء الذين قتلوا القادة العماليين والناشطين الشيوعيين وجماهير العمال والكادحين والتحرريين في العراق، هؤلاء الذين استخدموا الأسلحة الكيماوية والذين قاموا بعمليات الأنفال ومهندسي المقابر الجماعية، في نفس الوقت تطالب هذه الجماهير بخروج القوات الأمريكية والبريطانية من العراق.
مما لا شك فيه أن جماهير العراق هي التي تمتلك الحق بمحاكمة صدام ورموز النظام البعثي وأجهزته القمعية والجاسوسية. وسيكون هذا بعد خروج القوات الأمريكية وبعد أن تتحول السلطة السياسية في العراق بيد ممثلي الجماهير المنتخبين، نتيجة لعملية سياسية حرة، تمسك في البداية من خلالها الأمم المتحدة ولفترة محددة بزمام مقاليد الإدارة السياسية للعراق وتوفر الأرضية المناسبة لانتخابات حرة للجماهير لتأسيس الدولة والحكومة. حينذاك يتم محاكمتهم في محكمة علنية وبمراعاة كافة المعايير الإنسانية والعالمية لحقوق المجرمين والمتهمين وإنزال العقوبة المتناسبة مع جرائمهم بهم كي تتم حماية الجماهير من شر هؤلاء المجرمين.
فليس لأمريكا ومجلس الحكم الحق في محاكمة صدام واتباعه! فعلى كبار مسؤولي البيت الأبيض وتوني بلير ورؤوس حكومته وغالبية أعضاء مجلس الحكم وكبار مسؤولي الأحزاب المشاركة في ذلك المجلس الوقوف في الطابور قبل وبعد صدام ورموز نظامه لكي تتم محاكمتهم من قبل جماهير العالم التحررية وجماهير العراق. فأمريكا وبسبب فرضها الحصار الاقتصادي وفرض حربين دمويتين على جماهير العراق وجر العراق الى سيناريو اسود، تعد مجرمة بحق جماهير العراق. فأمريكا مسؤولة عن العديد من المقابر الجماعية وعن غرق المستقبل السياسي للعراق في الظلام واليأس وغياب الإرادة وانهيار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية ومخاطر الصراعات الطائفية والقومية والدينية بسبب منح السلطة لمجموعة من القوى الرجعية الإسلامية والقومية والعشائرية التي جمعتها في مجلس الحكم! ومجلس الحكم سواء بحروبه الداخلية او بقمعه لمطالب الجماهير، وسواء بخدمات الأطراف المجتمعة فيه لدول المنطقة الرجعية وأجهزتها الجاسوسية، وسواء بخدماتهم للنظام البعثي والخدمة السابقة في صفوف هذا النظام، أو بسبب عمالتها للنظام الاسلامي الإيراني المعادي للبشرية ومهد الإرهابيين، وأخيراً بسبب دفاعها عن تجويع جماهير العراق بسبب الحصار الاقتصادي ومشاركتها في هذه الحرب الأمريكية الدموية والوقوف في جبهة الإرهاب الأمريكية، وعلاقاتها السرية مع أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية والإيرانية وبقية دول المنطقة، وكذلك الوقوف بوجه ووضع العقبات أمام، مساعي الجماهير للتمتع بالحرية والحقوق المدنية والبديهية وحتى سعيها لقمعها المباشر. ان مجلس الحكم وكل الأطرف الموجودة فيه ولكل هذه الأسباب متهمة أمام جماهير العراق و عليه، ليس من حقها الحكم ولا من حقها إصدار الاحكام على أيٍ كان.