حديث نادية
محمود في الجلسة المنعقدة في
لندن 21-5-2005
حول انعقاد
المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي
العمالي العراقي..
الاصدقاء و الرفاق ..
نهاركم سعيد..
ارحب بكم الى جلسة هذا اليوم،
للحديث حول المؤتمر الثالث
للحزب الشيوعي العمالي
العراقي و الذي انعقد في
بغداد في منتصف شهر نيسان
الماضي. هذه الجلسة هي واحدة
من جلسات عديدة تقرر عقدها
لتنظيمات الحزب في الخارج، و
للاصدقاء للاطلاع على مادار
في المؤتمر و المقررات التي
اتخذت فيه. في هذه الجلسة،
اتفقنا الرفيق خسرو ساية
وانا، على تقسيم الموضوع، حيث
ساتحدث عن انطباعات عامة عن
المؤتمر و عن اهمية انعقاد
المؤتمر، اما الرفيق خسرو
فسيتحدث عن الابحاث التي طرحت
في المؤتمر.
اريد ان ابدأ بالحديث عن اول
ملاحظة كونتها في المؤتمر،
بالعودة الى تجربة مررت بها
في اذار 1993. اتذكر اني حيث
ذهبت الى كردستان، اصطحبني
الرفيق شمال علي، الى قاعة
دار الثقافة الجماهيرية في
السليمانية، قائلا ان هنالك
مراسيما تقام بمناسبة ذكرى
وفاة ماركس. حين دخلت الى
القاعة الكبيرة، ادهشني صور
كبيرة لماركس موضوعة على مسرح
القاعة و معلقة على الجدران،
والحضور، نساء ورجالا يغنون
النشيد الاممي، رافعين أذرعهم
اليسار.. ثم بدأت الكلمات
باللغة الكردية، و ارى الناس
يهتفون باسم الشيوعية في
القاعة، و انا واقفة في احد
الزوايا، حيث لم يكن هنالك
مكان للجلوس، احمل ابني الذي
كان عمره سنتين انذاك على
ذراعي، انظر باندهاش لكل الذي
يدور حولي.. كنت اشعر بمشاعر
ممتزجة، الانبهار، القهر،
الشعور بالرغبة في البكاء. في
ذلك الوقت كنت قادمة من
الناصرية، من مدينة تعيش تحت
سلطة نظام صدام حسين، لا يمكن
حتى ترك جريدة شيوعية في مكان
مكشوف داخل البيت، بل يجب ان
تخبأ بمكان امين بعد
قراءتها.. ثم ارى نفسي قد جئت
الى مكان كل شيء فيه علني،
الاغاني، الاشعار، الجرائد،
احاديث الناس! ان ترى كل شيء
علني، في ظروف استبداد، كان
امرا مذهلا، و كان سؤالي
لماذا لا نستطع ان نحيي ذكرى
ماركس في قاعة البهو في
الناصرية، وهل سياتي نفعل فيه
ذلك؟
اظن، و من قراءتي لوجوه عدد
من الحضور في قاعة المؤتمر،
كان هنالك شعور بالاندهاش.
لقد شعرت ماذا يعني ان تحضر
مؤتمرا في بغداد للشيوعية، في
قاعة فلسطين ميريديان، صور
ماركس ومنصور حكمت تغطي
القاعة الكبيرة، و الحضور من
كل مدن العراق... كان شيئا
جديدا، لنا جميعا، لقد عقدنا
مؤتمرينا الاول و الثاني في
كردستان العراق، اما المؤتمر
الثالث عقدناه في قلب
العاصمة، بغداد. كان اختيارا
مهما ذلك الذي قامت به اللجنة
المسؤولة عن تحضيرات
المؤتمر، والتي كانت تدار من
قبل اعضاء في المكتب السياسي،
وباشراف مباشر من ليدر الحزب.
حضر المؤتمر، ما يقارب المائة
مندوب من كافة تنظيمات الحزب،
من الخارج، كردستان، مدن
الجنوب، بغداد، الناصرية،
البصرة، كركوك، و مدن اخرى.
حضرت النساء بشكل مميز الى
المؤتمر، كل امرأة حضرت كانت
تحمل تفويضا من قبل منظماتها
الحزبية، لثمثيلها، كل امرأة،
لم يتم اختيارها، على طريقة
الجمعية الوطنية، فقط اسماء،
للزينة، لا ستكمال الديكور،
بل نساء معروفات على صعيد
عالمي، معروفات بعملهن في
التصدي للحرب، و الوقوف ضد
الاحتلال، وناشطات الحركة
النسوية، و حركة الطلاب سواء
داخل العراق او خارجه. كل
واحدة منهم قامت بالعديد من
النشاطات والاعمال العظيمة
التي مكنتها من الحصول على
تفويض منظمتها الحزبية. انعكس
هذا الحضور، بانتخاب
المؤتمرين لعشرة نساء في
اللجنة المركزية، علما، انا
ورفاق اخرين يشاركوني نفس
الشعور، بان هنالك نساء، خارج
اللجنة المركزية، لم يكن اقل
عطاء، او اقل نضالية.
حضور ممثلي المنظمات
الجماهيرية، كان حضورا ملفتا
للنظر، من اتحاد المجالس
العمالية، منظمة حرية المرأة،
منظمة نازحي البصرة، اتحاد
العاطلين عن العمل، كان
حضورا، عكس الوجه الحقيقي
للحزب، حزب العمال و النساء
و الفئات المتضررة في المجتمع
العراقي، مرة اخرى انعكس هذا
في انتخابات اللجنة المركزية.
انتخاب ممثلي الحركات
الجماهيرية ليكونوا قادة
للحزب، يعطي شعورا قويا، بان
الحزب سيسير على الخطى التي
قررها لنفسه في المؤتمر، بان
يكون حزبا جماهيريا في
العراق.
اقول بفرح: ان حزبنا، حزب
الشباب، اذا القيت نظرة على
الحضور، تجده عامرا بالشباب،
حتى اولئك الذي تقدموا في
العمر، تجدهم، يتوهجون بروح
الشباب و حماسه، استعداداتهم
العالية، نشاطهم الدؤوب، و
حيويتهم الكبيرة. تعطيك قراءة
واضحة، ان هذا حزب الشباب، و
يجلس في مقعد قيادته،
الشباب.
المسألة الاخرى التي يتوجب
ذكرها، هو ان المؤتمر عكس
بشكل حي حجم العمل المبذول من
قبل رفاقنا في السنتين
الماضيتين منذ سقوط صدام، في
مدينة البصرة، و الناصرية،
وبغداد، وكركوك، و غيرها.
سنتين فقط من العمل المتواصل،
في اصعب الظروف و الاوضاع، في
مجتمع يمر بسيناريو اسود، في
وقت الاحتلال و انفلات عيار
الحركات الاسلامية، الارهابية
سواء تلك التي في السلطة او
في " المقاومة" اظهرت قدرة
الشيوعية العمالية على ان
تسحر قلوب الناس، وان يتوجهوا
اليها. نتائج عمل عشرات
الرفاق الذين عملوا ليلا
ونهار دون كلل او تعب، من اجل
ابراز الحزب، و تنظيم صفوفه،
ظهرت واضحة في المؤتمر. انه
دلل على حيوية الشيوعية
العمالية، و على حيوية الحزب،
الذي تمكن من ان يصل الى
الجماهيرفي مدن عديدة، كان
بسبب اوضاع العمل السري
السابق، عسيرا الوصول اليها.
انعكس هذا الامر مرة اخرى، في
انتخابات اللجنة المركزية،
التي ظهرت، فيها شخصيات
سياسية مرموقة من مدن البصرة
وبغداد و الناصرية و كركوك.
لا بد لي من التاكيد على
الروح الرفاقية العالية التي
تحل بها جميع المؤتمرون، ان
قيادة الحزب ليس احتكارا
لاحد، لقد اعطى الرفاق الذي
كانوا تحملوا مسؤولية تأسيس
الحزب منذ عام 1992، و اعلنوا
تأسيسه، اعطوا اصواتهم وثقتهم
الرفاقية العالية، لرفاق ربما
لم يعرفوهم، ولم يلتقوهم يوما
من الايام، لكن اصداء نضالهم
كانت تصل الى كافة تنظيمات
الحزب، و الى المجتمع، لقد
انتخب الرفاق "القدماء"
الرفاق "الجدد"، انضموا ربما
قبل شهور معدودة للحزب، الا
انهم اثبتوا انهم في الصفوف
الامامية لنضال الحزب. و
بحضور الرفاق من الحزب
الشيوعي العمالي الايراني-
الحكمتي، اظهر حزبنا الطابع
الاممي الذي عرف به.
الان، وقد استعرضت لكم الوضع
الداخلي، لقاعة المؤتمر،
والحضور الى المؤتمر.. اعود
للحديث الاساسي لهذا
الاجتماع، ما هي ضرورة انعقاد
المؤتمر.. في هذه الايام.. هل
هي فقط اجتماع روتيني لكل
منظمة، و لكل هيئة تعقد
اجتماعاتها السنوية و
اهدافها؟ ام انعقاد مؤتمر
الحزب في هذه الاوضاع يكتسب
اهمية خاصة..
منذ ثلاث سنوات، منذ انعقاد
مؤتمر الحزب الثاني، العديد
من التغيرات صارت، شنت الحرب،
فرض الاحتلال، جاءت حكومة
مشكلة من تحالف طائفي اسلامي
كردي، دخلت الحركات الاسلامية
الى العراق و سيطرت على مناطق
واسعة من جنوب العراق، بفضل
الدعم الاسلامي الايراني،
انتقل حزب البعث من ان يكون
في السلطة، الى "مقاوم" من
اجل عودته الى السلطة.
بدأ الحزب عمله العلني في
مدن العراق، اسهم رفاقنا في
تاسيس المنظمات الجماهيرية،
اتحاد المجالس العمالية،
منظمة حرية المرأة في العراق،
اتحاد العاطلين عن العمل،
لجنة العمل الطلابي، جمعيات
الدفاع عن النازحين، عن هوية
كركوك الانسانية، طرحنا
برامجنا لاعادة تنظيم المدنية
في المجتمع في العراق، و
تشكيل مؤتمر حرية العراق،
انضمت شخصيات جماهيرية و
شيوعية الى الحزب، تواجهنا مع
الاحتلال ومع الاسلام
السياسي، أغتيل احد رفاقنا
على ايدي الاسلاميين، جرى
تهديد رفيقات لنا بالموت..
وهكذا ظهرت مجموعة متغيرات
على صعيد العراق، و على صعيد
الرأي العام العالمي ظهر
الحزب، بطرح متفرد، راديكالي،
يساري، فتّح عيون القوى
اليسارية في اوربا على ماهية
الموقف الشيوعي العمالي من
صراع الارهابيين في العالم، و
تمكنا ان نكون بقوة الصوت
المتفرد، الذي لا يقف الى
جانب الاسلاميين تحت حجة
مواجهة الاحتلال، و لا ان يقف
الى جانب امريكا، بدعوى
التصدي للحركات الاسلامية،
كان موقفا متفردا ان نقول
انهما قوتين ارهابيتين، حولتا
العراق الى ساحة للمواجهة
بينهما.
من هنا، و نظرا لوجود العديد
من هذه المتغيرات ، كان لابد
من مراجعة مواقف الحزب في خضم
السنوات الثلاثة الماضية منذ
انعقاد المؤتمر الثاني للحزب،
و الذي انعقد في اواسط شهر
كانون الاول- ديسمبر 2002. هل
كان وقوف الحزب ضد الحرب
سياسة صحيحة؟ هل كان تنديدنا
بالاحتلال ومطالبتنا بخروجه
سياسية شيوعية صحيحة؟ هل كان
طرحنا لاستفتاء جماهير
كردستان، و طرح مطلب استقلال
كردستان صحيحا؟ هل كانت
مقاطعتنا للانتخابات سياسة
صحيحة؟ هل كان خطابنا بان في
العراق يتبارى قطبين
ارهابيين، ارهاب امريكا و
ارهاب الاسلام السياسي، هل
كان هذه التوصيف صحيحا؟ هل
كانت كل تلك القرارت
والسياسات التي انتهجتها
اللجنة المركزية المنتخبة في
المؤتمر الثاني للحزب، وتحملت
مسؤولياتها على امتداد 3
سنوات من عملها اليومي، هل
كانت صحيحة؟ لابد من العودة
الى مؤتمر الحزب، للاقرار على
صحة او عدم صحة كافة سياسات
الحزب لتدقيقها، تعديلها،
تصويبها. و اقول، و بكل
اعتزاز، نال التقرير السياسي
و الذي استعرض فيه مواقف
الحزب و الذي قدمه الى
المؤتمر ليدر الحزب ريبوار
احمد، قبول كافة المندوبين،
في القضايا التي اتخذتها
اللجنة المركزية السابقة.
الامر الذي يدلل على الانسجام
والاتفاق على السياسة التي
انتهجتها اللجنة المركزية في
كل التحولات التي حدثت منذ
انعقاد المؤتمر الثاني، داخل
تنظيمات الحزب، والتي عبر
فيها مندوبيهم عنها.
تاتي اهمية هذا الانسجام، في
اوضاع يحتاج فيها المجتمع في
العراق الى صف مدني موحد،
منسجم، قوي، يمكنه ان ينقذ
المجتمع من ويلات السيناريو
الاسود. لم ينبري احد للدفاع
عن الحركات الارهابية، للقول
انها تمثل المقاومة ضد
الاحتلال، ولم يقل احد علينا
للخلاص من الارهاب الاسلامي
ان نلجأ الى دولة" ضامنة"
امريكا، من اجل ان تخلصنا من
ارهاب الاسلاميين. لقد اتفقنا
جميعا، على ان طريق الخروج
من اوضاع السيناريو الاسود في
العراق.. يتمحور حول انهاء
الاحتلال، انهاء نفوذ الحركات
الاسلامية، و اعمالها
الارهابية، واقامة مجتمع مدني
و دولة علمانية في العراق،
تقوم على اساس حق المواطنة
للجميع، وانهاء العمل على
اساس الهويات القومية،
الطائفية، الدينية،
العشائرية. واتفق المؤتمرون
على هذه السياسة، مؤكدين ان
الحزب، سينضم الى مؤتمر حرية
العراق، و سيعتبره اداته
لاخراج الجماهير من هذه
الاوضاع.
المسالة الاخرى، اهمية
المؤتمر تكمن في حقيقة، اننا
لم نعد حزبا كردستانيا، بعد
الان! لقد انضمت الى الحزب،
كما ذكرت قبل قليل، وجوه من
كافة مدن العراق، وجوه
اجتماعية و قادة جماهيريين،
هذه الشخصيات يجب ان تحتل
مواقعا قيادية للحزب. عليها
ان توجه الحزب في الاتجاه
الذي يجيب فيه على مطاليب
جماهير العراق. اعادة تغيير
قيادة الحزب، بما ينسجم مع
المستجدات التي طرأت على
تشكيلة الحزب في الارض.
وبسرور اقول، لقد تحقق هذا
الهدف، الان ترى ان رفاقنا
من البصرة و الناصرية و
بغداد، يقفون على رأس قيادة
الحزب. و كما قلت، بثقة
رفاقية عالية منح المؤتمرون
اصواتهم لمن يعتقدون انهم
بامكانهم قيادة الحزب، دون
النظر الى هويته القومية او
مكانة الجغرافي. ان المكان
الوحيد الذي لا ترى فيه
الاشارة الى الهوية القومية
في العراق اليوم، هو صفوف
الحزب الشيوعي العمالي
العراقي.
الا انه و للطرافة فقط اقول،
حين بدأنا نتحدث في الاجتماع
السادس عشر للجنة المركزية،
بدأت عبارة " القيادة
الجديدة" و " القيادة
القديمة" ترد على لسان رفيق
او رفيقين. لم يفوت الرفيق
رحمن حسين زادة، وكعادته،
الفرصة للرد على اي كلمة غير
مناسبة ، فقد اوقف الامر
بالقول" ايها الرفاق.. ليست
لدينا قيادة قديمة وقيادة
جديدة، انتخبنا قيادة واحدة،
من الشباب، ناخذ الحيوية
والنشاط، ومن الاقدم سنا،
ناخذ التجارب و الخبرات.
الان، نحن قيادة واحدة".
ايضا لا بد لي من القول، ان
تنظيم المؤتمر كان رائعا. كأن
هنالك يدا قامت بهندسته من
البداية الى النهاية.
الاوراق، البرامج، ادارة
المؤتمر كان في غاية التنظيم.
اما من الناحية الامنية، ففي
مدينة، شوارعها مقطوعة بسبب
العمليات الارهابية، و
التفجيرات هنا وهناك، و سحب
الدخان تتصاعد، ان يعقد
مؤتمره، و ينهية بامن وسلام،
ذلك امر يحتسب للهيئة
المسؤولة عن اعداد و ادارة
المؤتمر.
في الختام، اكرر ما قالة
الرفيق ريبوار احمد، ان اهمية
انعقاد مؤتمر للحزب الشيوعي
العمالي العراقي اولا و قبل
كل شيء "لأنه مؤتمر حزب له
اختلاف جوهري مع كافة الأحزاب
الأخرى على الساحة السياسية
العراقية، حزب مختلف من
الأساس عن كافة الأحزاب التي
تواجدت طوال تاريخ هذا
المجتمع. إنه مؤتمر حزب شيوعي
ويساري، شيوعيته لها اختلاف
جوهري عن تلك الشيوعية التي
كانت رائجة سابقاً في العراق.
فالشيوعية التي يتم تمثيلها
من قبل حزبنا ومن قبل هذا
المؤتمر تعادي بشدة كافة
أشكال الرجعية الدينية
والتخلف والعصبية القومية
واللامساواة والظلم والاضطهاد
ولا تقبل بأية ذريعة وتبرير
في المساومة معها ولا تتعايش
معها أبداً، شيوعية إنسانية
ومساواتية وعصرية تماماً،
حركة إعادة الإرادة للإنسان".
اما الابحاث التي قدمت في
المؤتمر و القرارات التي جرى
اقرارها، فهذا ما سأتركه
للرفيق خسرو ساية.
شكرا لكم..