لن تبقى كردستان بعد مقتل سردشت ، كما كانت قبله!

 

نادية محمود

 

التاريخ يصنعه الابطال الذين لا يهابون الموت. و سردشت صنع تاريخا جديدا. لقد خرجت الالاف لتقول " كلنا سردشت"! مظاهرات في كل مكان في كردستان العراق و في الخارج، رفعت صوره بالمئات في عواصم العالم، عشرات الندوات عقدت، و جماهير كردستان تطالب باقالة وزير الداخلية.

 

و لاننا  نعيش عصر الغاب- البشري-، فالحقيقة المؤلمة انه لزاما و لابد  بان تنزف الدماء و تفقد حيوات، قبل ان ترفع الالاف قبضاتها مهددة القتلة و اللصوص بالكف عن جرائمها! لزاما ولابد ان يقتل سردشت حتى تتحرك الجماهير مطالبة بالحرية! لزاما و لا بد ان يسير التاريخ للامام على اجساد من حياة الابطال!

 

لقد صنع الشاب سردشت تاريخا بقلمه و بحياته و باحلامه..  و التاريخ يصنعه الحالمون.

 

ان البارزاني ليس الها، وانه من الممكن ان يفكر احد من " العامة" بمصاهرته.

 

لقد حلم سردشت بان يكرم والده. وفاء الولد البار للاب المتعب الذي كان يوما مناضلا هو بدوره و كان حالما بان يتحرروا من الاضطهاد القومي العربي، وان ينالوا دولة مستقلة- ربما- لياتي لهم الاضطهاد الطبقي الكردي بالزي و اللغة المحلية مباشرة و دون رتوش او خدع قومية.

 

كان يحلم ان يساعد اخيه الذي تخرج من الكلية – حاله حال مئات الالاف من الشباب- ليسافر الى الخارج بحثا عن لجوء، و يساعد اخته الى ان تخرج لترى الحياة خلف ابواب البيت الموصدة، يساعد والدته التي اعياها الداء على ان تجد علاجا. احلامه بسيطة و واقعية ، انها تحكي القصة كلها، قصة حياة باكملها، قصة مجتمع لا يجد ابناءه وظائف ان لم يكونوا قد اولتهم العناية الالهية برحمتها وولدوا من اسرة "الاله" كما اسماها سردشت. لايجدوا ضمانا للتقاعد و لا يجدوا فرصة عمل، و تقمع فيه النساء!

 

 ان احلامه تحكي  مرحلة تاريخية باكملها بكل ما فيها، الفساد و النهب، و اخفاء النساء في البيوت، و سفالة و نذالة "القادة". فوالده الذي حارب من اجل الحرية جنبا الى جنب ذلك "الاله"، قد جرى الاستغناء عن خدماته حين انهارت الاوراق الخضر كالمطر على رؤوسهم، و اصبح صفرا على اليسار بالنسبة لهم، فهم معنيون فقط بالاصفار على اليمين - و في هذا لا ينفرد البارزاني وحده بل كل اولئك القادة الذين انتقلوا من نضال الجبال الى نضال البنوك- التي تعفرت بالدماء.

 

ان احلامه الموثقة بمقالات ثلاثة كانت لائحة لمطالب مجتمع باكملة، مجتمع يبحث عن ضمان التقاعد، و  فرص عمل للعاطل عن العمل، و ضمان صحي للمرضى المسنين، انه طموح جيل شاب يدافع ويريد للمرأة ان تتحرر! أن افكاره اضحة و مقروءة، واحلامه معقولة  و منصفة الى اخر حد!

 

سردشت الحالم كتب بحرية و تمشى في الشوارع مكشوف الوجه، لانه ببساطة يمثل مطالب شعب باكمله.  الا ان اعدائه المحميون بالاسلحة و العائمين في محيط من مليارات الدولارات قتلوه وهم يخفون وجوههم.  لانهم يعرفون حقيقتهم: لصوص و قتلة! مهما ادعت حكومتهم انها ستشكل لجان تحقيق للعثور على القتلة! -  من المؤكد جرى ابعاد القتلة الان عن المدينة  لحد استتباب الوضع-.

 

الدرس الذي لم يتعلموه بعد كما يبدو اولئك القتلة هي ان البشرية لا تنسى، وكما ان جيفارا الميت اكثر خطرا من جيفارا الحي، جماهير كردستان ليس فقط لن تنسى سردشت، بل لن تكون بعده كما كانت قبله. انه كتب رسالته بحروف من دم انهم ان لم يهبوا للوقوف على اقدامهم و على ارض صلبة، لن يبقى لهم لا عملا،  لا مأوى، لا حبة دواء و لا كرامة لانسان!

 

و استلمت جماهير كردستان الرسالة واضحة في الداخل و و في كل مكان في العالم، مستلهمة منه، لقد تعلموا الدرس، و لا يريدوه ان يتكرر.

 

 لن تكون كردستان بعد مقتل سردشت كما كانت قبلها، لقد قالتها الجماهير عن صدق" لن نسكت و الارهاب لن يخيفنا " كلنا سردشت" " نقسم بدمك اننا سنواصل المسيرة" و القصة لن يضع البارزاني لها نقطة النهاية. بل الجماهير الناطقة!