حديث في الندوة التي نظمتها منظمة بغداد للحزب الشيوعي العمالي العراقي حول الوضع السياسي في العراق تحت عنوان "في اي نظام رأسمالي نعيش، و ما هي التحديات التي يخلقها هذا النظام امام نضال الجماهير في سبيل حياة مرفهة".

 

 

 ايام استثنائية:

 

يسعدني ان اكون معكم و ان نتحدث معا، ارى ان لقاءنا هنا اليوم في بغداد هو جزء من حركة تسود العالم، جزء من سعي الملايين من اجل التغيير، جزء من النضال الذي يتصاعد في كل مكان، هو مشاركة مع تلك الملايين التي تتظاهر مطالبة باسقاط الانظمة الرأسمالية، اولئك الذين يحتلون وول ستريت ولندن، انه جزء من التظاهرات التي تسير في اسبانيا و اليونان، انه امتداد  لميادين التحرير، انا سعيدة بهذا اللقاء اليوم، لانه قطرة ماء في بحر هذه الحركة.

 

منذ سنوات و ازمة الرأسمالية العالمية تتفاقم و يراد حلها و تصريفها على حساب الملايين، الهجمة شنت وتشن على حقوق الرفاه و فرص العمل، و زيادة سن التقاعد، واحالة العمال الى البطالة في الدول التي تسمى بدول الرعاية الاجتماعية، فما بال الدول التي لا تقدم هذه الرعاية، ان الملايين تدفع  الى مصير مجهول في كل مكان في العالم.

 

الا انها ايضا ايام تحد، ايام خروج الجماهير في كل مكان في عالمنا المعولم للتعبير عن نفسه ، ايام التظاهرات المليونية، و احتلال  الجامعات و المدن، ايام ابتكرت بها الناس طرائق جديدة و جديدة للتعبير عن نفسها، عن تدخلها. اننا نعيش ايام استثنائية و مهمة بكل معنى الكلمة ، انها ايام العودة الى ماركس، و رفع راية الماركسية مجددا.

 

لماذا يتظاهر المتظاهرون؟ الحاجة و المطالبة باشباع الحاجة.

 

كل التظاهرات التي تشهدها العديد من المدن في العالم، بما فيها مدينة بغداد، تدور حول قضية واحدة لا غير. قضية صراع البشرية هي لامر واحد لا غير، اشباع حاجات الانسان. حاجات يريد البشر اشباعها، يريدون سدها، و تلبيتها. هذه الحاجات حين لا تلبى، تلح على الانسان، تشعره بالالم، تشعره بالغضب، تشعره بالاهانة، مما تفرض عليه ان يفعل شيء ما ليسدها، تدفعه لان يطالب بسدها، حين يبدأ بالمطالبة، يدخل ميدان السياسة، يدخل حلبة السياسة، يخوض صراع سياسي، كفرد يريد ان يشبع حاجاته، و بين اولئك الذي يمنعونه عنه ذلك.

 

كل صراع البشرية، في الشرق او في الغرب يدور حول قضية واحدة، كيف توزع الثروات؟ وفق اي مبدأ يجري التوزيع، و من الذي يقرر شروط هذا التوزيع، و حقانية هذا التوزيع.

 

اذن في كل مجتمع هنالك حاجتان، الاولى هي الحاجة الى الطعام، و المسكن، و الصحة، الامان،  التعليم، الرعاية الاجتماعية، و  احترام كرامة البشر، اي الحاجات الحياتية و الاقتصادية.  و هنالك حاجة اخرى و مطلب اخر، هو الحاجة الى الاقرار بان لديك حق بالمطالبة. الناس تناضل من اجل الاقرار بحقها بالتعبير، الاعتراف بان لديها الحق بالمطالبة، لديها الحق ان تخوض مضمار العمل السياسي. ان الاقرار بهذا الحق هو حاجة بحد ذاته، هو مطلب بحد ذاته. يقولون الحاجة ام الاختراع، اضيف لهذا بان الحاجة ام الحق، حيث لديك حاجة، لديك الحق في اشباع هذه  الحاجة. تتحول الحاجة الى حق، الى مطلب، الى حق المطالبة، تتحول الى سياسة. ان كل ما يدور في عالم اليوم، هو النضال من اجل اشباع الحاجات. و لكن اذا كان النضال في الغرب هو من اشباع الحاجات الاقتصادية، فان النضال في الشرق الاوسط، و في العراق تحديدا، هو من اجل حقين، الحق الاول، اشباع ذات الحاجات التي يتظاهر من اجلها المواطن في الغرب، و يناضل على صعيد ثاني، الاقرار بان لديه الحق في المطالبة، لديه الحق في خوض السياسة، لديه الحق في المطالبة، لديه الحق في التعبير. اي يناضل من اجل الحقوق السياسية.

 

 في الدول الرأسمالية الصناعية، تقر الحكومات بحق المطالبة، تقر بالحاجة الى التعبير، و لكنها لا تجد نفسها ملزمة على الاستجابة على حاجات البشر الاساسية هناك، من قبيل فرص عمل للجميع، ضمان اجتماعي او  امان اقتصادي للجميع، و هذا ما يفسر سبب كل هذه التظاهرات التي تجري في تلك البلدان اليوم.  ساومت الرأسمالية في الغرب على عدم ايفائها باشباع الحاجات الاقتصادية، باقرارها بالحقوق السياسية، اي اقرت بالحق السياسي و لكنها لن تستطيع الاستجابة للحقوق الاقتصادية، ان ذلك ينقض جوهر وجودها. انها موجودة لا لخدمة الاغلبية، انها موجودة لخدمة الاقلية القليلة المالكة. اما الملايين فهي متروكة تصارع من اجل مصيرها في اقتصاد السوق.

 

 الى اي حد ستستجيب الحكومات الى تلك المطالبات، امر يحسمه ميزان القوى في كل لحظة. لنلقي نظرة على كيفية تنظيم هذه الحاجات و العلاقة في الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة، و الدول التي يسودها الرأسمال الريعي.

 

في الدول الرأسمالية تتكون الثروة و تتشكل ميزانية الدولة من ناتج عمل الطبقة العاملة المليونية و من الضرائب التي يدفعها العاملون الى خزينة الدولة. تحكم الطبقة الحاكمة قبضتها على هذه المصادر، تمول الحروب، و تمول مصاريف حكومتها، و ايضا تدفع كلفة الرعاية الاجتماعية لذوي الحاجة و الخدمات للمواطنين من نظافة و مرور و تعبيد طرق و الخ، ولكن مسالة تضمين فرص عمل للجميع ليست مهمتها و لا وظفيتها، فهي متروكة لقوانين السوق. من الناحية السياسية نظمت الرأسمالية العلاقة بينها و بين الجماهير بحيث بما ان المواطن يدفع ضريبة، فانه لديه الحق في التصويت.  ان عبارة " No taxation without representation " اي لا ضرائب بدون تمثيل" تنظم العلاقة بين دافعي الضرائب و حقهم في التمثيل، اي التمثيل السياسي، اي الحق في الانتخاب والتصويت. هكذا ارادوا في الغرب صياغة العلاقة بين الحكام و المحكومين، كعلاقة "حق و واجب" بين المواطن و الدولة.

 الا ان العلاقة ليست بهذا القدر من البراءة، العلاقة  بين الطبقة الحاكمة و الطبقة المحكومة، بين الطبقة التي تملك و الطبقة التي لا تملك. انها قائمة على اساس سيطرة الطبقة الحاكمة، و سلب اكبر ما يمكن من دافعي الضرائب، و رمي اوزار ازماتها على عاتقهم. كلنا يتذكر كيف اخذت الحكومات اموال الضرائب لتحولها الى البنوك، اموال تلك الضرائب كان مقرر لها ان تعود للناس على شكل خدمات و رعاية اجتماعية، الا ان الحكومات اخذت تلك الاموال سلمتها لاصحاب البنوك، ثم بدأت تنادي بسياسات التقشف، لذلك نزلت الملايين الى الشوارع محتجة.

 

العلاقة في الدول الرأسمالية علاقة طبقية، علاقة صراع. الحكومات موجودة لخدمة الرأسمالية، لحمايتها و للدفاع عنها. و ما اقرارها بحقوق و الخدمات، و بعض من خدمات الرعاية الاجتماعية للمجتمع الا لمنع تلك المجتمعات من الانفجار.

 

في الدول الرأسمالية الريعية، و حديثي هنا سيدور عن الدول التي يشكل النفط المصدر الرئيسي لدخلها، فالعلاقة بين الحكام و المجتمع في الدولة الريعية هي كالتالي: الدولة تسيطر عليها طبقة حاكمة طفيلية غير منتجة متحكمة بمصادر و مداخيل النفط. تمتلك الفئة الحاكمة الجيش، الميلشيات و الفرق القمعية لادامة هذه السيطرة. تؤسس احزابا تربطها صلة الولاء المطلق للفئة الحاكمة، صلات القربى و العشائرية.  في هذه الدول، النفط يمول الدولة و مشاريعها، لا يشكل عمل الناس ولا الضرائب مصدرا ماليا للدولة، فما ان الضرائب لا تدفع، و المواطن ياخذ حاجته من فضلة النفط التي تمنحه اياها الفئة المسلطة على مصادر النفط، لا تجد الدولة نفسها اولا على انها مجبرة او ملزمة على الاستجابة على حاجات الناس، و ثانيا، ترى ان ما تعطية للناس هو منحة من قبلها لهم. فهي التي تستاثر بالنفط، و هي لديها القدرة على الضرب على ايدي كل من يمسه، فكل ما يقدم من خدمات، يقدم باعتباره" منحة" من السيد رئيس الحكومة، او " مكرمة" انها " منة" تمن بها على الناس.

 

الذين يحصلون على افضل الخدمات و افضل العطايا هم فقط اولئك الذين يرتبطون و تلك السلطة، باحزابها، و بجيشها و بميليشياتها بصلة. الفئة الحاكمة تجد نفسها مضطرة لتكريم فقط الافراد و ألجماعات و العصابات و الفرق التي تحميها، لذلك تغدق عليها بالعطايا.

 

 ليست هنالك خدمات عامة لكل الناس على اساس المواطنة، بل خدمات خاصة و ببذخ للمقربين و المدافعين فقط عن تلك الفئة الحاكمة.  لذا تقوي الحكومة دور العشائر والميلشيات المرتبطة معها، و ليس حكم دولة، تقوي حكم الافراد و ليس حكم مؤسسات. تقوي الانتهازية للافراد والجماعات كوسيلة و لتأمين اوضاعها المعاشية. ينتشر الفساد المتاتي من السيطرة على الموارد المالية.  توزع الثروات لا على اساس الحاجة او اشباع الحاجات، بل على اساس المحسوبيات و الولاءات، و الزبائنية و شراء الناس. تعتمد الحكومة في تنظيمها للمجتمع لمنعه من الانفجار باسلوبين: الاول تقوية العشيرة و الاقارب و الواسطات، و شراء الولاءات، شراء الاحزاب، شراء المواطنين، شراء الاصوات، شراء منظمات المجتمع المدني، شراء المعارضين. والاسلوب الثاني: استخدام القمع.

 

اما اذا كانت هنالك اكثر من فئة تتحكم و  تشترك في الحكم، فان الصراعات قد تشتد و يجري التنظيم على اساس المحاصصات، و فيما اذا اختل هذا التوازن بين الجماعات يصار الى حسمة بالاقتتال، يحسم عسكريا.

 

تصل الصراعات بين تلك الجماعات المتحكمة، لحد رمي البلاد برمتها في اتون حرب اهلية. في الدول الرأسمالية الريعية،  تشهد هذه البلدان اضطهادا لحقوق الانسان، واضطهادا لحقوق المرأة. اذا كانت الجماهير تطالب في الدول الرأسمالية المتقدمة تتمحور حول ألحصول على الامان الاقتصادي، فان الدول الريعية تطالب بمطلبين، الاول الامان الاقتصادي، و الثاني هو الامان السياسي.

 

يتجسد في العراق كدولة رأسمالية ريعية، تعتمد في اقتصادها على موارد النفط، كل هذه الخصائص و بشكل واضح، تسيطر على موارد هذه البلد فئة طفيلية، فئة تحكم قبضتها على مداخيل النفط مستفيدة من آلتها القمعية، و كما كانت العلاقة بين نظام حزب البعث مع المجتمع، حيث الاعضاء في حزب البعث يحصلون على فرص العمل، يعاد انتاج نفس النظام، فالتوظيف يعتمد على الصلات بالاحزاب الحاكمة، هكذا في كل صغيرة و كبيرة، الحصول على قطع اراضي، على فرص السفر للخارج، على الحضور في مؤتمرات دولية. كما كان يفعل صدام حسين في اغناء ابناء قريته و مدينة صلاح الدين من اجل ان يكون له حزاما  و امانا، هكذا تفعل الجماعات الاخرى، انها تثبت استخدام دخول النفط من اجل اغناء الطبقة المحيطة بها، طبقة لها مصلحة في الحفاظ على الوضع القائم. لقد حدث هذا السيناريو في افغانستان، اعطيت للحكومة الافغانية بعد حرب افغانستان و مساعدات مالية هائلة، استخدم الجزء الاكبر من تلك المساعدات التي كان من المفترض ان تذهب الى تمويل بناء مدارس ومستشفيات، الا انها ذهبت الى جيوب افراد في الحكومة، لم يثروا من هذه المساعدات فحسب، بل راحوا الى تشكيل حمايات لهم من قوة عسكرية لتحمي تلك المصالح. هذه الفئة الجديدة ستهتز مصالحها و مواقعها في السلطة، جراء اي اهتزاز لهذا الوضع هو اهتزاز في الوضع السياسي، لذلك من مصلحتهم حماية هذا النظام.

ان اثراء طبقة سياسية، تتكون من الحكومة بوزائها، و اعضاء البرلمان و المقربين الى السلطة تتطلب امكانيات مالية هائلة، النفط يوفر هذه الامكانية.

 

 و بما ان هذه الفئة تحكم قبضتها على مداخيل النفط، فانها ترى الى الخدمات التي تقدمها الدولة على انها منح، انها "مكارم" و " هبات"، يصبح بناء المدارس و المستشفيات، هي "هدايا" من المسؤوليين. اذا افتتح جسر، يقولون انه افتتح برعاية فلان ،انه يقترن باسمه، لا ينظر له على ان بناء البنى التحتية هي مسؤولية الدولة، ينظر الى الحصول على الخدمات انها منح من قبل المسؤولين. و جرت وراثة هذه العادة و هذا التصور من النظام السابق الى المسؤوليين الحاليين.

 

ان ما يجري اليوم هو امتداد لما كان يجري بالامس. اذا كان في السابق هنالك حزب واحد، فاليوم عدة احزاب باسم دولة مركزية، الان اقر دستوريا النظام الفيدرالي و اللامركزية. هذا النظام القائم على اساس توزيع السيطرة بين الجماعات الرئيسية المتالفة في السلطة، الاحزاب الاسلامية و القومية بميلشياتها، او بالتعبير الذي استخدموه نظام المحاصصة. المحاصصة و التقسيم و توزيع القوة و استخدام القوة فيما بينهم. في الدولة الريعية الاسئثار بالثروات واحكام القبضة عليها و توزيعها حسب الولاءات، هو ديدن الحكومة قبل السقوط و بعد السقوط، قبل الفيدرالية وبعد الفيدرالية، في الدولة المركزية و في الدولة اللامركزية. استخدام الموارد النفطية الهائلة لتقوية الموالين و الميلشيات والعشائر مقابل اعطاء فتات للجماهير، و استخدام الة القمع لاسكات المتبقية الباقية من الملايين.

 

في هذا التوجه، يتخذ من الاسلام السياسي و المحاصصة و اسلمة المجتمع و بشكل رسمي سلاحا لفرض هذا النظام الاقتصادي و السياسي و المعاشي على المواطنين. لا شيء اكثر ارهابا للناس من ان يعتبر الاعتراض على الحكومة هو مخالفة للتعاليم الالهية. و الحكومة هي تجسيد لتلك التعاليم، ان العراق ينتقل الان من دولة " ديمقراطية" الى دولة " التعاليم الالهية"، الحكومة في العراق الان تسير و بشكل رسمي نحو الاسلمة، انها تنتقل و مع مغادرة القوى الاميركية الى " دولة اسلامية" ان البرلمان العراقي يناقش هذه الايام قانون "حرية التعبير"، ان فقرات هذا القانون تناقش حجم العقوبات لاولئك الذين ينتقدون " الشعائر الدينية" فيما اذا كانت غرامة بمليون او عشر ملايين دينار، و فيما اذا كانت العقوبة سنة واحدة او اقل.

 

 

الجماهير في العراق، تعيش هذه الوقائع كل يوم، فالذي يريد الحصول على وظيفة عليه ان يدفع رشوة بمئات الدولارات و احيانا تصل الى الفين او اكثر للحصول على فرصة عمل. لهذين المطلبين خرجت الجماهير الى الشارع في 25 شباط، كانت الجماهير بحاجة الى" جدحة" وفر لها  الربيع العربي هذه الجدحة. الجماهير خرجت الى الشارع تطالب بالخدمات و القضاء على البطالة، فرص العمل، و انهاء الفساد. الا ان الحكومة واجهتها باطلاق النار و السجون و التعذيب.   الجماهير في العراق، كما في دول المنطقة الاخرى، الى التوصل الى  اشباع حاجاتها الرئيسية، و الى انتزاع الاقرار من الحكومة بحقها في التعبير السياسي، حقها في التظاهر، حقها في الاضراب. ان تضمين اي من هذين المطلبين وحده لا يغني عن جوع.

 

المركزية و اللامركزية مطلب من؟

 

المعيار الوحيد للتفضيل بين المركزية و اللامركزية بالنسبة لنا كشيوعيين يستند الى قياس واحد وهو: اي من النظامين بامكانه الاستجابة الى حاجات الناس، احقاق حقوق اكثر، يؤمن حياة افضل، و شروط حياة افضل للجماهير.

 

 غني عن القول ان الرأسمالية بكل اشكالها الصناعية و المالية و الريعية، تثبت بما لا يقبل السؤال مدى عجزها عن الاستجابة و الرد على تلك الحاجات. و ما تفننها بطرح اشكال مختلفة الا لخدمة مصالحها. انظروا اية من التظاهرات ظهرت للشوارع في العالم تناقش "شكل ادارة" الدولة، او شكل تنظيم الدولة. الذين خرجوا للشوارع من نيويورك الى القاهرة الى بغداد، يطالبون بشروط اقتصادية و معاشية، غير ابهين باي شكل اداري تتبناه الحكومة.

 

يطرحون اللامركزية، و يدعون ان اللامركزية ستقرب مجالس المحافظات من الجمهور، و بامكان المواطن مراقبتها عن قرب، و بان الدولة المركزية تحرم المواطن من هكذا نوع من الرقابة. و لكن اليست الاحزاب المؤتلفة في الحكومة اليوم هي نفسها التي تدير و ستدير المحافظات غدا؟ لم يتمكن الناس من اختيار افراد اخيار مستقلين، لان الميلشيات لن تترك لافراد مستقلين نزيهين الفرصة لخدمة الشعب. ان الاحزاب التي ستمسك بالسلطة في المدن هي ذات الاحزاب في الحكومة المركزية، سيكون و لديهم الان حصصهم من النفط، و سيستخدموا تلك الموارد الهائلة لا لاشباع حاجات الناس، بل لاثرائهم و توزيع اجزاء منه على الموالين لهم و على حماياتهم.

 

انظروا كيف تغيرت التموقعات من اعوام 2003 كان السنة بـ"المعني السياسي الحزبي" يقفون ضد الفيدرالية. الان من كان يدافع عن الوحدة، بدأ يعمل على تكريس اللامركزية. بالنسبة للجماهير قضيتها لا تكمن في المركزية او اللامركزية، فيما اذا تعطى الصلاحيات الوزراية و الوزارات الامنية الى المحافظات. ان مشكلة جماهير العراق لم تكن النظام المركزي او الفيدرالي، ان مشكلة الجماهير تكمن في انعدام الخدمات، عدم وجود فرص عمل، عدم توفر الكهرباء، بؤس التعليم، تكاليف الصحة، اللاامن، الفساد الذي يروه، الانتخابات التي خدعوا بوعودها، قلة الحقوق، تردي وضع المرأة، امتهان الحريات الثقافية و التضيق عليها، العنف بمواجهة الاعتراضات، التمويل الذاتي، المحسوبيات، هذه تشكل مطاليب الناس، و ليست المركزية او اللامركزية. 

ماذا تعني الفيدرالية؟ هل تعني تمتع السكان المحليين ببعض الثروات التي يجلسون عليها، كما يقول المجلس الاعلى في دعوته الى اقامة اقليم يتمتع بحكم ذاتي في الجنوب؟ كلا. المحافظات العراقية لديها ميزانيات خاصة من الحكومة، يعيدون المتبقي من ميزانياتهم الى وزارة المالية في الاعوام الماضية. علما ان المدن بحاجة الى كل شيء من النظافة الى الكهرباء. بعد ان يصل الحكام في المدن الى درجة التشبع بتوزيع العقود، يعيدون المتبقي الى وزارة المالية.

 يقولون بان اهل الجنوب عانوا كثيرا في ظل الحكم المركزي، ام من حكم صدام حسين، و لكن الجماهير تعاني الان ايضا، الجماهير في كردستان ترفل بحكم فيدرالي، ولكن التظاهرات في كردستان، حدثت بفعل الربيع العربي، و استمرت التظاهرات يوميا لعدة اسابيع، سكبت دماء من اجل تلك الحقوق، لا من اجل الفيدرالية و اللامركزية، فهذين الاخيرين لايضمان و بشكل اوتوماتيكي حياة افضل. 

هذه الحكومات في دولة فيدرالية او غير فيدرالية لا تستجيب الا تحت الضغط من الشارع. استخدام الجماهير  لقوة التظاهر و الاحتجاج يرغم تلك الحكومات على الانصات و على الاستجابة. انظروا الى كم من القرارات اقرت في عام 2011 لوحده في كردستان لوحدها قانون منظمات المجتمع المدني، قانون الجمعيات، قانون العنف ضد المرأة، و زيادة المدفوعات الشهرية لليتامى من 40 الف الى 150 الف دينار شهريا، ايجاد 25 الف فرصة عمل في كردستان، دفع ضمان اجتماعي لكل الخريجين العاطلين عن العمل و لمدة ستة اشهر بدفع مبلغ قدره 150 الف دينار، ان استصدار كل هذه القرارات التي كانت تعاني من السبات على رفوف البرلمان، خرجت الى النور لسبب  واحد لا غير انه الضغط من الشارع.

في ايران، التي يحكمها الاسلام الشيعي، هنالك الاكراد، و العرب و البلوش، و الافغان، و لم يجري طرح الفيدرالية. بل هنالك دولة مركزية و الجماهير هنالك تجمعها على اختلاف تلك القوميات مطلبين، الحياة الاقتصادية المرفهة و الحقوق السياسية، وخرجت الجماهير في ايران في تظاهرات مليونية، و لا تزال و رأينا ذلك على شاشات التلفزة.

المسالة ليست دولة مركزية ام لا مركزية، و لكنه صراع لتقسيم المجتمع في العراق، ان التعداد السكاني لم يحصل لحد الان في العراق رغم استحقاقه من الناحية الادارية، لان هنالك صراعات و  تقسيمات حول اي هي "مدن العرب" و اي هي "مدن الاكراد"، اعضاء المحكمة الفيدرالية العليا لم تقرر لحد الان، لانها تخضع لقانون المحاصصة، ان كل قانون يجب ان يخضع و يشرع وفق  قانون المحاصصة، المحاصصة في اقتسام الحصص و المواقع و السلطات و الثروات.لاتمت الفدرالية ليست باية صلة بتامين وتوسيع الحقوق والحريات السياسية والمدنية لجماهير العراق بل تمت الى توزيع الحصص. لم تطالب اية من المظاهرات في العراق بالفيدرالية و لا بالمركزية او اللامركزية ، ان كلا النموذجين في المطاف الاخير تطالب بها التيارات الدينية  والقومية وليس لها ادنى صلة بتحسين اوضاع الجماهير الناشدة للحريات والرفاه والمساواة.

الاحزاب الاسلامية المؤتلفة لا تمتلك رؤية مغايرة و النظام الاقتصادي الذي يراد تثبيته في العراق و هو النظام الاقتصادي الليبرالي الجديد، نقل الاقتصاد الى اقتصاد السوق الحر، تقليص دور الدولة الى ابعد في الاجابة على حاجات الانسان، و ترك المواطن للسوق ليتواجه مع القطاع الخاص ان كان بامكانه بيع قوة عمله، سواء كان هذا النظام مركزيا او لا مركزيا، فيدراليا او دولة موحدة.

 

ان نظام "توزيع الثروات"  ليس قائم على اساس اشباع حاجات الناس، خاصة و ان في عالم اليوم و مع التطور التكنولوجي بالامكان احصاء حاجات الناس و بالامكان العمل على اشباعها، الا ان التوزيع  في اطار دولة نفطية يتم على اساس النهب، كلما كان موقع الفرد اعلى في السلطة، و يحتكر صنع القرار، و يمتلك سلطة على القوة العسكرية، فانه بالضرورة الاكثر ثراء،و الجزء الاخر يوزع حسب المحسوبيات، و الولاءات و الواسطات. نظام اللامركزية الذي يطرح الان مصمما لانتفاع و هيمنة و اثراء فئات طفيلية، غير منتجة، و ليس لها دور في الاقتصاد غير قدرتها العسكرية و ادواتها الايديولوجية لفرض سلطتها على الناس، في العراق يوفر الاسلام الشيعي، ايديولوجية يفرض تحت رايتها هذا النظام الاقتصادي. 

 

ما الذي تطالب به الجماهير؟ 

 

طالبت الجماهير سواء في تظاهراتها في ساحة التحرير و في المدن الاخرى، بالخدمات و فرص العمل، و نددت بالفساد، و طالبت بحقوقها. في هذا تشترك الجماهير مع كل التظاهرات في العالم بمطالبتها بحقوقها الاقتصادية و و حقوقها السياسية.

 

اننا نرى ان حاجات الانسان تتمحور حول فرص عمل لكل قادر عليه و مستعد و راغب فيه، للرجال والنساء بشكل متساوي، سكن ملائم و صحي للجميع، الصحة و التعليم و الرعاية الاجتماعية، واحترام كرامته الشخصية، احترام حقه في التعبير، حقه في الشعور بالامان احترام ارادة الانسان.

 

  للوصول الى هذه الوضع  يعمل الحزب على التنظيم لتامين تدخل الجماهير  من الاسفل الى الاعلى انه يعمل على ان تتدخل الجماهير وان تحدد مصيرها، يرفض الحرب بالنيابة، يرفض التمثيل بالنيابة، يرفض سلب الارادة، بل يعمل على التدخل الواعي للجماهير. ان برنامج الحزب و مطاليبه و اعماله موجودة لكل من يريد الاطلاع عليها على صفحة الحزب.

 

ادعو الحضور الى التعرف عن قرب على هذا التنظيم. ادعو الاصدقاء الى الانخراط و العمل المنظم في صفوفه. لقد جربت الجماهير القومية العربية و حزب البعث في العقود الاخيرة، منذ عام 1968- وحتى عام 2003، ثم اتيحت لها فرصة العيش تحت سلطة الاحزاب الاسلامية، و تعرفون كيف ظهرت الجماهير مطالبة بالخبز و الحرية. ندعو الجماهير الى ان تنظم نفسها، وتاخذ و تمسك مصيرها بايديها، عبر اشكال و اشكال جديدة ومبتكرة من الاعتراض من اجل نيل الحقوق. ان تجربة الثورات في المنطقة قد كشفت و في منتهى الوضوح، ان القوى الشيوعية ان لم تكن منظمة، سيركب موجة الثورات القوى الاكثر تنظيما، ان الاحزاب الاسلامية تسعى الى ركوب هذه الموجات الثورية، و تعمل على ابعادهاعن الاهداف التي شنت من اجلها تلك الثورات، ان للتنظيم اهمية حاسمة، في المسعى التاريخي للاجابة على حاجات الانسان.

 

 26-11- 2011 - بغداد.