الحركة العماليـة: أفـاقها !
2
سامان كريم
zaryak@yahoo.com
ان هذه الحلقة والحلقة
القادمة مخصصة للخصائص
البنيوية لطبقتنا وتأثير
السيناريو الاسود على هذه
الخصائص.
إن المحور الرئيسي في أوضاع
السيناريو الاسود هو: الياٍس،
الفقر، الجهل بما يجري على
الصعيد الاجتماعي، واهم من هذ
كله عدم وجود دولة وحكومة. في
هذه المرحلة ليس بإمكان
البرجوازية ان تحسم أمرها
بخصوص مسالة الدولة والحكومة
ايضا. أن الدولة والحكومة قبل
ان تكونا موضعا للصراع الطبقي
بين العامل والبرجوازي هي
موضع صراع دامي بين اجنحة
البرجوازية المختلفة كما
شاهدنا منذ اكثر من خمسة
سنوات بين التيارات الأشد
الرجعية في العراق. نستنتج من
هذا، إن اول محور او إن
إستراتجية "إسقاط الحكومة"
التي هي من صلب اي إستراتيجية
شيوعية عمالية في بلدان مثل
العراق تتغير، لأن ليس هناك
حكومة حتى تسقطها، هناك
ميليشيات مختلفة، حتى إّذا
تسقط الحكومة في منطقة
الخضراء او إذا جرى انقلاب
عسكري ليس له معنى ملموس على
الارض في مدن النجف وكربلاء
والكوفة والبصرة والعمارة
ومدينة الثورة والسليمانية
وأربيل و...الخ. في العراق
أصبح هذا الوضع سائدا منذ
الاحتلال، إتفقت الميليشيات
المختلفة على إدارة أعمال
البلد بواسطة قوة السلاح
ودرجة من التبليه السياسي
والفكري "الذي ليس محوريا
مقارنة باوضاع مستقرة". إن
قانون السلاح وقوته هي التي
تحسم الامور. هذا قانون سائد
في ظل سيناريو اسود في اي بلد
كان، ويعلوا على كافة
القوانين الاخرى. إن من يطالب
بإرساء القوانين، أو "يطلب"
الإصلاح من حكومة الميليشيات
أو يقدم العرائض او يقدم
استشارة هو ليس إلا مثقفا
ساذجا لا يفهم الوضع الحالي
او تم تاجير قلمه في أحسن
الاحوال بهدف تامين معيشته او
بضعة أوراق من الدولارات. هذه
الحالة أدت وتؤدي الى خلق
اوضاع جديدة لم يعتاد عليها
المجتمع من قبل او غريبة عن
جسمه.
إن أول ما يؤدي اليه هو تفكيك
البنية الاجتماعية الموجودة
والمتعارف عليها ضمن سياق
تاريخي معين. تدمير البنية
الاجتماعية وتفكيك ركائزها.
اقصد بذلك الدرجة المعينة من
الوعي السياسي والفكري و
العائات والتقاليد الراقية
والعصرية التي بلغها المجتمع
بصورة عامة، درجة معينة من
البعد عن الدين بصورة عامة و
مدى تغلل الدين في مفاصل
الحياة، درجة معينة من
العلمانية و التطلع للتقاليد
الانسانية والغربية بصورة
عامة، مكانة المراة في
المجتمع، الحجاب ودرجة إقبال
المجتمع عليه على الصعيد
الاجتماعي، العلاقة بين الرجل
والمراة ونظرة المجتمع اليها،
مكانة التعليم والتعليم
العالي في منظور المجتمع،
دونية مكانة رجال الدين في
المجتمع، مدى إستقطاب
الجماهير حول التيارات
السياسية الرجعية، رابطة
المجتمع بالدستور والقوانين
الجارية، رابطة الطبقة
العاملة بالمجتمع و القوانين،
رابطة الدولة والحكومة
بالطبقة العاملة ومكانة
الطبقة في المجتمع ، مكانة
الانسان من ناحية اعتباره
ودوره في المجتمع وحتى وجوده
الفيزيقي، نمط معين وواضح
لحياة و....الخ كل هذه
المسائل تتغير نحو اوضاع
سلبية في ظل السيناريو
الاسود.
إن كل هذه القضايا والمتغيرات
على الصعيد الاجتماعي تؤدي
مباشرة الى تغيرات نوعية جمة.
ابرزها تفكك البنية
الاجتماعية وركائزها الاصلية.
يحل تغيير الناس لانفسهم
بهدف الإنسجام مع الاوضاع
الجديدة محل الامل في
التغيير. التوجهات السياسية
على الصعيد الاجتماعي
والانضمام الى التيارات
والاحزاب السياسية يصبحان
عملا للارتزاق وايضا للحفاظ
على امن انسان. في ظل هذه
الاوضاع تتواجه الاحزاب
الإسلامية والقومية
والعشائرية مع بعضها البعض
بالسيارات المفخخة والعبوات
الناسفة و الصواريخ في سبيل
الاستيلاء على محلة ما او
منطقة او ناحية او مجمع سكني
ما او مدينة ما او نهر او تل
أو جسرما...الخ. يسود قانون
الغابة والبقاء للاقوى، ومن
لديه ميليشيات اقوى من حيث
العدد والعدة سيصبح ملك
الغابة. في ظل هذه الاوضاع،
يتغير قانون حركة التجارة و
الاقتصاد، قانون اقتصاد
السوق، قانون توقيع المعاهدات
الدولية و الأتفاقيات
الثنانية... أن قوانين إقتصاد
السوق "الجاري" في العراق
يتغير كثيرا عن مثيلتها في
تركيا او تايلند او سنغافورة.
الاتفاق الامريكي-العراقي
الذي يجري في الكواليس يتغير
كثيرا عن اتفاقيات تعقد بين
دولتين. القوانين التي تصدر
تختلف كثيرا عن القوانين التي
تصدر حتى في بلد مثل الاردن
او مصر...الخ. اننا نتذكر
حيثيات إصدار قرار 137 ضد
المراة من قبل رئيس إحدى
الميليشيات الحاكمة. في ظل
هذه الاوضاع يصبح "الفساد"
والتوافق على توزيع النهب بين
الميليشيات الحاكمة قانونا
جاريا غير مدون. إقتصاد السوق
او السوق الحر يصبح حرا فقط
للميليشيات الحاكمة فقط وليس
حتى للرأسماليين الكبار
والصغار.
إذن في ظل هذه الأوضاع التي
تتغير فيها البنية الاجتماعية
و ركائزها الاصلية، كما ذكرنا
محاورها الاصلية أعلاه، تتغير
في الوقت نفسه البنية
الداخلية واليات عمل ونمط
حياة الطبقة العاملة، ونوعية
تنظيمها. يتغير جراء ذلك سبل
التحرك والنهوض بالحركة
العمالية الى حركة صاعدة
وناهضة وقوية مقتدرة. قلنا في
الحلقة الاولى في عدد السابق
من " الى الامام" إن لدى هذه
الحركة " قادتها في حالتهم
الراهنة، لديها شكل من اشكال
التنظيمات سواء كان بدائي او
متطور و لديها ايضا ميول او
تيارات سياسية اجتماعية
مختلفة تتفاعل وتؤثر على
الحالة النضالية لطبقتنا" بغض
النظر عن وجود حزب او
تنظيماتها الجماهيرية.
قلنا ان المجتمع يحاول أن
يلائم نفسه مع هذه الحالة
الجديدة. وان طبقتنا كجزء من
المجتمع تحاول أن تلائم نفسها
مع الاوضاع الجديدة. اذن كيف
تكون البنية الاساسية او
الخصائص العمومية التي
تمتلكها طبقتنا في ظل هذه
الاوضاع؟!
اولاً: التيارات الاجتماعية
داخل الطبقة العاملة: إن
التيارات الاجتماعية المختلفة
تأريخيا داخل طبقتنا هي
الاصلاحية "النقابية"
والشيوعية العمالية في
العراق. أن التيار الاول ظهر
بقوة في الثلاثينات
والاربعينات ولغاية الستينات
من القرن الماضي، كان تيارا
مقتدراً داخل حركتنا. كان
تيارا إصلاحيا برجوازيا يقوده
الحزب الشيوعي العراقي، وكان
تيارا طاغيا و سائدا الى حد
كبير داخل الحركة العمالية في
العراق. هذا التيار يحاول
إصلاح وضع الطبقة العاملة من
خلال نضال الحركة العمالية في
سبيل تحسين امورها المعاشية و
الحركة المطلبية حول حق تشكيل
النقابات وكان يتحرك بموازاة
الحركات المناهضة للأستعمار
البريطاني في العراق، والتي
توصف في تلك الحقبة بالاحزاب
و التيارات "الوطنية".
الشيوعية العمالية كانت حاضرا
ومناضلا بموازاة الحركة
النقابية داخل الحركة
العمالية، على رغم عدم وجود
حزبها السياسي في تلك الحقبة.
حيث نرى الحركات التي تتميز
عن باقي الحركات الاخرى في
تلك الحقبة مثل حركة
"كاورباغي" التي إتسمت
بالجراة والشجاعة
والراديكالية وبالتضامن
الطبقي بين قطاعات مختلفة من
طبقتنا، ورسمت لوحة نضالية
كبرى في تأريخ نضال طبقتنا.
كانت حركة طبقتنا في تلك
الحقبة، اي حقبة ماقبل سقوط
الملكية، أسيرة للحركات
البرجوزاية "الوطنية" التي
تناضل من اجل طرد الاستعمار.
بمعنى اخر كانت ملحقا لهذه
الحركات، وتم احتوائها من قبل
هذه الحركات السياسية وخصوصا
من قبل الحزب الشيوعي العراقي
الذي مثل في تلك الحقبة تيارا
قوميا إصلاحيا.
بعد مجئ حكومة البعث القومية،
وبعد ان أجرت عدد من
الاصلاحات في ميادين الأصلاح
الزراعي و قانون العمل 151و
الضمان الاجتماعي، إستسلم هذا
التيار بالكامل لأحضان
السلطة، ولم يبقى له اي توجه
سياسي جدي سوى تشكيل الجبهات
الرجعية مع الحكومة القومية
العربية، وكانت تسمى تلك
الاصلاحات من قبل الحزب
الشيوعي "بالطريق نحو
الاشتراكية". ان حكومة البعث
حاولت من خلال الاصلاحات و
الاحتواء في البداية السيطرة
على الحركة العمالية، ومن ثم
بوسيلة الاستبداد المباشر.
اما بموازاة هذه الحركة
الاستسلامية التي تبناها
الحزب الشيوعي، كانت لحركة
الشيوعية العمالية حضورها
مثلا في حركة الزيوت في
بغداد. خلال اكثر من ثلاثين
سنة من حكم البعث، وبفعل
عوامل كثيرة ومنها إلاستبداد
والتحميق...الخ، فرض على
طبقتنا وحركتنا تيارا عروبيا،
القومية العربية. لكن هذه
الحالة هي حالة مكتسبة فرضت
على طبقتنا بقوة السلاح و
الحروب المتتالية. وابان تلك
المرحلة خلقت صفا واسعا من
قادة العماليين المتملقين
تلهث وراء السلطة والأمتيازات
الشخصية التي بدأت بإستسلام
النقابات للبعث في أواسط
السبعينيات، والتي ادت بدورها
الى سلب هذه الحركة من قادتها
جراء هذه السياسة و السياسات
الاستبدادية التي تلتها.
أما بعد الاحتلال و الهجمة
الامريكية الشرسة حيث سقط
النظام و لم يكن هناك اي بديل
او نظام يحل محل النظام
السابق، والتي ادت الى ظهور
القوى الاسلامية والرجعية
والارهابية مثل فطر الربيع في
كل انحاء البلاد. وخصوصا أن
الحركة العمالية تعاني مشاكل
جمة و كسر ظهرها الحصار
الاقتصادي الذي أدى مع عوامل
اخرى إلى تشرذمها و تهميشها
كليا. حيث كان الصراع
الارهابي، والطائفي والقومي
سمة هذه المرحلة التي سميناها
بالسيناريو ألاسود. إن عدم
وجود الدولة والحكومة بالمعنى
المالوف للكلمات ادى الى حالة
الفوضى الشاملة التي ادت الى
سلطة الميليشيات في مناطق
مختلفة من العراق. أن الامن و
المعيشة إستحوذ عليهما
الميليشيات الاسلامية
والقومية سواء كان تحت إسم
"المقاومة" او تحت إسم
"الدولة والقانون". هذه
الحالة و"المقاومة الاسلامية"
و"القومية" للاحتلال ادت الى
إختراق حركتنا من قبل القوى
الاسلامية والقومية بشكل
واسع. هذه الاختراقات هي سمة
من السمات المميزة لوضع
السيناريو الاسود، فبدون هذا
الوضع ليس بإمكان القوى
الاسلامية ان تجد مكانا داخل
الحركة العمالية. الحركات
الاسلامية، وخصوصا تلك التي
لديها ميليشيات كبيرة و لها
يد طولى في الحكومة
والبرلمان، سيطرت على مفاصل
الدولة وإقتصادها. بمعنى اخر
ان معيشة الناس و امنهم اصبحا
بايديهم في المناطق الجنوبية
وجزء كبير من بغداد. وعليه، و
حسب هذا الميزة، وميزتهم
التأريخية "ضد الاحتلال" أصبح
لديهم مكانا واسعا داخل
الحركة العمالية. وأدت بهم
هذه المسالة الي تشكيل
"الاتحادات والنقابات
الصفراء" لإحتواء حركة طبقة
العاملة. حيث شكل التجمع
المهني العراقي التابع لمنظمة
البدر والمجلس الاعلى،
وإلاتحاد العام لنقابات
العمال في عموم العراق التابع
لحزب الدعوة والاتحاد العام
لنقابات العمال المستقل
التابع للتيار الصدري أو
جماعة راسم العوادي" الإتحاد
العام لنقابات عمال العراق"
ونقابات عامة في كردستان
تابعة للاحزاب القومية
الكردية. تلك " النقابات"
و"الإتحادات" التي ليس لديها
عمل داخل صفوف طبقتنا وحركتنا
سوى العمل من اجل شقها و وضع
عراقيل قومية وطائفية امام
توحيد نفسها ورص صفوفها.
برايي ان الحركة النقابية،
بالمعنى التاريخي والمعروف
لهذه الحركة، فاقدة لاية
أرضية في هذه المرحلة، وليس
لديها أية فرصة لقيادة الحركة
العمالية. الحركة الوحيدة
التي ظهرت متشتتة ومتشرذمة في
هذه المرحلة ولها القدرة
والطاقة اللازمين لقيادة هذه
الحركة كحركة طبقية نضالية
لقلب هذه الاوضاع هي حركة
الشيوعية العمالية كتيار
موضوعي واقعي داخل حركتنا
الطبقية. أن ميلنا او تيارنا
الشيوعية العمالية هو الذي
بإمكانه ان يقود الحركة
العمالية. أن يقود هذه الحركة
كطبقة واحدة موحدة لها
مصالحها الطبقية الخاصة بها
بغض النظر عن الاقوام
والطوائف الدينية. تلك
الطوائف التي مزقت حركتنا
وخلقت في صفوفها تيارات
سياسية تعمل في كل لحظة ضد
مصالحها وتوحيد صفوفها. أن
أول خطوة واهم وظيفة
سياسية-عملية للقادة الطليعين
لهذه الحركة هو تطهير حركتنا
الطبقية من هذه الجماعات
والتيارات التي فرضت على
حركتنا بسبب هذا الوضع
المشؤوم.
أن أختراق هذه التيارات لجزء
كبير من حركتنا و امال
وتطلعات طبقتنا في هذه
المرحلة، أدى الى خلق طوائف
واديان واقوام مختلفة داخل
حركتنا، بفعل وبقوة
الميليشيات التي تنفخ بقضية
الطوائف والاقوام. أن أعادة
الاعتبار الى العامل في
العراق وان تحل وحدة صفوف
الطبقة محل التشرذم على اساس
الطوائف والاقوام واحلال
الامل بوجه الياس هو وظيفة
وخطوة سياسية وعملية مهمة تقع
على عاتق الشيوعية العمالية.
أن حزب شيوعي عمالي هو السند
الوحيد والداعم القوي
والطليعي لهذا المسعى.
على القادة الطليعيين لحركتنا
الشيوعية العمالية و ناشطي
هذه الحركة داخل طبقة
العاملة، جملة وظائف مهمة
بهذا الاتجاه. ستكون الحلقات
الاخيرة لهذا البحث مخصصة
للائحة سياسية عملية للحركة
عمالية.